التحريم كقوله تعالى ?ولا تقتلوا أنفسكم?[النساء29]والكراهة كقوله : (لا تصلّوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين وصلّوا في مرابض الغنم فإنها بركة ) رواه أحمد وأبو داود عن البراء بن عازب والدعاء كقوله تعالى ?ربَّنا لا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا?[ آل عمران 8]والإرشاد كقوله : (لا تأكل البصل النَّيءِّ ) رواه ابن ماجة عن عقبة بن عامر ، والتهديد كقولك لعبد لا يمتثل أمرك لا تمتثل أمري ، والتحقير كقوله تعالى ?لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا ?[الحج(88)] الآية ،وكون المخاطب النبي [*]لا يمنع إفادة التحقير(1)فيكون عاماً له ولغيره وإن كان بالنسبة إليه حراماً (2) وبيان العاقبة : كقو له تعالى ? وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ? [إبراهيم(42)] الآية واليأس كقوله تعالى ?لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ ?[التحريم(7)]
وزاد بعضهم أنواعاً ترجع إلى ما ذكرنا .
__________
(1) ـ والتحقير للمنهي عنه والمعنى فهو قليل حقير بخلاف ما عند الله كذا في شرح الجمع تمت
(2) ـ قال في الغاية : ج2/ص178 وقيل لا يصح التمثيل بهذه الآية لأن النهي فيها للتحريم لأن المخاطب بها النبي وتحريم مد الأعين معدود من خصائصه ، وأجيب بأنه لم يخرج عن إفادة التحقير فيكون عاما للنبي ولغيره وإن كان بالنسبة إليه حراما فيكون مشتملا على التحريم باعتبار الخصوص والتحقير باعتبار العموم فليتأمل تمت(1/341)


إذا عرفت ذلك فلا يتميز النهي عن سائر هذه المعاني إلا بكراهة الناهي للمنهي عنه (و) يخالف الأمر بأنه (يقتضي مطلقه الدوام) أي دوام وجوب الانتهاء عن المنهي عنه وانسحاب حكمه على جميع الأزمان وباقتضائه الدوام يتحقق اقتضاؤه الفور أي تعجيل الانتهاء عن المنهي عنه وذلك لأنه المتبارد عند التجرد عن القرائن ولأنه لو لم يكن كذلك لجاز إيقاع الفعل المنهي عنه ولو مرة واحدة وهو باطل لأن النهي مطلقاً يفيد المنع من المنهي عنه مطلقاً ووقوعه يرفع مطلق الامتناع ولأن العلماء لم يزالوا يستدلون به على الترك مع اختلال الأوقات لا يخصصونه بوقت دون وقت فلو لا أنه لما ذكرناه لما صح ذلك وأيضاً فإنه مقابل الأمر والأمر يقتضي تحصل ماهية المأمور به في الوجود كما سبق فيجب في النهي أن يكون حكمه على العكس من ذلك وهو المنع من حصول ماهية المنهي عنه في الوجود وذلك لا يتم إلا بتكرار الانتهاء
قال أئمتنا عليهم السلام والجمهور وكذا مقيده بشرط أو نحوه نحو العالِم لا تهنه ونحو إن كان فاسقاً فلا تكرمه ولا تدخل الحمام إلا مستتراً لأنه قد ثبت اقتضاؤه مع الإطلاق ، والتقييد لا يخرجه عن موضعه بل التكرار مع التقييد أظهر ولذا قال بالتكرار في الأمر المقيد بمثل ذلك من لم يقل به في المطلق فيقتضي الدوام والفور إلا لقرينة(1/342)


وقال أبو عبد الله والحاكم وبنى عليه المصنف أنه (لا يقتضي مقيده) الدوام ووجوب التكرار بل الانتهاء مرة إلا لقرينة تقتضي الاستمرار وهذا تصريح بمفهوم الصفة من قوله مطلقة ويكون عن شيءٍ واحد وهو ظاهر أوأشياء متعدده إمَّا جمعاً كالحرام المخير نحو لا تناول السمك واللبن ، ومنه تحريم الجمع بين الأختين فعليه ترك أحداهما فقط فالمحرم جمعهما لا فعل أحدهما وهذه المسئلة كالواجب المخير والخلاف في متعلق التحريم كالخلاف في متعلق الوجوب ولا بد في حسن هذا من إمكان الجمع لئلا يكون النهي عبثاً وإمكان الفرق لئلا يكون تكليفاً بالمحال وإما فرقاً نحو قوله (لايمشين أحدكم في نعل واحدة لينتعلهما معاً أو ليختلعهما معاً) (1)رواه البخاري ومسلم فإنه يصدق أنه منهي عنهما جميعاً لبساً أو نزعاً من جهة الفرق بينهما في اللبس أو النزع لا الجمع بينهما فيه ولا بد في حسنه من إمكان الجمع لئلا يكون تكليفاً بالمحال وإمكان الفرق لئلا يكون عبثاً (2)وإما جمعاً وفرقاً كالنهي عن الزنا والسرقة فكل واحد منهما منهي عنه فيصدق بالنظر إليهما معا أن النهي عن شيء واحد . ولا بد في حسنه من إمكان الخلو عنهما فلا يجوز النهي عن الحركة والسكون معاً لامتناعه فيهما
__________
(1) ـ نص الحديث على ما أخرجه مسلم في صحيحه ج 3/ص 1660/ح أبي هريرة أن رسول الله قال لا يمش أحدكم في نعل واحدة لينعلهما جميعا أو ليخلعهما جميعا وأخرجه البخاري في صحيحه و ابن حبان في صحيحه و الترمذي في سننه و ابن ماجه في سننه و أبو داود في سننه و ابن حنبل في مسنده
(2) ـ كالنهي عن الجمع بين القيام والقعود ، وإنما كان عبثا لأنه يجري مجرى نهي الهاوي من شاهق عن الاستقرار تمت ح غايةج2/ص182(1/343)


واعلم أنه إن اقترن بوعيد دل على قبح المنهي عنه اتفاقاً وإن صحبته قرينة تدل على عدم قبحه فلمدلولها اتفاقاً وإن تجرد عن ذلك فعند أئمتنا عليهم السلام والجمهور حقيقة في التحريم (و) حينئذٍ (يدل بوضعه) وصيغته (على قبح المنهي عنه) ولا أثر لتقدم الإيجاب في حمله على خلاف ذلك لمثل ما تقدم في الأمر من مبادرة العقلاء إلى ذم عبد لم يترك ما نهاه عنه سيده واستدلال السلف بصيغة النهي المجردة عن القرائن على التحريم وشيوع ذلك من غير إنكار ولكراهة الناهي لما نهى عنه كما سبق في الحد وكراهة الحكيم للشيء تدل على قبحه وإلا لزم كراهية الحسَن وهو محال فكان قبيحاً لعدم الواسطة بين الحسن والقبيح
ثم اختلفوا هل هو بمعناه الحقيقي وهو التحريم يدل على فساد المنهي عنه لغة وشرعاً أو لا ؟ فذهب أبو طالب والمنصور بالله عليهما السلام وبعض الفقهاء والمتكلمين والظاهرية إلى أنه يدل على الفساد (1)شرعاً لا لغة في العبادات والمعاملات سواء رجع إلى نفس المنهي عنه كصلاة الحايض وصومها أو إلى جزئه كالنهي عن بيع الملاقيج أي ما في البطون من الأجنة لجهالة المبيع وهو ركن من البيع والله أعلم ،أو إلى صفته الملازمة كبيوع الربى لاشتمالها على الزيادة اللازمة بالشرط
__________
(1) ـ في الهداية أنه يدل على الفساد المرادف للبطلان والظاهر دلالته على مطلقه على المرادف للبطلان والله أعلم تمت منه(1/344)


أما دلالته عليه شرعاً فبدلالة الإجماع فإن السلف من علماء الأمصار بالأعصار لم يزالوا يستدلون على الفساد لا على مجرد التحريم بالنهي مجرداً عن القرائن في الربويات مثل : ?لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا? [البقرة(130)] ?وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا? [البقرة(278)] وفي الأنكحة مثل: ?وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ? [البقرةَ(221)] وغيرهما من سائر ماينهى عنه من جنس العبادت والمعاملات من ذلك حكمهم بفساد بيع درهم بدرهمين وبيع الغرر وما دخلته جهالة في المبيع كبعت منك ما أكسبه هذا اليوم أو في الخيار أو الأجل أو في الثمن .
وأما عدم دلالته عليه لغة فلأن فساد الشيء عبارة عن سلب الأحكام له أي عدم ترتب ثمراته وآثاره عليه وليس في لفظ النهي ما يدل على الفساد من جهة اللغة أصلاً يُعلم ذلك قطعاً .
وذهب المصنف إلى ما ذهب إليه بعض أصحابنا وأبو عبد الله البصري وأبو الحسن الكرخي والقاضي عبد الجبَّار وكثير من الشافعية من أنه (لا) يدل على (فساده) أي المنهي عنه أصلاً لا لغة ولا شرعاً لا في العبادات ولا في المعاملات لأنه لو دل عليه لغةً أو شرعاً لناقض التصريح بالصحة لغةً أو شرعاً واللازم باطل ، أمَّا الملازمة فظاهرة ، وأما بطلان اللازم فلأن الشارع لو قال نهيتك عن الربى نهي تحريم ولو فعلت لكان البيع المنهي عنه سبباً للملك لصح من غير تناقض بحسب اللغة والشرع .
وأجيب بمنع الملازمة إذ قد يصرح بخلاف الظاهر ونحن لم ندع إلا أن النهي ظاهر في الفساد والتصريح بخلافه قرينة صارفة عن الحمل على الظاهر الذي يجب الحمل عليه عند التجرد عن القرائن
وللإمام المنصور بالله القاسم ابن محمَّد عليه السلام والد إمامنا المتوكل على الله أيده الله تعالى تحصيل عجيب وهو مذكور في شرح مرقاته لحفيده عز الدِّين محمَّد بن الحسن أيده الله تعالى(1/345)

69 / 108
ع
En
A+
A-