(و) إذا عرفت ذلك عرفت أنه (إنما يرجع في ذلك) أي في دلالته على أحد الأمور المذكورة (إلى القرائن) الدالة على أي ذلك فإذا قامت قرينة معنية للمراد من ذلك وجب حمله عليه اتفاقاً أمَّا عند من يقول بإفادته ذلك بصيغته ووضعه فظاهر وأمَّا عند غيره فللقرينة ومن القرائن الدالة على التكرار التعليق بعلة نحو ?الزانية والزاني فاجلدوا?[النور] ?وإن كنتم جنباً فاطَّهروا?[المائدة6] فإنه يتكرر بتكررها اتفاقاً للإجماع على وجوب اتباع العلة وإثبات الحكم بثبوتها فإذا تكررت تكرر وإنما لم يتكرر في نحو إن دخلت السوق فاشترِ لحماً سميناً وإن دخلت المرأة الدار فطلقها لقرينة إرادة المرة حتى لو تجرد عنها لاقتضاه فتأمل .
وأما التعليق بوقت مضيق أو موسع فقد تقدم حكمه في صدر الكتاب
[الخلاف في وجوب القضاء بنفس الأمر الأول
أم بغيره]
ثم إن لم يفعل المأمور به في وقته المعين فهل يلزمه القضاء بالمر الأول أو لا يلزمه إلا بأمر جديد ؟
فالمختار ما ذهب إليه أئمتنا عليهم السلام والجمهور أن القضاء إنما يجب بأمر جديد (وأنه) أي أمر الأداء (لا يستلزم) الأداء له ولا (القضاء) له في غيره وقد عرفت حقيقتهما أي لا يدل عليهما بالالتزام لأنه أقرب ما يقدر فيه بعد القطع بانتفاء دلالته عليهما صريحاً
بيان ذلك أن قول القائل صم يوم الخميس لا يدل على صوم يوم الجمعة بوجه من وجوه الدلالة (وإنما) يستفاد وجوب فعله في غير الوقت و(يعلم ذلك بدليل آخر) كقوله تعالى ?فعدة من أيام أخر?[البقرة184]
وقوله (من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها) رواه البخاري ومسلم عن أنس .ولا نسلم أن الزمن غير داخل لأن الكلام ليس في الفعل المطلق بل في المقيّد بوقته فالوقت المقدر صفة للفعل الواجب ومن وجب عليه فعل بصفة لا يكون مؤدياً له من دون تلك الصفة ولا أن وقته كأجل الدِّين في عدم سقوطه بفواته للاعتداد بتقديم الدين في الجملة على أجله دونه(1/331)
(وتكريره) بصيغة نحو افعل عبارة عن ذكره ثانياً فصاعداً إمَّا أن يكون (بحرف العطف) والمراد منه ما يقتضي الجمع من الواو والفاء وثم وحتى لا غيرها لوضعه لواحد معيّن أو غير معيّن أو بغيره إن كان بحرف العطف المذكور فإنه (يقتضي تكرر المأمور به) على المأمور بحسب تكرر الأمر إذ الشيء لا يعطف على نفسه ولأنه لو لم يقتضه لكان الثاني تأكيداً للأول والتأكيد مع حرف العطف قليل(1) سواءً كانا من جنس أومن جنسين متفقين أو مختلفين حكماً أو جهةً أو هيئةً أو مكاناً أو زماناً كصم يوماً وصم يوماً ومثل صم يوماً وصلِّ ركعتين ومثل صلِّ ركعتين فرضاً وصلِّ ركعتين نفلاً ، ومثل صلِّ ركعتين إلى الكعبة وصلِّ ركعتين أو ثلاثاً إلى بيت المقدس ،ومثل صلِّ قاعداً وصلّ قائماً ، ومثل صلّ ركعتين في المسجد وصلّ ركعتين في الجبانة ، أو صم يوم الجمعة وصم يوم السبت (اتفاقاً) بين العلماء وظاهره أن الاتفاق حاصل في نحو صم سنة وصم شهراً واعط زيداً مائة درهم واعطه خمسين
وفيه أن في المقنع للإمام يحيى بن المحسن الدَّاعِي عليه السلام ما معناه وذهب بعض العلماء إلى أن الأمر الثاني يحمل على أنه أريد به البعض الذي دخل تحت الأول
__________
(1) ـ يعني التأكيد اللفظي نحو قوله تعالى ?فلا تحسبنهم? بعد قوله ?لاتحسبن? ونحو والله ثم والله بخلاف المعنوي فلا تعطف ولا بعض ألفاظه على بعض فلا يقال جاني القوم وكلهم ولا جاني القوم كلهم وأجمعون لعدم استقلاله واستغنائه عَمَّا قبله فلو عطف لكان كعطف الشيء على نفسه ذكر معناه أهل المعاني تمت منه(1/332)
(وكذا) الحكم إذا تكرر (بغير) حرف (عطف) من الحروف المتقدمة كصلّ ركعتين صلّ ركعتين (على) القول (المختار) وهو مذهب الحاكم وقاضي القضاة وكثير من المتكلمين لأن الأمر جارٍ مجرى الخبر ولا شك أن تغاير الخبرين يوجب تغاير المخبرين(1) لما نعلمه في الشاهد فإن من قال علي لفلان درهم ثلاث مرات ولا قرينة حكم عليه بثلاثة دراهم ونحو ذلك فإذا ثبت ذلك في الخبرين وجب ثبوته في الأمرين ، وأيضاً فإن الأمر الثاني لو انفرد لاقتضى مأموراً به غير ما اقتضاه الأمر الأول بلا خلاف ألا ترى أن القائل إذا قال لغيره : صم يوماً ثم قال بعد مدة صم يوماً وجب عليه يومان وكذا لو قال اعط زيداً درهما ثم قال بعد ذلك اعط زيداً درهما إلى غير ذلك فانضمامه إلى الأمر الأول يجري مجرى انفراده في اقتضائه مأمورا آخر لأن اقتضائه مأموراً على حدة عند انفراده إنما كان بظاهر وضعه وصيغته فاقترانه إلى الأول لا يغيرهما فلا يغير مقتضاه .
لا يقال كل من الأمرين لو انفرد لكان دليلاً على وجوب إيقاع الفعل فإذا اجتمعا كان كأنه قد دل على وجوبه دليلان ومعلوم أن الأدلة قد تترادف على مدلول واحد فكما لا يجب أن يكون لكل دليل مدلول على حدة فكذلك لا يجب أن يكون لكل امر مأمور به على حدة ؛
__________
(1) ـ سواءً كانا غير متداخلين كما ذكر أو متداخلين نحو علي لفلان مائة وعلي له خمسون فإنه لو قال أردت بالخمسين البعض الداخل في المائة عُد كلامه لغواً لغةً وشرعاً والله أعلم تمت منه(1/333)
لأنا نقول لا نسلِّم أن كل واحد منهما دليل على وجوب إيقاع الفعل الذي دل صاحبه عليه بل لكل منهما مدلول غير مدلول الآخر فإذا اجتمعا لم يكن قد دل على مدلول أحدهما إلا دليل واحد وإلا فلا شبهة أن الأدلة قد تترادف على مدلول واحد كمعجزات الأنبياء عليهم السلام ورحمة الله ورضوانه (إلا لقرينة) تمنع من اقتضائه التكرير (من تعريف) بنحو اللام نحو صلّ ركعتين صلى الركعتين فإن اللام ظاهرة في العهد ولا معهود إلا ما تقدم ولذا قال : (والذي نفسي بيده لو كان العسر في جحر ضب لدخل عليه اليسر(1)إنه لن يغلب عسر يسرين ) (2) وعلى هذا حمل ابن عبّاس وابن مسعود الآية أو الإشارة نحو صم يوماً صم هذا اليوم فإعادة المنكر معرفة تقتضي الاتحاد فتكون من باب وضع الظاهر موضع المضمر فكأنه قال صلّهما وصمه (أو غيره) من كونه غير قابل للتكرار بحسب الذات نحو اقتل زيداً اقتل زيداً ن أو بحسب العادة نحو اسقني ماءً اسقني ماءً فإن العادة قاضية بأن مراده أن يسقيه ماءً يزيل به عطشه وذلك يحصل بمرة فإنه حينئذٍ لا خلاف في هذه الصورة أن الثاني تأكيد محض لا تأسيس فإن حصل في الأمرين المتماثلين قرينتا التغاير والاتحاد نحو صلّ ركعتين وصلّ الركعتين وكذا اسقني ماءً واسقني ماءً لأن اللام والعادة يعارضان العطف فالترجيح هو الواجب إن أمكن
__________
(1) ـ أخرجه الطبراني في معجمه الكبيرو الحاكم في مستدركه و ابن الجعد في مسنده و الطبراني في معجمه الأوسط
(2) ـ أخرجه ابن أبي الدنيا في المرض والكفارات و مسلم في صحيحه و البخاري في صحيحه و النسائي في سننه وابن حبان في صحيحه والترمذي في سننه وابن ماجه في سننه و أبو داود في سننه و ابن حنبل في مسنده و الحاكم في مستدركه و الطحاوي في شرح معاني الآثار و الحميدي في مسنده و النسائي في سننه الكبرى و الدارقطني في سننه و ابن راهويه في مسنده و البيهقي في سننه الكبرى و أبو يعلى في مسنده و ابن أبي شيبة في مصنفه(1/334)
وإلا فالوقف وجزم بعضهم بالتأسيس لأن الواو واللام إذا تعارضا بقي كون التأسيس هو الأصل مرجحاً سالماً من المعارضة واعترض بأن هذا الوجه أيضاً تعارضه براءة الذِّمة .
(و) اعلم أنه (إذا ورد الأمر) بواجب مقيداً بمقدمة لم تكن تلك المقدمة واجبة كأن يقول إن ملكت النصاب فزَّكِ وإن استطعت فحج فهذا لا يكون إيجاباً لتحصيل النصاب وما به الاستطاعة فلا يجب عليه تحصيل المأمور به إلا عند حصول ذلك القيد ؛ إذ وجوبه موقوف على حصول ذلك القيد فيكيف يكون وجوب ذلك القيد تبعاً لوجوب ذلك الأمر ؟ فهذا لا يجب تحصيله اتفاقاً (1) لأن الوجوب مقيد بذلك الشرط فإذا انتفى الشرط انتفى المشروط وهذا ما يقال في الفروع تحصيل شرط الواجب ليجب لا يجب
وأمَّا إذا ورد به (مطلقاً) أي (غير) مقيد بقيد ولا (مشروط) بشرط (وجب تحصيل المأمور به وتحصيل ما لا يتم إلا به) بالأمر الذي وجب به الواجب إذ لا يمكن الإتيان بالمأمور به من دونه سواءً كان سبباً [*]وهو ما يلزم من وجوده الوجود ، شرعياً كان كالصيغة بالنسبة إلى العتق الواجب أو عقلياً كالنظر المحصل للعمل أو عادياً كحز الرقبة بالنسبة إلى واجب القتل أو شرطاً وهو ما يلزم من عدمه العدم شرعاً كان أيضاً كالوضوء ، أو عقلياً كترك أضداد المأمور ولذا قبح كل ضد للواجب منع وجوده أو عادياً كغسل جزء من الرأس في غسل الوجه إذ لا يمكن تأدية الواجب على وجهه الذي وقع التكليف عليه بدون ما يتوقف حصوله عليه
__________
(1) ـ ذكره الشيخ لطف الله تمت منه(1/335)