وأخرج ابن عبد البَّر عن علي كرم الله وجهه : (يحرم عليك مما ملكت يمينك ما يحرم من الحرائر)(1)
قال الشافعي يحرم الجمع بين من ذكر وهو قول من لقيته من المفتين لا خلاف في ذلك بينهم قال ابن المنذر وهو من أهل الاجتهاد المطلق : لا أعلم خلافاً فيه اليوم وكذا نقل الإجماع ابن عبد البَّر وابن حزم والقرضي والنووي انتهى
(و) قد دخل قوله (بموافقته القياس) في قوله سابقاً وبموافقته لدليل آخر كما أشرت إليه في شرحه إذ القياس أحد الأدلة فلعل ذكره هنا ليرتب عليه ما بعده .
ولما فرغ من الكلام في الترجيح بين المنقولين أخذ في بيان الترجيح بين المعقولين كقياسين والكلام فيه بحسب حكم الأصل أو بحسب العلة نفسها أو بحسب دليل العلة أو بحسب الفرع أما الترجيح بين القياسين بحسب حكم الأصل فإن كان حكم الأصل في أحد القياسين قطعياً والآخر ظنياً
__________
(1) ـ أخرج البيهقي في سننه الكبرى ج 7/ص 163/ح 13707عن بن سيرين عن عبد الله بن عتبة قال قال عبد الله هو بن مسعود رضي الله عنه يحرم من الإماء ما يحرم من الحرائر إلا العدد وأخرج البيهقي أيضا في سننه الكبرى ج7/ص163/ح13706عن عمار أنه كره من الإماء ما كره من الحرائر إلا العدد قال الشافعي وهذا من قول عمار إن شاء الله في معنى القرآن وبه نأخذ وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه ج7/ص193/ح12743عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين يكره من الإماء ما يحرم من الحرائر إلا العدد(2/21)


(و) جب الترجيح (بكون حكم أصله قطعياً) على ما ليس كذلك (أو) لم يكن قطعياً بأن كانا ظنيين فإنه يرجح أحدهما بكون (دليله أقوى) من دليل الآخر كأن يثبت في أحد الأصليين بالمنطوق والآخر بالمفهوم لقوة الظن بقوة الدليل أو كونه جارياً على سنن القياس كقول الحنفي في إيلاج الدبر بلا إنزال إيلاج في أحد السبيلين بلا إنزال فلا يوجب الغسل كالإيلاج في السبيل الآخر بلا إنزال وقولنا مظنة الإنزال فيوجبه كما يوجب الوضوء إيجابه بالنوم مضطجعاً وإن لم يخرج شيء فقياسنا أرجح لذلك أ(ولم ينسخ باتفاق) والآخر مختلف في كونه كذلك لبعده
(و) أما الترجيح بحسب علة حكم الأصل فإنه يرجح أحدهما (بكون علته) أي علة حكمه (أقوى) من علة حكم الآخر
وقوتها إما (لقوة طريق وجودها في الأصل) بأن يكون ظن وجودها في أحدهما دون الآخر مثاله إذا قيل في الوضوء طهارة حكمية فتفتقر إلى النية كالتيمم مع قول الآخر طهارة بمائع فلا تفتقر إليها كغسل النجاسة فإن كونه طهارة حكمية معلوم
(أو) لقوة (طريق كونها علة) بأن يكون طريق عليتها نصاً والأخرى تنبيه نص فإن الأول أرجح كما سبق في بيان طرق العلة
(أو بأن يصحبها) أي علة أحد القياسين (علة أخرى) أي غيرها (تقويها) فيكون كالمعلل بعلتين مثاله تعليل وجوب النية في الوضوء بكونه طهارة حكمية كالتيمم فإن هذه يصحبها علة أخرى وهي كونه عبادة كالصلاة بخلاف تعليله بكونه طهارة بمائع
(أو يكون حكمها حظراً أو وجوباً دون معارضتها) كتعليل حرمة التفاضل بالكيل لا الطعم فيحرم في النورة وتعليل الوضوء بأنه عبادة فتجب النيَّة
(أو بأن تشهد لها الأصول)والمراد بها ما فوق الواحد بأن توافق أصلين فصاعداً والأخرى أصلاً واحداً كتعليل الوضوء بأنه عبادة فتجب فيه النيَّة كالصلاة والزكاة والصوم والحج بخلاف تعليله بأنه طهارة بمائع إذ لا أصل له إلا إزالة النجاسة وفي شرح الجوهرة يعني بالأصول الظواهر النقلية متواترة كانت أو آحادية(2/22)


(أو يكون أكثر اطراداً) من الأخرى أي تعدية لتعذر الكثرة في الاطراد الحقيقي بأن تتعدى إلى أكثر مما تعدى إليه الأخرى
(أو) تكون (منتزعة من أصول كثيرة) كذا ذكره المهدي (عليه السلام) ولا يقال أن هذا تكرير قوله أو بأن تشهد لها الأصول إذ المغايرة بين الموافقة والمنتزعة واضحة للمتأمل (1)
(أو يعلل بها الصحابي) وغيره بغيرها لأنه أعرف بمواقع العربية
(أو أكثر) القرابة أو (الصحابة) والوجه ظاهر ولما كان هنا مرجحات ينبغي تقديمها على ما سبق لأنها باعتبار صفة العلة أعاد لفظ يرجح ولم يكتف بحرف العطف فقال (ويرجح الوصف الحقيقي) أي الثبوتي الظاهر المنضبط المتعقل في نفسه من غير توقف على عرف أو شرع (على غيره) من الأوصاف كأن يكون حكماً شرعياً أو حكمة مجردة للاتفاق عليه والاختلاف في غيره مثاله في مسح الرأس مسح فلا يسن تثليثه كمسح الخف مع قوله فرض فيسن تثليثه كغسل الوجه والقياس الأول الوصف فيه حقيقي فهو أرحج (و) بهذه العلة يرجح الوصف (الثبوتي على العدمي) مثاله في خيار الصغيرة التي زوجها غير أبيها أو أبلغت غير عاملة متمكنه من العلم فلا تعذر بالجهل كسائر أحكام الإسلام فيرجح على قوله جاهلة بالخيار فتعذ كالأَمَة تعتق لأن وصف الجهل عدمي
(والباعثة على الأمارة المجردة) مثاله أن يقال صغيرة فَيُولّى عليها في النكاح كما لو كانت بكراً مع قول الآخر ثيب فلا يولى عليها في النكاح كما لو كانت بالغة لأن الصغر وصف باعث على التولية لظهور تأثيره في المال إجماعاً بخلاف الثيوبة
__________
(1) ـ لأن المراد بشهادة الأصول للعلة موافقتها لأصول متعددة ، ومعارضتها موافقة لأصل واحد ، والمراد بالمنتزعة أن تكون ذات أصلين ، ومعارضتها ذات أصل تمت حابس(2/23)


(و) المطردة (المنعكسة على خلافها) وهي غير المنعكسة ،مثاله قول الشافعي مسح الرأس فرض في الوضوء فيسن تثليثه كغسل الوجه فيقول الحنفي : مسح تعبدي في الوضوء فلا يسن تثليثه كمسح الخف فعلة الشافعي غير منعكسة لأن المضمضة والاستنشاق ليسا بفرض عندهما ويسن تثليثهما وعلة الحنفي منعكسة لأن الغسل يسن تثليثه فرضاً كان أوسنة كغسل المستيقظ من نومه يده ومسح الاستنجاء (1) ليس تعبدياً حتى يبطل طرد علته
(والمطردة فقط) من غير انعكاس (على المنعكسة فقط) من غير اطراد لقوة الأولى دون الثانية مثاله قول الشافعي في من ملك عمه :ملك من يجوز صرف الزكاة إليه فلا يعتق عليه كابن العم فإن علته مطردة ولا تنعكس لأنه لو ملك كافراً أجنبياً لم يعتق عليه فيقول الحنفي مَلَكَ ذا رحم محرم عليه فيعتق عليه كالولادة فإن علته غير مطردة لأنها منقوضة بابن العم الرضيع ومنعكسة لأنه لا أحد ممن هو ليس ذا رحم إذا ملكه عتق عليه
والمفردة على المتعددة ذات الأوصاف لقربها من الضبط وبعدها عن الخلاف
وذات الوصفين على ذات الأكثر لكونها أقرب إلى الضبط وأسلم من إدخال وصف طردي .
ويرجح الوصف العام للمكلفين على الخاص ببعضهم لأن العام أكثر فائدة وكثرتها يغلب ظن الاعتبار
وعادم المعارض على ما لم يعدمه وإن كان معارضه مرجوحاً لأن العادم أغلب على الظن
(و) أما الترجيح بين القياسين بحسب دليل العلة فقد دخل في قوله سابقاً أو طريق كونها علة فتقدم العلة الثابتة بالإجماع لأن الإجماع لا يقبل النسخ ولذا قدم في نفسه على النص عند التعارض وللنص الصريح مراتب تقدم بيانها وتوجيه ترتبها فما ثبت من الأوصاف بمرتبة منه قدم على ما ثبت بالمرتبة التي بعدها
ثم الإيماء على مراتبه فيقدم ما كان الإيماء فيه إلى علية الوصف بعينه
__________
(1) ـ جواب سؤال مقدر تمت منه(2/24)


ثم إلى النظير ثم الفرق بين حكمين ثم ذكر مناسبة الحكم لما يلزم في الأولين من العبث وتأخير البيان ورجح الأول منهما لذكر العلة بعينها
ثم (السبر) أي قياس السبر (على) قياس (المناسبة) لتضمنه انتفاء المعارض لتعرضه لعدم علية غير المذكور بخلاف المناسبة
(و) ترجح العلة (المناسبة على) علة (الشبه) مثاله الخل مائع رقيق طاهر منقٍ فيفيد الطهارة عن النجاسة كالماء فيقول الآخر طهارة تراد للصلاة فيتعين لها الماء كالوضوء فإن الثاني شبه
(و) أمَّا الترجيح بين القياسين بحسب الفرع فإنه (يرجح بالقطع بوجود العلة في الفرع) فيقدم ما قطع بوجودها فيه على ما ظن فيه . مثاله قولنا في جلد الكلب حيوان لا يجوز بيعه فلا يطهر جلده بالدباغ كالخنزير فإنه يرجح على قول الخصم حيوان يحتاج الإنسان إلى مزاولته فيطهر جلده بالدباغ كالثعلب
(و) يرجح أحدهما (بكون حكم الفرع ثابتاً بالنص في الجملة) وجيء القياس للتفصيل والآخر ليس كذلك بل يحاول إثبات الحكم في الفرع ابتداءً لأن تفصيل الشيء الثابت أهون من إثباته من أصله مثاله أن يقال قد ثبت الحد في الخمر من دون تعيين الجلدات فتعين عددها بالقياس على القذف مع مالو قيل مائع كالماء فلا يحد شاربه
(و) يرجح (لمشاركته) أي لمشاركة الفرع الأصل (في عين الحكم وعين العلة على الثلاثة الأخر) وهي المشاركة في عين الحكم وجنس العلة أو العكس أو جنس الحكم وجنس العلة
مثال الأول مع الثاني قول الشافعي في الثيب الصغيرة ثيب فلا يولى عليها في النكاح كما لا يولى على الثيب البالغة فيه مع قول الحنفي عاجزة عن إنكاح نفسها فيولى عليها في النكاح كما يولى فيه على المجنونة فإن الأول مقدم إذ العلة وهي الثيوبة في الفرع والأصل متحدة وكذا الحكم وهو الولاية في النكاح بخلاف الثاني فإنه وإن اتحد الحكم فالعلة مختلفة لأن عجز الصغر غير عجز الجنون(2/25)

105 / 108
ع
En
A+
A-