أيقسم نهبي نهب العبيـ ـد بين عيينة والأقرع ؟
قال: (اقطعوا لسانه)(1) فتبادر إلى فهم بعضهم أن المراد القطع الحقيقي بنحو السكين
ومثل جمع اللفظ باعتبار معناه المختلف في كونه حقيقة أو مجازاً على خلاف جمع الحقيقة المعلومة باتفاق كالأمر بمعنى الفعل فإنه يجمع على أمور ويمتنع فيه أوامر جمع أمر بمعنى القول الذي هو حقيقة فيه باتفاق وهذه العلامة لا تنعكس إذ المجاز قد لا يجمع أصلاً كالتجوز بالفعل وقد لا يجمع بخلاف جمع الحقيقة كالأسد ومثل عدم الاشتقاق منه وذلك بأن يعلم له معنى حقيقي وقد اشتق من ذلك اللفظ باعتبار ذلك المعنى ولم يشتق منه باعتبار معنى له آخر متردد في كونه فيه حقيقة أو مجازاً كأمر فإنه اشتق منه معنى القول و قيل آمر ومأمور ولم يشتق منه بمعنى الفعل وهذه العلامة أيضاً غير منعكسة إذ المجاز قد يشتق منه كما في الاستعارة التصريحية والله أعلم .
(الباب الخامس)
من أبواب الكتاب (في الأمر والنهي) وقدم الأمر على النهي لأنه يقتضي إثبات الفعل والنهي يقتضي تركه أوما في حكم الترك أعني الكف على اختلاف الرأيين وما يقتضي الإثبات أهم فقال
(الأمر) لفظه الذي هو ألف ميم راء متفق على أنه حقيقة في الصيغة لتبادرها عند الإطلاق وهو من علامة الحقيقة إلا ما يروى عن بعض المجبرة (2)ممن يثبت الكلام النفسي فإنه يجعله حقيقة في الكلام النفسي مجازاً فيما عداه من القول وغيره ذكر معناه الدواري في شرح الجوهرة
__________
(1) ـ نص الحديث :- علىماأخرجه الطبراني في معجمه الكبير ج 18/ص 264/ح عن غصيف أو أبي غصيف صاحب النبي أن رسول الله قال من أحدث هجاء في الإسلام فاقطعوا لسانه
(2) -أي الأشعرية تمت(1/321)
والصيغة (قول القائل) جنس قريب لا يدخل فيه اللفظ المهمل ولا الطلب بالإشارة والقرائن لأنهما لا يسميان قولاً (لغيره) احتراز عن قوله لنفسه فليس بأمر حقيقة لأن من شرطه الرتبة أو ما يجري مجراها من الاستعلاء ويستحيل في الإنسان أن يكون دون نفسه أو مستعلياً عليها ولا يحسن منه أن يأمر نفسه لأنه عبث لا فائدة فيه ذكر معناه الإمام الدَّاعِي عليه السلام في المقنع والدواري عن أبي الحسين (إفعل أو نحوه) ككف وليفعل(1)ورويد (2) ونزال من القول الإنشائي الدال على طلب الفعل فتخرج الأخبار كقولك : أنا طالب منك كذا وموجب عليك كذا والمفردات لأنها تسمى قولاً عند غير المنطقيين والنهي فإنه بصيغة لا تفعل فهو دال على طلب الترك لا الفعل والترك غير فعل عند الجمهور وقد تقدم مما يدل عليه كلام المصنف فيه في السنة
__________
(1) ـ وإنما عد هذا اللفظ جمعيه أعني لام الأمر مع الفعل أمراً مع أن الموضوع للأمر إنما هو لام الأمر لا مدخوله كما أن الموضوع للتمني ليت لا مدخوله تغليباً ذكر معناه الشيخ لطف الله في الحاشية .تمت منه
(2) ـ في الأم رويد بدون ألف والصواب والله أعلم رويدا وهو من اسماء الأفعال المنقولة نقل من أروده إروادا ثم صَغَّروا المَصْدَرَ بعد حذف زَوائده، وأقامُوهُ مُقام فِعْله، واستَعْملُوه تَارَةً مُضَافاً إلى مَفعوله، فقالوا: "رُوَيْدَ محمدٍ" وتارةً منوناً ناصباً للمفعول، فقالوا: "رُوَيْداً علياً" تمت(1/322)
(على جهة الاستعلاء) أي عد الآمر نفسه عالياً سواءً كان عالياً في نفسه أو لا عند أئمتنا عليهم السلام وأكثر المتأخرين وبه يخرج الالتماس والدعاء فإنهما لا يسميان أمراً لأن من قال لغيره : افعل على سبيل التضرع والتذلل والالتماس لا يسمى آمرا ًله وإن كان أعلى رتبة من المخاطب ومن قال لغيره : افعل على سبيل الاستعلاء عليه سمي آمراً له وإن كان أدنى رتبة منه ولهذا يصفون من هذه سبيله بالجهل والحُمق من حيث أمر من هو أعلى منه رتبة فبطل اشتراط العلو كما هو رأي جمهور المعتزلة وغيرهم واشتراطه مع الاستعلاء كما هو رأي بعضهم وعدم اشتراطهما كما هو رأي الأشعري وأكثر أتباعه ولا بد وأن يكون ذلك القول صادراً من قائله حال كونه (مريداً لِما تناو له) أي لفعل ما تناوله ذلك القول فيخرج التهديد نحو قوله تعالى ?اعملوا ما شئتم? [هود 40]إذ ليس المراد عمل ما شاؤوه وسائر أنحاء الكلام من الخبر والاستخبار والعرض للاتفاق على أنه لا بد من مميز زائد على مجرد حروفه(1)والإرادة صفة تؤثر في اختصاص أحد طرفي الممكن من وجود وعدم وطول وقصر ونحوها بالوقوع [*]
والمختار (أنه) أي الأمر أي صيغته التي هو نحو : افعل ترد (للوجوب) فقط حقيقة ولو بعد استئذان كافعل لمن قال آفعل كذا أو بعد حظر شرعي كالأمر بقتل المشركين بعد تحريمه
والاستدلال على كونه للوجوب بعد الحظر بنحو ?فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين?[التوبة5] أو للإباحة بنحو ?فإذا حللتم فاصطادوا?[المائدة2] واقع في غير المتنازع من الجانبين إذ لم يرد الأمر على محرَّم فهو كالأمر ابتداء فتأمل
__________
(1) ـ لا يقال الإرادة قد تصحب سائر أنحاء الكلام فلا يتميز عنها لأنَّا نقول نعم لكن ليست فيها شرطاً ولا جزء ماهية وأمَّا التمني خاصة فإنه وإن أريد ما تناوله فقد خرج من افعل تمت منه(1/323)
وأنه موضوع له (لغةً وشرعاً) أي في اللغة والشرع وقال أبو طالب عليه السلام وأبو قاسم البلْخي وأبو عبد الله البصري والجويني : شرعاً فقط لنا المعقول والمنقول أمَّا المعقول ونعني به الاستفادة من موارد اللغة لا إثبات اللغة بالقياس والترجيح فلأنه مقابل النهي وقسيمه وقد ثبت أنه يقتضي وجوب الكف عن الفعل فيجب في الأمر أنه يقتضي وجوب الفعل واستحقاق الذَّم بتركه وذلك معنى الوجوب و(لمبادرة العقلاء) من أهل اللغة قبل ورود الشرع (إلى ذم عبدٍ) أوولدٍ (لم يمتثل أمر سيّده) أو والده ولا يذمون علىترك فعل إلا وهو واجب فلولا أنه حقيقة في الوجوب لما فهموا ذلك منه وتبادروا إليه وإلى وصف تاركه بالعصيان .
لا يقال : أن طاعة العبد لسيّده وذمه على عدمها لدليل الشرع لا لأجل اللغة وكذلك طاعة الولد لوالده أمر عقلي لا لغوي .
لأنَّا نقول : إنه وإن كان كذلك إلا أن أهل اللغة كانوا يؤثرون استخدام السودان وتملكهم ويذمون العبد عند المخالفة وكذلك الولد وهذا أمر لغوي وإن طابقه الشرع والعقل .
فإن قيل : ذمُ أهل اللغة لا يقضي بالوجوب إذ لا عصمة فيهم وقد يذم أحدهم غيره على ترك القبيح كما يفعلونه عند كف أحدهم عن مصاولة الأقران وإن كان ذلك قبيحاً [*]
أجيب : بأنَّا لم نقل بإصابتهم في اعتقادهم وجوب ذلك وأن ما قالوا بوجوبه فهو واجب في نفس الأمر وإنما استدللنا بأنهم وضعوا صيغة الأمر للوجوب واعتادوا ذلك فإذا خاطبنا الله تعالى بلغتهم كان قد وضع صيغة الأمر للوجوب وهو تعالى عدل حكيم لا يوجب إلا ما له وجه يخصه فأشبه ذلك تسميتهم الأصنام آلهةً لكونها عندهم مما يشتاق إليه ويعبد فإنَّا نتبعهم في العبارة ولا يسمى إلهاً إلا ما كان كذلك ونحذو على مثالهم في الوضع وإن أخطأوا في اعتقادهم في الأصنام(1)
__________
(1) ـ وأما الاستدلال على ذلك بقول معاوية لعنه الله يخاطب مملوكه :
فخدك إن لم تقبل النصح عاثر
أمرتك أمراً حازماً فعصيتني
وفي المحصول إن قائله حبان بن المنذر ليزيد بن المهلب أمير خراسان والعراق وفي حاشية الفصول والكشف إن قائله عمرو بن العاص لمعاوية لما أتى بعبد الله بن هاشم بن عتبة وكان هاشم أحد فرسان أمير المؤمنين علي عليه السلام فأشار عليه بقتله فقال معاوية لا أرى في العفو إلا خيراً فغضب وكتب إليه البيت وفي رواية الجوهرة فأصبحت مسلوب الأمارة نادماً فلا يصلح لأن قوله حازماً قرينة الوجوب فيخرج عَمَّا نحن فيه والله أعلم تمت منه
في الموسوعة الشعرية إن القائل معاوية بن أبي سفيان قاله لعبده حريث معاتبا لمخالفته نصيحته وقبل البيت :
وأنّ عَلِيّاً لم يُبارِزْهُ فَارِسٌ مِن الناسِ إلاّ أَقْصَدَتْهُ الأظافِرُ ...
أ مَرْتُكَ أَمْراً حازماً فَعَصِيتَني ... فَجَدُّك إذْ لم تَقْبَلِ النُّصْحَ عاثِرُ ...(1/324)
أنها تعبد وأمَّا المنقول وهو حُجَّة من يقول بأنها حقيقة في الوجوب شرعاً فقط فذلك لقو له تعالى مخاطباً لإبليس لعنه الله تعالى ?ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك?[الأعراف 12] والمراد من الأمر قوله تعالى ?اسجدوا?(1) ?وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ?[المرسلات 48] ?فليحذر الذين يخالفون عن أمره?[النور63] وقو له لولا أن أشق على أمَّتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)(2) فلولا أن الأمر يقتضي الوجوب لم يكن في الخبر مزيد فائدة إذ السواك قد كان مندوباً إليه قبل ذلك
__________
(1) ـ تكررت في: [البقرة34 /الأعراف11 /الإسراء 61/الكهف50 /طه 116/ الفرقان60/ ]
(2) ـ أخرجه مسلم في صحيحه و البخاري في صحيحه و النسائي في سننه و ابن حبان في صحيحه و ابن خزيمة في صحيحه و الترمذي في سننه و ابن ماجه في و أبو داود في سننه و ابن حنبل في مسنده و مالك في الموطأ و الحاكم في مستدركه و الحميدي في مسنده و الطبراني في معجمه الكبير و النسائي في سننه والبيهقي في سننه الكبرى و أبو يعلى في مسنده و الشافعي في مسنده و عبد الرزاق في مصنفه و الدارمي في سننه(1/325)