ومثال الأول مع الثالث قول الحنفي صغيرة فيولى عليها في النكاح كما يولى عليها في المال وذلك لأن ولاية المال وولاية النكاح متحدتان جنساً
ومثال الأول مع الرابع قوله عاجزة عن إنكاح نفسها فيولى عليها في النكاح كما يولى عليها في المال مع الجنون
(وعين أحدهما) أي الحكم أو العلة مع جنس الآخر (على) ما المشاركة فيه في (الجنسين) أي جنس الحكم وجنس العلة (وعين العلة) مع جنس الحكم (على العكس) أي على ما المشاركة فيه في عين الحكم مع جنس العلة لأن العلة هي العمدة في التعدية فلما كان التشابه فيها أكثر كان أقوى والترجيح بين الأجناس فيها بحسب مراتبها قرباً وبعداً
وأما الترجيح بين المختلفين أي العقلي والنقلي فإنه يرجح النقلي إن كان خاصاً منطوقاً لكونه أصلاً ولقلة تطرق الخلل إليه بالنسبة إلى القياس كما سبق وإلا لا يكن كذلك فلا محالة يكون عاماً وقد تقدم فيه الخلاف هل يخصص بالقياس أو لا ؟ أو مفهوماً فيكون محل اجتهاد لكونه درجات منها ضعيف جداً ومنها قوي جداً ومنها ما هو متوسط بين ذلك فالترجيح إنما يكون على حسب ما يقع للمجتهد من قوة الدلالة وضعفها عند مقابلة درجاته بدرجات القياس
(ووجوه الترجيح) غير ماذكرنا هنا كثيرة (لا تنحصر) بعَدٍّ فإن مركباتها تتركب مثنى وثلاث فصاعداً إلى آخر المفردات من مرجحات السند والمتن والحكم والأمر الخارجي منقولين ومعقولين ومختلفين إلى ما لا يتناها ولا بد لمن أوجب الترجيح من اعتباره وإلا لزم التحكم بسلوك طريق من الترجيح دون أخرى وقد سبق كثير منها كتقديم بعض المفاهيم على بعض والمجاز على الاشتراك
ومنها ما لم يسبق له ذكر كتقديم الفصيح والأفصح على مقابلهما فأغفل اعتماداً على نظر المجتهد فليست وجوه الترجيح المذكورة بضربة لازب وهي تتفاوت في الجلاء والظهور ففيها ما لا يلتفت معه إلى غيره لتجليه في الرجحان(2/26)
ومنها ما هو مظنة الغموض فرُّبَّ ترجيح يرجح به الدليل عند مجتهد ولا يرجح به عند آخر ولذا ترى أنظار المجتهدين تتصارع فيقوى لبعض ما لا يقوى لغيره
وبالجملة فالاجتهاد معيار المجتهد وعموده رجحان العقل فكما أن الميزان الصناعي تنقصه وتزيده حبة الخردل كذلك الميزان العلمي يميل ليسر الأمارة
(ولن يخفى اعتبارها) أي وجوه الترجيح ما ذكر منها وما أغفل (على الفَطِن) الذّكي المتيقِّظ النقَّاد العارف بمجاري الأدلة ومظان الاجتهاد إذ فيما ذكرنا منها هداية وإرشاد إلى ما لم يذكر (مع توفيق الله عزّ وَجلّ) لعبده وتأييده له
والتوفيق تهيئة أسباب الخير وتنحية أسباب الشر من جعل الأسباب متوافقة فعند ذلك يتناول المطلوب ويصل به إلى كل محبوب ومرغوب نسأل الله تعالى توفيقه السالك بنا محجَّة الرشاد وتأييده المعين على تحصيل المراد وتزود التقوى ليوم المعاد إنه ولِيُّ ذلك القادر على ما هنالك
وهذه (خاتمة)
(في الحدود) وهي الموصلة إلى أمر مفرد (الحد) لغة طرف الشيء وشفره نحو حد السيف والمنع ومنه سمي السجان حداداً (1) و(في الاصطلاح) أي اصطلاح الأصوليين (ما يميز الشيء) المحدود (عن) دخول (غيره) فيه وخروج بعض أفراده وهذا التعريف شامل للعقلية كتعريف الماهيات والسمعية كتعريف الأحكام [*] وهذا مع ما يتبعه من الترجيح هو المراد هنا قيل لا يمكن تعريف الحد للزوم التسلسل ،وأجيب بمنع لزومه لأن حد الحد من حيث أنه حد مندرج في الحد وأن امتاز عنه بإضافته إليه
(وهو) قسمان (لفظي) منسوب إلى اللفظ وهو ما يقصد به تفسير مدلول اللفظ
__________
(1) ـ لمنعه الداخل والخارج تمت(2/27)
(ومعنوي) منسوب إلى المعنى وهو ما يقال على الشيء لإفادة تصوره ولذا قال (فاللفظي) حقيقته (كشف لفظ بلفظ أجلى منه مرادف له) غالباً كما يقال الغضنفر هو الأسد والعقار هي الخمر وقد يكون بالأعم إذا كان المراد تمييزه عن بعض ما يشاركه كما يقال السعدان نبت فإن النبت يعم السعدان وغيره والله أعلم .
(والمعنوي) قد عرفت حقيقته (حقيقي) وهو ما أنبأ عن ذاتيات المحدود (ورسمي) ويرادفه العرضي وهو ما أنبأ عن الشيء بلازم يخصه كما يقال الخمر مائع يقذف بالزبد فإن ذلك عارض لازم بعد تمام حقيقته (وكلاهما) أي الحقيقي والرسمي (تام وناقص) فالأقسام أربعة
لأنه إما أن يكون بجميع الذاتيات فالحد التام ، أو بعضها فقط فالحد الناقص ، أو الجنس القريب والخاصة فالرسم التام ، أو بغير ذلك فالرسم الناقص
(فا) الأول ا(لحقيقي التام ما ركب من جنس الشيء وفصله القريبين) والأكثر في الترتيب تقديم الجنس على الفصل (كحيوان ناطق في تعريف الإنسان) ويجوز العكس فيقال ناطق حيوان فالحيوان جنس وقد تقدم حقيقة الجنس القريب والبعيد في الباب الرابع ، والفصل القريب ما كان مميزاً للشيء عن المشاركات في الجنس القريب كالناطق بالنسبة إلى الإنسان فإنه يميزه عن المشاركات في الحيوان الذي هو جنسه القريب ويسمى تاماً لكون الذاتيات فيه مذكورة بتمامها
(و) الثاني الحد (الحقيقي الناقص ما كان بالفصل) القريب (وحده كناطق) في تعريف الإنسان أيضاً (أو) به (مع جنسه) أي المحدود (البعيد كجسم ناطق) في تعريف الإنسان أيضاً فجسم جنس للإنسان بعيد من حيث أنه يشمل الحيوان وغيره من نام وغيره وإنما كان ناقصاً لعدم ذكر بعض الذاتيات فيه فعرفت أن مدار الحدية على كون المميز فصلاً
(والرسمي) منسوب إلى الرسم لكونه تعريفاً بالأثر مأخوذ من رسم الدار أي أثرها :ينقسم أيضاً إلى قسمين تام وناقص(2/28)
فالأول (تام) وهو (ما كان بالجنس القريب والخاصة) وهي كلي خارج يحمل على ما تحت حقيقة واحدة سواء كانت تلك الحقيقة نوعية أو جنسية فالتحيز خاصة للجسم المطلق وعرض عام للنامي وما تحته
وقد تكون شاملة لجميع أفراد ما هي خاصة له كالكاتب والضاحك بالقوة للانسان وغيره ، وغير شاملة كالكاتب والضاحك بالفعل له وذلك (كحيوان ضاحك) وسمي تاماً للمشابهة بينه وبين الحقيقي التام من جهة أنه وضع فيه الجنس القريب وقيد بمختص به وهو الضاحك
(و) الثاني الرسمي (الناقص) وهو (ما كان بالخاصة وحدها) نحو الإنسان ضاحك (أو مع الجنس البعيد كجسم ضاحك) في تعريف الإنسان فإن أريد ضاحك بالقوة فهي خاصة شاملة وإن أريد بالفعل فغير شاملة وسمي ناقصاً لعدم ذكر بعض أجزاء الرسم التام (أو بالعرضيات التي تختص جملتها بحقيقة واحدة) لا كل واحد منفردا ويسمى الخاصة المركبة (كقولنا في تعريف الإنسان ماشٍ على قدميه عريض الأظفار بادي البشرة مستوي القامة ضاحك بالطبع) فإن جملة هذه الأوصاف مختصة بالإنسان لا كل فرد منها على انفراده فإن كثيراً من الحيوان يمشي على قدميه ومن عريض الظفر الجمل ومن بادي البشرة كثيراً من الحشرات ومن مستوي القامة والضاحك الدُّب كما يروى فقد دخل في الخاصة والله أعلم .(2/29)
(و) يشترط في المعرف أن يكون أجلى من المعرف فلا بد أن تكون معرفة المعرف حاصلة قبل حصول معرفة المعرف بوجه من الوجوه لأن المراد التوصل إلى المجهول بالمعلوم ولذا قلنا إن (يجب الاحتراز في الحدود عن تعريف الشيء بما يساويه) في التعريف ضرورة كالمتضايفين نحو تعريف الأب بمن له ابن فإنهما بتعقلان معاً بالضرورة أو عادة كالمتضادين مثل السواد والبياض أو بالنظر إلى من يعرف له كتعريف الزرافة بحيوان يشبه جلده جلد النمر لمن لم يعرف النمر وعن تعريفه بما يساويه (في الجلاء والخفاء) وعن تعريفه بالأخفى كتعريفه (بما لا يعرف) ذلك الشيء (إلا به) بأن تكون معرفة الحد موقوفة على معرفة المحدود لأنه دور سواء كان ذلك التوقف (بمرتبة) أي بواسطة مرتبة ويسمى الدور الظاهر مثل تعريف الكيفية بما به تقع المشابهة والا مشابهة ثم تعريف المشابهة بالاتفاق بالكيفية
(أو) بواسطة (مراتب) جمع مرتبة والمراد به ما فوق الواحد ويسمى الدور الخفي مثل تعريف الاثنين بأول عدد منقسم بمتساويين ثم تعريف المتساويين بالشيئين غير المتفاضلين ثم تعريف الشيئين بالاثنين فالمتساويان يتوقفان على الاثنين بمرتبتين إحداهما توقف المتساويين على الشيئين والثانية توقف الشيئين على الاثنين(2/30)