(و) كان القياس أن المثبت للحد في الإخبار والعلل أولى لأنه أثبت حكماً شرعياً صرفاً والنافي مقرر لقضية العقل إلا أنه رجح (الدارئ للحد على الموجب له) لأن الحدود تُدرأ بالشبهات ولأن الخطأ في نفي العقوبات أولى منه في إثباتها كما قال : (لأن تخطيء في العفو خير من أن تخطيء في العقوبة)(1)ولأنه إذا سقط لتعارض البينتين مع تقدم ثبوته فبالأولى أن يسقط لتعارض الخبرين مع عدم تقدم ثبوته ، وعن المتكلمين تقديم موجب الحد نظراً إلى أن فائدة العمل بالموجب التأسيس وبالدارئ التأكيد (2) (والموجب للطلاق والعتق على الآخر) وهو من باب الإثبات على النفي فلا وجه لعده على حدة
(و) أما جهات الترجيح بحسب أمر خارجي فإنه (يرجح الخبر بموافقته لدليل آخر) لأن ذلك يقوي الظن بمدلول الموافق والعمل به لا يستلزم إلا مخالفة دليل واحد والعكس يستلزم مخالفة دليلين
__________
(1) ـ أخرج معناه البيهقي في سننه الكبرى وأخرجه الترمذي في سننه و ابن ماجه في سننه و الحاكم في مستدركه والطبراني في معجمه الكبير و الدارقطني في سننه و البيهقي في سننه الكبرى و أبو يعلى في مسنده و ابن أبي شيبة في مصنفه
(2) ـ ورجحه صاحب الفصول والقاضي والله أعلم تمت منه(2/16)


نحو أن يكون أحد الخبرين موافقاً لظاهر الكتاب دون الآخر فيكون الأول أولى بالاعتبار نحو حديث (من نام عن صلاته أو سهى فليصلها إذا ذكرها) فإن ذلك وقتها (1) يعارضه حديث النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة لكن الأول يعضده ظواهر من الكتاب مثل قوله تعالى?حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى?[البقرة238] ?وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ?[آل عمران133] وما روي عنه أنه كان يصبح في رمضان جُنباً من غير حلم فيغتسل ويصوم (2) ويعارضه حديث (من أصبح جُنباً فلا صوم له) (3) لكن الأول يعضده قوله تعالى ?فالآن باشروهن?
__________
(1) ـ أخرجه مسلم في صحيحه و البخاري في صحيحه و النسائي في سننه و ابن حبان في صحيحه و ابن خزيمة في صحيحه و ابن ماجه في سننه و أبو داو في سننه و ابن حنبل في مسنده و الطحاوي في شرح معاني الآثار و الطبراني في معجمه الكبير و النسائي في سننه الكبرى و البيهقي في سننه الكبرى
(2) ـ أخرجه مالك في الموطأ ومسلم في صحيحه و البخاري في صحيحه و ابن حبان في صحيحه و ابن خزيمة في صحيحه و الترمذي في سننه و ابن ماجه في سننه و ابن حنبل في مسنده و الطحاوي في شرح معاني الآثار و الطيالسي في مسنده و الحميدي في مسنده و الطبراني في معجمه الكبير و النسائي في سننه الكبرى و الطبراني في معجمه الصغير و الطبراني في مسند الشاميين و ابن راهويه في مسنده و البيهقي في سننه الكبرى
(3) ـ أخرجه الطبراني في معجمه الكبير وابن خزيمة في صحيحه و ابن حنبل في مسنده و الطبراني في معجمه الكبيرو النسائي في سننه الكبرى و ابن راهويه و أبو يعلى في مسنده و ابن أبي شيبة في مصنفه(2/17)


ونحو أن يكون أحد الخبرين موافقاً للآخر دون الآخر كحديث : (لا نكاح إلا بولي) مع حديث (ليس للولي مع الثيب أمر) (1) فإن الأول موافق لحديث : (أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل) الخبر .
ونحو أن يكون أحدهما موافقاً للقياس أو لدليل العقل دون الآخر .
أو يكون موافقاً لفعل الوصي (عليه السلام) كتقديم رواية من روى في تكبيرات العيد سبعاً وخمساً على رواية من روى أربعاً لأن الأول وافقه عمل الوصي (عليه السلام) وقد شهد له الرسول بكون الهدى والحق معه وشهادة الرسول أبلغ في تقوية الظن مما ذكرناه
(أو لأهل المدينة) المشرفة على مشرفها أفضل الصلاة والسلام وعلى آله الغر الكرام لأن المدينة موضع الوحي وهم أعرف بأحكامه (أو الخلفاء) الأربعة الذي هم علي (عليه السلام) وأبو بكر وعمر وعثمان لقربهم بناء على أن مذهب علي (عليه السلام) ليس بحجة وأما على ما هو الحق من أن قوله (عليه السلام) دليل وأن الحق معه فقد دخل في قوله وبموافقته لدليل آخر كما سبق
ويرجح بموافقته لعمل الأكثر من العلماء لقوة الظن به لبعد غفلة الأكثرين عن الراجح وقيل لا ترجيح بذلك لأنه ليس بحجة وفي تعليله نظر لا يخفى
(أو الأعلم) لأنه أخبر بالتأويل وأعرف بمواقع الوحي والتنزيل
__________
(1) ـ أخرجه النسائي في سننه ومسلم في صحيحه و البخاري في صحيحه و النسائي في سننه و ابن حبان في صحيحه و الترمذي في سننه و ابن ماجه في سننه و أبو داود في سننه و ابن حنبل في مسنده و مالك في الموطأ و الطحاوي في شرح معاني الآثارو الحميدي في مسنده و الطبراني في معجمه الكبير و النسائي في سننه الكبرى
و الدارقطني في سننه و الطبراني في مسند الشاميين و ابن راهويه في مسنده(2/18)


(و) يرجح الخبر على معارضه (بتفسير راويه) تفسيراً يليق باللفظ إما بقوله لا يغلق الرهن بما فيه فإن راويه فسره بأن معناه لا يصير مضموناً بالدين وإما بفعله كحديث ابن عمر (المتبايعان بالخيار في بيعهما ما لم يفترقا ) يحتمل التفرق بالبدن أوالتفرق بالقول وقد روي أن ابن عمر كان إذا أراد أن يوجب البيع مشى قليلاً ثم رجع وأصحابنا يرجحون خلافه لإطلاق الآيات مثل قوله تعالى : ? إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ?[النساء29 ]?وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ?[البقرة282 ]والتجارة هي البيع والشراء وقد حصلا بالعقد عن تراض والأمر بالشهادة للوثيقة في العقد فإثبات الخيار بعده ينافيها
(و) يرجح (بقرينة تأخره) عن معارضه قرينة لا تقوى على النسخ كأن يكون مؤرخاً بتاريخ مضيق (1) كحديث ابن عباس في شاة مولاة ميمونة ماتت فقال : (هلا انتفعتم بجلدها) مع حديث عبد الله بن عكيم أنه كتب إلى جهينة قبل موته بشهر (لا تنتفعوا من الميتة باهاب ولا عصب)
__________
(1) ـ وهذا خلاف ما قرره أهل المذهب في الفروع من أنه يحكم للمطلقة بآخر الوقت تمت منه(2/19)


أو متضمناً للتشديد دون الآخر لتأخر التشديدات إذ لم تجئ إلا بعد ظهور الإسلام وقوة شوكته وكذا إذا كان أحدهما أمس بالمقصود وأقرب إليه من الآخر مثل قوله تعالى ?وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ? [النساء 23] مع قوله تعالى ?فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ?[النساء 3] فإن الأولى تدلى بعمومها على تحريم الجمع بينهما في الوطء أعم من أن يكون بالنكاح أو بالملك أو بهما لأنه وإن كان السياق في تحريم النكاح لا ينافي أن يعطف عليه تحريم الجمع بينهما في الوطء مطلقاً والأخرى تدل بعمومها على إباحة الجمع في الوطء بالملك لكن الأولى أمس بالمقصود لأن الكلام فيها مسوق للتحريم بخلاف الأخرى فإنها مسوقة لإيجاب العدل بين الأزواج وطريق التفصي إذا خيف أَلاَّ يقام بالعدل على أن التحريم أرجح للحيطة وقد رجحه علي (عليه السلام) وقوله حُجَّة كما تقرر وقد ادعى ابن عبد البَّر الإجماع القطعي على التحريم قال في شرح العمدة من مستندات الإجماع على التحريم ولو بالملك : ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أم حبيبة (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمع ماءه في رحم أختين )(1)
__________
(1) ـ لم نجده في البخاري ولا في أي كتاب من كتب الصحاح قال ابن حجر في تلخيص الحبير ج: 3 ص: 166 قوله روي أنه قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمع ماءه في رحم أختين ويروى ملعون من جمع ماء في رحم أختين لا أصل له باللفظين وقد ذكر بن الجوزي اللفظ الثاني ولم يعزه إلى كتاب من كتب الحديث وقال بن عبد الهادي لم أجد له سندا بعد أن فتشت عليه في كتب كثيرة وفي الباب حديث أم حبيبة في الصحيحين أنها قالت يا رسول الله أنكح أختي قال لا تحل لي ولأبي داو من حديث فيروز الديلمي قال قلت يا رسول الله إني أسلمت وتحتي أختان قال طلق أيهما شئت وللترمذي في روايته اختر أيهما شئت(2/20)

104 / 108
ع
En
A+
A-