وكالجزاء بأكثر من مثقال ذرة فإنه أولى وأشد مناسبة للجزاء منه بمثقالها المذكور في قوله تعالى ?فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرةٍ شراً يره?[ الزلزلة آية 8,7] وما دون القنطار أشد مناسبة للتأدية من القنطار المذكور في قوله تعالى ?ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك?[آل عمران آية 75] وما فوق الدينار أشد مناسبة لعدم التأدية من الدينار المذكور في قوله تعالى ?ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك?[آل عمران آية 75] وما دون القنطار أشد مناسبة لعدم الأخذ منه في القنطار المذكور في قوله تعالى ?وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً?[النساء آية 20] والأولى أن يقال أنه كناية لإطلاق الملزوم وإرادة لازمة (وإن لم يكن فيه معنى الأولى) بأن كان مساوياً لحكم المذكور أو دونه (فهو لحن الخطاب) مثال الأول تحريم لأذى المساوي للتأفف كتقطيب الوجه ومثال الثاني (نحو قوله تعالى ? إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشرُونَ صبرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَينِ ? [الأنفال آية65] فإنه يدل) بمفهومه (على وجوب ثبات الواحد لعشرة) إذ يعلم من حال ثبات العشرين للمأتين المنطوق به حال ثبات الواحد للعشرة المفهوم منه مع الاتفاق في الحكم وهو وجوب الثبات فيهما لكن تلك الدلالة (لا بطريق الأولى) إذ ليس أشد مناسبة في المسكوت عنه منه في المذكور بل هو في حق العشرين أشد ؛لحصول التظافر.
والفحوى ـ ممدوداً ومقصوراً ـ واللحن معناهما لغة :معنى الخطاب ذكره الجوهري ولذا أطلق بعضهم كلاً من الاسمين على كل من القسمين ومنهم من يسمى الأول بهما دون الثاني ولا مشاحة في الاصطلاح. والخطاب توجيه الكلام نحو السامع للإفهام .(1/276)


ثم مفهوم الموافقة قد يكون قطعياً [*]كالأمثلة المذكورة وقد يكون ظنياً [*] كقول الشافعي إذا كان قتل الخطأ يوجب الكفارة فالعمد أولى وإذا كان اليمين المعقودة توجب الكفارة فالغموس أولى (1)وإنما كان ظنياً لتجويز ألا يكون المعنى في قتل الخطأ واليمين غير الغموس :الزجر الذي هو أشد مناسبة للعمد بل التدارك والتلافي . والكفارة إنما سميت كفارة لتغطيتها للمكفر وستره. والعمد والغموس عظيمان لا يستر عقابهما ثواب الكفارة.
(و) النوع (الثاني) من نوعي المفهوم (مختلف فيه) بين العلماء فمنهم من أخذ به أجمع ومنهم من نفاه أجمع والمختار التفصيل وهو الأخذ ببعض دون بعض في الإنشاء والأخبار وأن حجيته باللغة لا بالعرف العام أو الشرع.
(ويسمى) هذا النوع من المفهوم (مفهوم المخالفة) لمخالفته المنطوق في الحكم فلذا قيل في حدِّه (وهو أن يكون المسكوت عنه مخالفاً للمنطوق في الحكم) إثباتاً ونفياً (ويسمى) أيضاً (دليل الخطاب) إمَّا لأن دلالته(2)من جنس دلالات الخطاب أو لأن الخطاب دال عليه . وتسميتهم أيَّاه: اصطلاح ؛لقصدهم تمييزه عن غيره فلا يرد ما قيل أنهم إن أرادوا أنه يدل على الخطاب فالأمر بالعكس على أن الخطاب ضروري لا يفتقر إلى دليل وإن أريد المأخوذ من الخطاب فغير سديد أيضا إذ لا يقال دليل الأجسام :أي الدليل المأخوذ من الأجسام على الصانع وأيضاً فلا اختصاص له بالمفهوم فتأمل والله سبحانه أعلم .
[تقسيم مفهوم المخالفة ]
(وهو أقسام) كثيرة الأول منها:
[اللقب]
__________
(1) ـ وفيه أنه قال خمس من الكبائر لا كفارة فيهن وعدّ منها الغموس وقتل النفس بغير حق ذكره في التلويح تمت منه
(2) ـ قوله إما لأن دلالته إلح ـ إشارة إلى أن الإضافة إما أن يكون كما في خاتم فضة أو يكون لأدنىملابسة إما لدلالة الخطاب عليه أو لمخالفته له ومقابلته إياه والله أعلم .(1/277)


(مفهوم اللقب) وهو نفي الحكم عمَّالم يتناوله الاسم مثل في الغنم زكاة,وزيد قائم, فإنه يدل عند مثبته على نفي الزكاة عن غير الغنم ونفي القيام عن غير زيد ومنه الاسم المشتق الذي غلبت عليه الإِسمية ومثّله الغزالي: بحديث لا تبيعوا الطعام بالطعام وكذلك الاسم المشتق الذي لم يلحظ فيه المعنى نحو في الماشية زكاة فإنه مثل قولك في الغنم زكاة (وهو أضعفها) أي مفهوم اللقب أضعف المفاهيم (والآخذ به قليل) منهم أبو بكر محمد بن جعفر الدقاق الشافعي قال الجويني إنه صار إلى مفهوم اللقب طوائف من الشافعية ونقله أبو الخطاب الحنبلي في التمهيد عن منصور بن أحمد ونسب إلى أحمد قال أبو الخطاب وبه قال مالك (1)وداود وحكى أيضاً عن ابن القصاروخويز ن منداد من المالكية وميمه مكسورة ومفتوحة .
والصحيح ما عليه الجمهور من أنه لا يعمل به؛ لأن المفهوم إنما يعتبر لتعينه فائدة لانتفاء غيره من الفوائد واللقب قد انتفى فيه المقتضى لاعتبار المفهوم لأنه لو طرح لاختل الكلام فذكره لاستقامة الكلام وهو أعظم فائدة وهذه الطريق أقوى ما يتمسك به في إبطاله وأمَّا ما يقال من أنه يلزم من نحو قولنا محمَّد رسول الله نفي رسالة غير نبينا فيلزم الكفر ففيه أن المفهوم إنما يحتج به عند عدم معارضة الدليل أمَّا إذا قام الدليل القطعي على الخلاف امتنع العمل به كغيره من أنواع الخطاب
قالوا يتبادر من قول القائل لمن يخاصمه ليس أمي بزانية فهم نسبة الزنى إلى أم خصمه ولذا يجب الحد عليه ولولا مفهوم اللقب لما تبادر ذلك .
__________
(1) ـ ذكر المازري أنه أخذ لمالك من استدلاله على عدم اجزاء الضحية إذا ذبحت ليلاً بقوله تعالى ?ويذكر اسم الله في أيام معدودات?[البقرة آية 203] قال فذكر الأيام ولم يذكر الليالي تمت منه(1/278)


وأجيب بأن ذلك مفهوم من القرائن الحالية :وهي الخصام وقصد الإيذاء والتقبيح وكل ما يورد في مقام الخصام مراد به ذلك غالباً فلا يكون من المفهوم الذي يكون اللفظ ظاهراً فيه لغة . قلت ويلزم أيضاً نسبة الزنا إلى جميع من عدى أم المتكلم ولا قائل به
[الصفة]
(و) الثاني (مفهوم الصفة) والمراد بها هنا ما يشعر بمعنى في الموصوف مما ليس بشرط ولا استثناء ولا عدد ولا غاية فيدخل فيها النعت والحال والظرف مفرداً كانت أو غيره كقوله تعالى ?واللآتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم?[النساءآية15] فأنه يفهم منه أن النساء إذا كنَّ مؤمنات اشترط في الشهود أن يكونوا مؤمنين ، وإلا فلا وقوله تعالى : ?الذين يظاهرون منكم?[المجادلةآية 2] فإنه يدل على أن ظهار الكافر لا يصح وقوله تعالى ?فلا ترجعوهن إلى الكفار?[الممتحنة آية 10] فإنه يفهم أنهنَّ يرجعن إلى من آمن من أزواجهن .وكقوله : ( في كل إبل سائمة من كل أربعين ابنة لبون) (1)
وفي كتاب أبي بكر لأنس بن مالك حين وجهه إلى البحرين حكاية عن فرض رسول الله وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاه (2)
__________
(1) ـ أخرجه النسائي في سننه الكبرى و ابن خزيمة في صحيحه و أبو داود في سننه و ابن حنبل في مسنده والحاكم في مستدركه و الطحاوي في شرح معاني الآثار و الطبراني في معجمه الكبيرو النسائي في سننه الكبرى و البيهقي في سننه الكبرى و ابن الجارود في المنتقى و الدارمي في سننه
(2) ـ أخرجه البخاري في صحيحه و النسائي في سننه و ابن حبان في صحيحه و ابن خزيمة في صحيحه و ابن ماجه في سننه و أبو داود في سننه و ابن حنبل في مسنده و الطبراني في معجمه الكبير و النسائي في سننه الكبرى و الدارقطني في سننه و البيهقي في سننه الكبرى و أبو يعلى في مسنده و ابن الجعد في مسنده والشافعي في مسنده و عبد الرزاق في مصنفه(1/279)


والسائمة صفة تدل على نفي الزكاة في المعلوفة (وهو) أي مفهوم الصفة (أقوى) مما قبله (والآخذ به أكثر) من الآخذ بمفهوم اللقب لأن من أخذ بمفهوم اللقب أخذ به من دون عكس وهو أكثر أصحابنا والشافعي ومالك وأحمد وأبو عبيدة معمر بن المثنى (1) والجويني (2) وأبو عبيد القاسم بن سلام (3) والمزني (4) والأصطخري (5)
__________
(1) ـ أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي ، البصري ، اللغوي ، ولد سنة 110 ه‍ ، له عدة تصانيف ، وحدث عن هشام بن عروة ، وأبي عمرو بن العلاء وطائفة ، وحدث عنه علي بن المغيرة ، وأبو عثمان المازني ، وأبو حاتم السجستاني ، مات سنة 210 ه‍ . انظر : وفيات الاعيان 5 : 235 / 731 ، العبر 1 : 359 ، تاريخ بغداد 13 : 252 / 7210 ، سير أعلام النبلاء 9 : 445 / 1500
(2) ـ الجويني هو : إمام الحرمين عبد الملك بن محمد بن عبد الله الجويني من كبار متكلمي الأشعرية ، وهو أستاذ الغزالي توفي (478هـ)طبقات الشافعية 3/249
(3) ـ أبوعبيد القاسم بن سلام - بتشديد اللام - البغدادي ، فقيه ، نحوي ولد بهرات ومات بمكة سنة ( 224 ه‍ ) . لاحظ طبقات الفقهاء ص 102 وتهذيب التهذيب : 8 / 283
(4) ـ المزني هو : أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق المزني من أجل أصحاب الشافعي ، قال عنه الشافعي : المزني ناصر مذهبي ن مات بمصر سنة أربع وستين ومائتين . طبقات الفقهاء 1/109. كان من تلامذته الطحاوي صاحب شر ح معاني الآثار
(5) ـ الاصطخري هو : الحسن بن أحمد بن يزيد أبو سعيد الاصطخري ،أحد أئمة الشافعية ، كان زاهدا ناسكا عابدا ، ولي القضاء بقم ، ثم حسبة بغداد ، فكان يدور بها ويصلي على بغلته ، وهو دائر بين الازقة ، وكان متقللا جدا . وقد ذكرنا ترجمته في طبقات الشافعية ، وله كتاب القضاء لم يصنف مثله في بابه ، توفي وقد قارب التسعين وقال ابن خلكان في ترجمته 2 / 74 : كانت ولادته سنة 244 ه‍ وتوفي 12 جمادى الآخرة سنة 328 فعلى هذا يكون له عندما مات 84 سنة(1/280)

56 / 108
ع
En
A+
A-