(و) يجب الاحتراز (عن استعمال الالفاظ) المجازية والمشتركة و(الغريبة) التي لم تعرف من غير قرينة لأن ذلك مفوت للغرض كما في تعريف النار بالخفيف المطلق وكما يقال النار اسطقص فوق الاسطقصات أو عنصر فوق العناصر ، والاسطقص والعنصر : هو الأصل فحد الشيء بما هو أخفى منه وكما قيل في حد العلم ما يقتضي سكون الجرشى وهو من أسماء النفس وهذا إنما هو (بالنظر إلى المخاطب) أما لو كان السامع المخاطب عالماً بالألفاظ الوحشية أو كان هناك قرينة دالة على المراد جاز استعمالها وبهذا يندفع ما يقال أن المجاز لا يكون قرينة لأخذها في ما هيته لأن قرينته دالة على أن اللفظ لم يستعمل فيما وضع له وهي غير القرينة الدالة على تعيين المراد فهذا كله تصريح بمفهوم المساواة في الجلاء والخفاء وتقييدها به لأن المساواة التي هي بحيث يصدق أحدهما على ما يصدق عليه الآخر فإذا وجد وجد وهو معنى الاطراد وبه يكون الحد جامعاً وإذا عدم عدم وهو معنى الانعكاس وبه يكون مانعاً معتبرة (1) والله أعلم . .فهذا بيان الحدود وأقسامها
__________
(1) ـ خبر أن في قوله لأن المساواة تمت(2/31)
وأما الترجيح بينها فقد بينه بقوله (وترجيح بعض الحدود السمعية) وهي الموصلة إلى تصور الأحكام الشرعية كحدود الصلاة والصوم والحج والزكاة لا العقلية وهي التي يقصد بها تعريف الماهيات وإنما لم يقيدها بالظنية لما علم من الوجه في منع التعارض بين الحجج القطعية إذا عرفت ذلك فيرجح بعضها (على بعض) بأحد أمور كثيرة (يكون ألفاظه أصرح) بأن تكون ناصة على الغرض المطلوب دالة عليه بالمطابقة وألفاظ الآخر ليست كذلك بأن تكون مجازية أو مشتركة أو عرفية مع مصحح الحد بها أو مضطربة أو دالة على الغرض بالالتزام فإن الأول أرجح لكونه أقرب إلى الفهم وأبعد عن الخلل والاضطراب مثال ذلك ما يقال في الجنابة حدوث صفة شرعية في الإنسان عند خروج المني أو عند سببه يمنع من القراءة لا الصوم مع قول الآخر الجنابة : خروج المني على وجه الشهوة فقد تعارضا لأن الأول يقتضي أن الجنابة غير خروج المني والثاني يقتضي أنها نفس خروجه فإن الأول أرجح لكونه أصرح لما في الثاني من التجوز إذ يسبق إلى الفهم أن الجنابة صفة المني وإنما الجنب صاحب المني وكتعريف الشمس بأنها عين موجودة فإنه مشترك وكتعريف الخلق بالديدن فإنه غريب
(أو المعرف فيه) أي في أحدهما (أقوى) وأشهر منه في الآخر فيكون إلى التعريف أقرب مثاله الحوالة نقل الدَّين من ذمة إلى ذمة مع قول الآخر ضم ذمة إلى ذمة فالأول أشهر
(و) يرجح أيضاً (بعمومه) أي يكون مدلول أحد الحدين أعم من مدلول الآخر كثيراً للفائدة . مثاله الخمر ما أسكر مع قول الآخر هي التي من العنب إذا أسكر فإن الحدين متعارضان والأول أعم لاقتضائه أن كل مسكر يسمى خمراً فكان أرجح(2/32)
(و) ها هنا ترجيحات بأمور خارجية أشار إليها بقوله (بموافقته النقل السمعي) أ(واللغوي) وتقريره لوضعهما على ما لم يوافقهما لبعد الخلل عن الموافق له وكونه أغلب كالمثال فإن الأول موافق لقول الشارع ما أسكر فهو خمر واللغوي أيضاً فإن معناه عند أهل اللغة ما يخامر العقل وهو معنى الإسكار والثاني لا يوافق ذلك النقل وفيه أن مخالف السمعي لا اعتبار به فلا معارضة فلا ترجيح
(وبعمل أهل المدينة والخلفاء الأربعة) بناءً على أن قول علي عليه السلام ليس بحُجَّة وإلا فقد دخل في السمعي (أو العلماء) جميعاً وهو الإجماع فقد دخل فيه أيضاً بقرينة (أو بعضهم) ولو عالماً واحداً نحو أن ينقل عن أي هؤلاء أنه يقول في الخمر هو ما أسكر وعن غيرهم هي التي من العنب إذا أسكر فإنه يرجح ما عمل به أي هؤلاء على ما لم يعملوا به إذ هو أقرب إلى الانقياد وأغلب على الظن
(وتقرير حكم الحظر أو حكم النفي) فإذا كان أحد الحدين مقرراً لأحد الأمرين والآخر بخلافه قدم المقرر أمَّا الحظر فلأنه أحوط وأما النفي فلأنه الأصل مثاله قول الشافعي الحدث انتقاض الطهارة الشرعية بخروج شيء من السبيلين أو بسبب خروجه كالنوم مضجعاً مع قول الحنفي هو انتقاض الطهارة الشرعية بخروج ما يخرج من باطن الآدمي أو بسببه الأكثري كالنوم أو القهقهة في الصلاة فالأول أرجح لتقريره حكم النفي الأصلي في الرعاف والقيء والقهقهة (1) وغيرها
__________
(1) ـ قلت : ويقال : قد تعارض في مثل هذا مرجحان عموم الأخير وتقرير الأول بحكم الأصل وأنهما أرجح تمت منه(2/33)
وقد دخل فيه قوله : (وبدرء الحد) فإذا كان أحد الحدين يلزم من العمل به درء الحد ومن العمل بالآخر إثباته. مثاله في الزنا الموجب للحد إتيان المرأة في قبلها من غير ملك النكاح ولا شبهة مع قول الآخر إيلاج فرج في فرج محرَّم شرعاً مشتهى طبعاً فالأول يقتضي أن أتيان المرأة في دبرها وإتيان غيرها لا يسمى زنا بخلاف الثاني فيرجح الأول لدرءه الحد في إتيان المرأة في دبرها وإتيان غيرها لأنه موافق للنقل السمعي وهو قوله : (ادرأوا الحدود بالشبهات ) فقد دخل فيما وافق السمعي أيضاً (إلى غيرها) من وجوه الترجيح في الحدود الشرعية نحو موافقة المعصوم أو الأعلم لأنه أغلب على الظن (ممَّا لا يعزب على من له طبع سليم) قال في مطارح الأفكار : الطبيعة هي القوة التي يحصل منها الأفاعيل الجزئية للنفس (وفهم غير سقيم وتوفيق من الفتاح العليم والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) اقتباس من الآية
اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم على سيدنا محمَّدٍ وآله واجعلنا من حفظة الحدود واكفنا كل ذي شرٍّ حسودٍّ واسلك بنا مسلك السنة والقرآن واقرن أمارة نجاتنا بالرجحان واختم لنا بالسعادة واجعلنا من الذين أحسنوا فلهم الحسنى وزيادة . ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
قال في الأم ـ نسخة المؤلف ـ : تم الكتاب بمن العزيز الوهاب وكان الفراغ من نقله في يوم الاثنين لعله الثالث من شهر رمضان الكريم الكريم أحد شهور سنة إحدى وسبعين وألف ختمها الله بخير آمين بعناية مالكه ومؤلفه سيدنا الفقيه العلم الكامل العلامة العامل جمال الاسلام واسطة نظام عقد الشيعة الكرام الأعلام علي بن صلاح بن علي بن محمد الطبري حفظه الله وزاده من العلوم النافعة ورزق الجميع خاتمة الخير الموصلة إلى دار النعيم بحق محمد وآله ، وكاتبه يستمد الدعاء من إخوانه كافة بحسن الخاتمة والنجاة من النار آمين(2/34)