(و) أما جهات الترجيح بحسب المتن فإنه (يرجح النهي على الأمر) وعلى الإباحة لأنه لدفع المفسدة والأمر لجلب المصلحة سواء أدركت الجهتان أم لم تدركا لما أن انبناء الأحكام على المصالح ظاهرة أو خفية والعقلاء بدفع المفاسد أشد اهتماماً منهم بجلب المصالح ولهذا كان شرْع العقوبات بفعل المحرم أكثر منه لترك الواجب ولأن النهي للدوام دون الأمر ولقلة محامل النهي دون الأمر لما عرفت من زيادة المعاني المجازية في الأمر عليها في النهي وزيادة ما اختلف فيه من معاني الأمر الحقيقية على معاني النهي الحقيقية
(والأمر على الإباحة) لأنه أحوط لاستواء طرفي المباح دون المأمور به وقيل بالعكس لوحدة معناها وتعدد معاني الأمر واستلزام تقديمه تعطيل الإباحة بخلاف العكس لأن في ترجيح المبيح تأويلاً للأمر بصرفه عن ظاهره والتأويل أولى من التعطيل ولاشتمالها على مقصود الفعل والترك ولا شك أن جهة الاحتياط أرجح
(والأقل احتمالاً على الأكثر) احتمالاً كما ذكرناه من أن النهي أقل احتمالاً من الأمر وأن الإباحة أقل احتمالاً منهما فالأقلية جهة ترجيح
(والحقيقة) شرعية كانت أو عرفية أو لغوية (على المجاز) مطلقاً
والحقيقة الشرعية على العرفية
والعرفية على اللغوية لشهرتها وتبادرها إلى الفهم كما إذا كان لفظ واحد له مدلول لغوي وقد استعاره الشارع في معنى آخر وصار عرفاً له فإنه إذا أطلق الشارع ذلك اللفظ وجب حمله على عرفه الشرعي دون المعنى اللغوي لأن الغالب من الشارع أنه إذا أطلق لفظاً وله موضوع في عرفه أنه لا يريد به غيره وقد سبق له في المجمل مثالان(1)
(والمجاز على المشترك) لقربه وعدم إخلاله بالتفاهم كما سبق في الباب الرابع
__________
(1) ـ وهما : (الأعمال بالنيات )فإنه يحتمل العمل اللغوي والشرعي فيحمل على الشرعي و (إني إذا لصائم) يحتمل الإمساك مطلقاً أو عن الطعام ونحوه كما سبق والله أعلم تمت منه(2/11)


(و) إذا كان المتعارضان مجازين فللترجيح بينهما وجوه :
منها أن يكون أحدهما أقرب جهة إلى الحقيقة من الآخر فإنه يرجح (الأقرب من المجازين) أي أقربهما إلى الحقيقة (على الأبعد) عنها .
وقربه من الحقيقه بأن يكون التجوز فيه أقوى من الآخر كالتجوز بإطلاق اسم الكل على الجزء فإنه أقوى من التجوز بإطلاق اسم الجزء على الكل لأن الكل يستلزم الجزء لا العكس مثل : من سرق قطعت يده مع من سرق لم تقطع أنامله والله أعلم
أو بأن يكون مصحح أحدهما وهو العلاقة مشهوراً أو أشهر دون الآخر مثل من شرب الياقوت المذاب فعليه الحد مع من شرب الإثم فلا حد عليه
(و) يرجح (النص الصريح) وهو ما وضع له اللفظ بخصوصه (على غير الصريح) وهو ما يلزم عنه نحو ?فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ?[النساء92] مع رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وقد سبق تحقيقهما وأن أقسام غير الصريح ثلاثة : دلالة الاقتضاء والإيماء والإشارة فإذا تعارض نصان يدلان بالاقتضاء والمدلول عليه بالاقتضاء لازم غير صريح ومقصود يتوقف الصدق أو الصحة العقلية أو الشرعية عليه نحو قوله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (1)مع ما لو قال من قال : مُكْرَهاً لغيره أعتق عبدك عني على ألف لزمه للمعتق غرامته فإن مقتضى الأول لضرورة صدق الصادق عدم لزوم البيع بكونه مكرهاً ومقتضى الثاني لتوقف العتق على تقدير الملك لزوم البيع شرعاً فيرجح الأول (2)
__________
(1) ـ تقدم تخريجه
(2) ـ لأن مراعاة الصدق أهم تمت(2/12)


(و) إذا تعارض خاص من كل وجه وعام كذلك فإنه يرجح (الخاص على العام) لأنه أقوى دلالة على ما يتضمنه من دلالة العام عليه لاحتماله تخصيصه منه نحو أقتلوا المشركين لا تقتلوا أهل الذمة فيرجح الخاص فيقتل من عدى أهل الذمة(1) وهذا إنما يجيء على مذهب الشافعي من حمله للعام على الخاص مطلقاً فلعله قد بنى على مذهبه كما أشار إلى قوته في باب العموم والخصوص وبنى عليه الأصحاب في كثير من المواضع
وأما على مذهب الجمهور فإنه مخصص مع المقارنة ناسخ إن علم تأخره متراخياً منسوخ إن علم تأخر العام كذلك ويطرحان إن جهل التاريخ(2) والله أعلم
فإن كان كل منهما أعم من وجه وأخص من آخر فليس بتخصيص عموم أحدهما بأولى من العكس نحو إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً فإنه خاص لهما عام للمتغير وغيره و(الماء لا ينجسه إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه) خاص بغير المتغير عام للقلتين وغيرهما فنقول المراد بالأول مثلاً ما لم يتغير وبالآخر القلتان فيحكم بطهارة ما بلغ قلتين ولم يتغير دون غيره
__________
(1) ـ فالفرق بين الجمع بين الدليلين المتقدم في أول الباب وبين هذا هو أن ما تقدم يؤول أحدهما بما يوافق الآخر ولا يبقى له فائدة زائدة على ما رجع هو إليه كما في الحديثين السابقين وهذا يرجح الخاص مثلاً على العام باعتبار ما قابله منه ويجري العام على ما يقتضيه ظاهره كما في المثالين هنا والله سبحانه أعلم تمت منه
(2) ـ قال في الهداية وهكذا الخاص من وجه يقدم على العام من كل وجه وفيه أن هذه النسبة لا وجود لها ولعل لفظ كل فيه زائدة فإن النسب أربع ليست هذه أحدها تمت منه(2/13)


(و) يرجح (تخصيص العام) لكثرته (على تأويل الخاص) لقلته كقوله تعالى :? و َمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ?[الحج78] مع قوله في أربعين شاة شاة (1) فلزم تخصيص الآية بالخبر فيجب شاة بعينها ولا يؤول الخاص بتجويز دفع القيمة عنها
(و) يرجح (العام الذي لم يخص) للاتفاق على حجيته (على الذي خصص) للخلاف فيها مثاله الصبي المرتد لا يقتل بردته مع ما لو قيل كل مرتد يقتل
وكذلك الحكم في المطلق والمقيد فيقدم تقييد المطلق على تأويل المقيد والمقيد ولو من وجه على المطلق والمطلق الذي لم يقيد على المطلق المقيد
(و) إذا تعارضت صيغ العموم فإنه يرجح (العام الشرطي على النكرة المنفية) مطلقاً نحو من بدل دينه فاقتلوه مع ما لو قيل لا قتل على مرتد وقيل المراد المنفية بغير لا التي لنفي الجنس إذ المنفي بها نص في الاستغراق ولذا قال صاحب الكشاف في قوله تعالى?لا ريب فيه?[البقرة] إن قراءة الفتح توجب الاستغراق وقراءة الرفع تجوزه
(و) يُرجَج على (غيرها) من صيغ العموم حيث يفيد التعليل لإفادته التعليل بخلاف غيره وما كان للتعليل فهو أدل على المقصود وادعى إلى القبول فلو ألغي العام الشرطي لكان إلغاء للعلة ولا يلزم من إلغاء غيره إلغاء علته وأما حيث لا يفيده فلا لأنه قد يجيء لغيره نحو من فعل كذا فلا إثم عليه وقوله تعالى ?وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا?[النور33]
__________
(1) ـ أخرجه ابن ماجه في سننه وأخرجه النسائي في سننه و أبو داو في سننه و ابن حنبل في مسنده و الطحاوي في شرح معاني الآثار و الطبراني في معجمه الكبير و النسائي في سننه الكبرى و الدارقطني في سننه و البيهقي في سننه الكبرى و الشافعي في مسنده و البخاري في خلق أفعال العباد و الطبراني في الأحاديث الطوال و عبد الرزاق في مصنفه و ابن أبي شيبة في مصنفه و الطبراني في معجمه الأوسط .(2/14)


(وما ومن) الموصولتان أو الاستفهاميتان ونحوهما (و) الجمع (المعرف بلام الجنس) أو بالإضافة (على الجنس المعرف به) أو بالإضافة لأن تلك لا تحتمل العهد أو يحتمله على بعد بخلاف الجنس المعرف فاحتمال العهد فيه قريب لكثرة استعماله في المعهود فكانت دلالته على العموم أضعف
وإذا نقل بالآحاد إجماعان متعارضان فيقدم الإجماع السابق لأن الظن يقضي ببطلان اللاحق لمخالفته
والإجماع الظني من جهة السند والمتن يقدم عليه الإجماع الظني من جهة واحدة ، وإجماع كل المجتهدين والعوام على إجماع المجتهدين خاصة ، وما انقرض فيه عصر المجمعين على ما لم ينقرض ، وما لم يسبقه خلاف مستقر على ما سبقه لما عرفت من الخلاف في اعتبار العوام وانقراض العصر وألا يسبقه خلاف مستقر وقس على ذلك
وقيل الإجماع المسبوق بالخلاف أرجح لأنهم اطلعوا على المآخذ واختاروا مأخذ ما أجمعوا عليه فكان أقوى وقيل سواء لتعارض المرجِّحين والله أعلم .
(و) أما الترجيح بحسب الحكم المدلول فمنها أنه يرجح الحظر على غيره لما تقدم في تقديم النهي على الأمر و(يرجح الوجوب على الندب) والكراهة للاحتياط والكراهة على الندب لأن الفعل حينئذٍ يكون فيه شائبة مفسدة وشائبة مصلحة وقد تقرر ان دفع المفاسد في نظر العقلاء أولى والندب على الإباحة للاحتياط لأن الفعل إن كان مندوباً ففي تركه إخلال بالطلب وإن كان مباحاً فلا إخلال إن فعله
(و) إذا كان أحد المتعارضين يقتضي إثبات أمر والآخر نفيه فإنه يرجح (الإثبات على النفي) مثاله حديث بلال أنه دخل البيت وصلى وقال أسامة دخله ولم يصلّ فإن الأول أولى لكثرة غفلة الإنسان عن الفعل فيحتمل أن يكون مبىي النافي على الغفلة ولأن المثبت يفيد زيادة علم والتأسيس والنافي يفيد التأكيد والإفادة خير من الإعادة(2/15)

103 / 108
ع
En
A+
A-