(وهو) في الاصطلاح مفرد ومركب قبل الاستعمال لا تسمى مجازاً كما لا تسمى حقيقة (في غير ما وضعت له) احترازاً عن الحقيقة مرتجلة كانت وهي المنقولة لا لمناسبة أو منقولة وهي ما نقلت لمناسبة أو غيرهما كالمشترك وقد فُهم من قوله المستعملة في غير ما وضعت له أنه لا يشترط أن يكون قد استعمل في ما وضع له وأن المجاز لا يستلزم الحقيقة وهو مذهب الجمهور وجعلوا مثاله لفظ ?الرحمن? فإنه مجاز في الباري تعالى إذ معناه ذو الرحمة ومعناها الحقيقي لا وجود له ،لأن معناه رقة القلب(1) ولم يستعمل في غيره تعالى وأمَّا قولهم رحمان اليمامة فليس باستعمال صحيح مع أنه لا يخفى على المتأمل أن هذا الاستعمال ليس حقيقياً لأنهم لم يريدوا رقة القلب وأمَّا الحقيقة فلا تستلزم المجاز اتفاقاً فإنه يجوز وجودها بدونه وقوله (في اصطلاح التخاطب) متعلق بوضعت فيدخل فيه المجاز المستعمل فيما وضع له في اصطلاح آخر كالصلاة إذا استعملها المخاطب بعرف الشرع في الدعاء مجازاً فإنه وإن كان مستعملاً فيها وضع له في الجملة فليس بمستعمل فيما وضع له في الاصطلاح الذي وقع به التخاطب فيكون استعمالها بعرف اللغة في ذات الأذكار والأركان مجازاً وقد شمل المجازات أجمع فيأتي فيه أقسام الحقيقة فإن كان مستعملاً في غير ما وضع له لغة فهو لغوي كأسد للشجاع أو شرعاً فشرعي كالصلاة في الدعاء أو عرفاً عاماً فعرفي عام كدّابة لكل ما يدب أو خاصاً فخاص كمصطلحات أهل الصناعات أي النحو إذا
__________
(1) ـ قال بعض المحققين وكذا عسى ونعم ونحوهما فإنها مستعملة في غير ما وضعت له لأنها أفعال ماضية فانسلخت عن الدلالة على الحدث والزمان ولم تستعمل دلالة عليهما وفيه أن الظاهر فيها كونها حقيقة عرفية وأنها مستعملة فيما وضعت له ولذا قال ابن الحاجب أفعال المدح والذم ما وضع لإنشاء مدح أو ذم ثم الظاهر أنها في الدلالة على الإنشاء كالأمر مقترنة بمستقبل واستفيد عموم المدح من المقام تمت منه .(1/306)


استعملوا شيئاً منها فيما يناسب معناه عندهم كاستعمال الجوهر في النفيس أو دينياً فديني كاستعمال الإيمان في التصديق مطلقاً
(لعلاقة) احتراز عن الغلط نحو خذ هذا الفرس مشيراً إلى كتاب والعلاقة بالفتح علاقة الحب والخصومة ونحوهما من المعاني وبالكسر علاقة السيف والسوط ونحوهما من المحسوسات وهي هنا تعلق ما للمعنى المجازي بالمعنى الحقيقي وسيأتي تفصيلها إن شاء الله تعالى ولابد أن تكون تلك العلاقة ظاهرة لا خفية فلا يصح التجوز بالأسد عن الأبخر لعلاقة البخر فإنه في الأسد خفي لا يعرفه غلا الخواص فيصير التجويز به لذلك تجوزاً بلا علاقة ولا يكفي وجودها بل لا بد من اعتبار المتكلم إيَّاها كما يفهمه تعلق الظرف بالمستعملة وأن يكون ذلك الاستعمال
(مع قرينة) لفظية أو معنوية صارفة للفظ مستعملة في غير ما وضعت له مع جواز إرادته وقد علم بذلك أعني لزوم القرينة للمجاز وكونها صارفة عن حقيقته الفرق بينه وبين المشترك فإنه قد لا تصحبه قرينة حيث يراد الإجمال وأن قرينته معينة لا صارفة وأصل القرينة الأخِيَّة وهي حبل طرفاه تحت الأرض ويمد وسطه على الأرض وفيها حلق من ذلك الحبل أو غيره يربط في الحيوانات بأن يُدخل رؤوسها أو أكارعها ومنه الحديث (المؤمن يجول ثم يرجع إلى آخيته ) ذكره في الشهاب ومعناه أنه وإن قارف ذنباً فإنه يرجع إلى التوبة من ذنبه وقيل هي حبل يدفن طرفاه ويبقى وسطه كهيأة العروة والحبل المذكور اسمه قرن قال جرير
لم يستطع صولة البزل القناعيس

وابن اللبون إذا ما لز في قرن(1/307)


وهذه القرينة على ضربين أحدهما تمنع من حمل الخطاب على ظاهره وتعلقه بمراد معين ولا شبهة في حمل اللفظ على ذلك المعنى والثاني تمنع من حمله على ظاهره ولا تعلقه بمراد معين وما هذا حاله لا يخلو إمَّا أن يكون له مجازاً واحداً أو أكثر إن كان واحداً حمل عليه ولا شبهة وإن كان أكثر من واحد وبعضها أقرب من بعض حمل على الأقرب وإن كانت متساوية فإما أن تنحصر أو لا إن كانت منحصرة غير متنافية حمل عليها أجمع على قول من يقول بجواز حمل اللفظة على جميع معانيها كما ثبت في استعمالهم البحر مجازاً في معان مختلفة كالعلم والكريم والشاعر والسيف وكذا السكون يستعمل تارة في سكون النفس من الغضب والجوع وطمأنينة القلب باليقين ومن منع الاشتراك في ذلك يدفع ذكرنا باستعمال البحر والسكون فيما ذكر بجمعه غرضاً واحداً ففي البحر السعة وفي السكون عدم الاضطراب وإن كانت منحصرة متنافية أو غير منحصرة فحكى عن قاضي القضاة ان الكلام يكون مع ذلك مجملاً يحتاج إلى بيان وقيل المكلف مخير في أيها شاء
[ أنواع المجاز]
(وهو) أي المجاز المفرد باعتبار العلاقة (نوعان) [النوع ] الأول [من أنواع المجاز] (مرسل) أي إن كانت علاقته غير المتشابهة سمي مرسلاً لأن الإرسال في اللغة الإطلاق والاستعارة مقيدة بادعاء أن المشية من جنس المشبه به والمرسل المطلق من هذا التقييد والمعتبر من العلاقة نقل نوها فإجماع أئمة الأدب فيكتفي بنقل العلاقة ولا يشترط نقل أفراد المجاز في الأصح لعدم توقف أهل العربية في التجوز عليه فإن من علم أحوالهم علم أنه لا توقف منهم على ما نقل بل يعدون اختراع المجازات من البلاغة ولذلك لم يدونوها تدوين الحقائق(1/308)


وأنواعها المعتبرة كثيرة أشار إلى كثرتها بحرف التشبيه وهي تسمية الشيء باسم آلته كقوله تعالى ?وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ?[الشعرى(84)] أي ذكراً حسناً لأن اللسان اسم لآلة الذكر و(كاليد) التي هي حقيقة في الجارحة إذا استعملت (للنعمة) يقال لله تعالى على أياد لا تحصى أي نعم لا تحصى لكونها بمنزلة العلة الفاعلة للنعمة لأن النعمة منها تصدر وتصل إلى المقصود بها وهو المنعم عليه فلا بد من إشارة إلى المنعم كما ذكرنا بخلاف اتسعت اليد في البلد لئلا يخل بانتقال الذهن من الملزوم إلى اللازم ولذا استعملت في القدرة ،لأن أكثر ما يظهر سلطان القدرة في اليد وبها تكون الأفعال الدالة على القدرة من البطش والضرب والقطع والأخذ ونحو ذلك
قال النَّاصِر عليه السلام : اليد في كلام العرب يقال على ستة أوجه :
أحدها الجارحة وجمعها أيد
و[ثانيها]بمعنى النعمة ويجمع على أيادي
و[ثالثها] بمعنى القدرة
و[رابعها]بمعنى الملك يقال هذه الدار في يد فلان أي في ملكه وتصرفه
و[خامسها]بمعنى الأمر والسلطان يقال يد الأمير أعلى من يد الوزير وله على الرعية يد أي طاعة
و[سادسها] بمعنى الصلة في الكلام والزيادة كقولك هذا ا جنته يداك أي جنيته أنت وليست حقيقة إلا في الجارحة انتهى
(و) تسمية الشيء باسم جزئه الذي له مزيد اختصاص بالمعنى الذي قصد بالكل مثل (العين) وهي الجارحة المخصوصة المستعملة (للربئة) وهي الشخص الرقيب والطليعة والتاء للمبالغة يقال ربأت القوم ربا رقبتهم والجمع الربايا ولا يجوز إطلاق اليد والأصبع على الرقيب لعدم مزيد الاختصاص بخلاف ما ذكرنا فإن العين هي المقصود في كون الرجل رقيباً وإنما خص المثالين بالذكر لاشتهارهما
وعكسه تسمية الجزء باسم الكل نحو ?جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي ءَاذَانِهِمْ ? [نوح(7)] أي أناملهم والغرض منه المبالغة كأنه جعل جميع الأصبع في الأذن لئلا يسمع شيئاً(1/309)


وإطلاق اسم الملزوم على اللازم كقوله تعالى ?أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا ? [الروم(35)] فهو يتكلم بما كانوا به يشركون سميت الدلالة كلاماً لأنها من لوازمه ومنه قول الحكماء كل صامت ناطق أي دال بما فيه من أثر الصنعة على صانعه
وعكسه بأن يطلق الاسم اللازم على الملزوم كقول الشاعر :
عن النساء ولو باتت بأطهار

قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم

يريد بشد المئزر الاعتزال عن النساء لأن شد الإزار من لوازم الاعتزال
واعلم أن اللزوم أمر لازم في جميع أنواع المجاز استعارة أو مجازاً مرسلاً فاعتبار ذكر الملزوم وإرادة اللازم لا يكفي في بيان العلاقة بل لا بد من بيان أنها من أي نوع من أنواعها ذكره الشلبي في حاشية المطول
وإطلاق اسم المطلق على المقيد كقوله
من الناس قبل اليوم يجتمعان

وياليت كل اثنين بينهما هوى

أي قبل يوم القيامة
وعكسه أعني إطلاق اسم المقيد على المطلق كقول شريح أصبحت ونصف الناس علي غضبان يريد أن المحكوم عليه غضبان لا نصف الناس على التعديد والتسوية
والمجاورة بأن يسمى الشيء باسم ما له به تعلق المجاورة كالراوية للمزادة (1) وهي في اللغة لحاملها(2)
والمحلية أي كون الحقيقي محلاً للمجازي نحو أصابته عين وعكسها وهي الحالية كقول الشاعر :
كأن صخوراً منه تقذف في سمعي

كلامك فيه وحده لي كفياية
__________
(1) ـ والعلاقة كون البعير حاملاً لها و بمنزلة العلة المادية والمراد بالمزادة ظرف الماء الذي يستقى به على الدّابة كما نقله الشريف عن أرباب البلاغة لا المزود الذي يجعل فيه الطعام المتخذ للسفر كما ذكره سعد الدِّين لأن حامله لا يسمى راويه والله أعلم تمت منه
(2) ـ ومثله في الهداية بالغائط لقضاء الحاجة وفيه أنه قد تقدم أنه من الحقائق العرفية ، و الجمع بين ما ذكرنا هنالك وما ذكره في الهداية إنما ذكره باعتبار الابتداء وما ذكرنا باعتبار الانتهاء والغلبة فتأمل والله أعلم تمت منه(1/310)

62 / 108
ع
En
A+
A-