أو بين الكتاب والسنة مثاله قوله تعالى ?إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً?[الأنعام 145] مع قوله في البحر : (هو الطهور ماؤه والحل ميتته) (1) فتحمل الآية على ميتة البر لتبادرها إلى الأذهان جمعاً بين الدليلين على رأي البعض
وذهب البعض إلى تقديم الكتاب محتجاً بحديث معاذ ولا حُجَّة فيه لأن معاذاً إنما أراد العمل بالكتاب حيث وجد حكم الحادثة فيه فقط وبالسنة حيث وجد الحكم فيها فقط ولو سلم فمحمول على تقديم الكتاب على السنة على فرض تعارضهما من كل وجه ،
وذهب آخرون إلى تقديم السن لقوله تعالى ? لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ?[النحل (44)]. قلنا المعارِض من كل وجه غير مبين له
__________
(1) ـ أخرج الترمذي في سننه عنرسول الله : هوَ الطهّورُ مَاؤُهُ, الْحِلّ مَيْتَتُه». قال: وفي البابِ عن جَابِرٍ, والفِراسِيّ. قال أبو عيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وهُوَ قَوْلُ أَكْثَر الْفُقَهَاءِ مِنْ أصْحابِ النّبيّ , مِنْهُمْ: أبو بَكْرٍ, وعُمَرُ, وابن عبّاسٍ: لَمْ يَرَوْا بَأْسًا بمَاءِ الْبَحْرِ. وقَدْ كَرِهَ بَعْضُ أصْحابِ النّبيّ الوُضُوءَ بمَاءِ الْبَحْرِ, مِنْهُمْ: ابن عْمَرَ, وعَبْدُ الله بن عَمْرٍو. وقالَ عَبْدُ الله بنُ عَمْرو, هوَ نَارٌ. وأخرجه النسائي في سننه و ابن حبان في صحيحه وابن خزيمة في صحيحه و ابن ماجه في سننه و أبو داو في سننه و ابن حنبل في مسنده و الحاكم في مستدركه و الطبراني في معجمه الكبير و النسائي في سننه الكبرى و الدارقطني في سننه و البيهقي في سننه الكبرى(2/1)


وأما إن لم يمكن الجمع بينهما بوجه من الوجوه فإما أن يقترن أحدهما بمرجح أولاً فإن لم يقترن رجع إلى غيرهما كما سبق وإن اقترنت به (فيجب تقديمها) والعمل بمقتضاها (للقطع عن السلف) الماضي الصالح من الصحابة والتابعين وسائر المجتهدين (بإيثار للأرجح) من الأدلة فإن من بحث عن وقائعهم المختلفة في الحوادث التي تتعارض فيها الأمارات وجدهم يقدمون الأرجح منها قطعاً فكان ذلك دليلاً على وجوب الترجيح لتضمنه الإجماع(2/2)


(و) قد علم من الحد أنه (لا تعارض) بين قطعيين لامتناع وقوع المتنافيين(1) فلا يتصور الترجيح لأنه فرع التعارض في احتمال النقيض سواء كانا عقليين أو نقليين أو مختلفين ولا بين قطعي وظني كذلك لانتفاء الظن بالقطع بالنقيض(2) ولأنه لا مرتبة فوق اليقين والمراد بالقطعي عنها قطعي الثبوت والدلالة إذ لو كان قطعي الثبوت دون الدلالة كما إذا ثبت متنه بالتواتر وكانت دلالته على المراد ظنية لقيام الاحتمال الناشئ عن الدليل(3)لم تمتنع معارضته نظراً إلى كون الدلالة ظنية وكذا العكس كخبري آحاد دلالتهما على المراد قطعية فإن مناط تعارضهما وقوع الظن في طريق الثبوت والوصول إلينا إذ لولا الظن الحاصل في الطريق لامتنع ثبوتهما عن الشارع لامتناع وقوع المتنافيين منه كما سبق فحينئذٍ لا يتصور (إلا بين ظنيين) لأن الظن متفاوت وله مراتب حتى أنه يقبل التزايد إلى أن يقرب من مرتبة اليقين سواء كاناً (نقليين) (4)
__________
(1) ـ أي النقيضين والضدين لأن معنى القطع تحقق حصول كل منهما في الواقع في زمن الآخر ومحله وذلك يستلزم اجتماع المتنافيين في محل وهو محال ولذا حكمنا بأن المصيب في القطعيات واحد ومن جوز وقوعه يقول وقوعه كاشف عن التخيير بين الحكم ونقيضه كما ثبت في كل واحد من خصال الكفارة وجوب فعله وإباحة تركه بفعل غيره وغاية الفرق بين خصال الكفارة ومدلول الدليلين المتناقضين أن التخيير في خصال الكفارة بدلالة حرف التخيير وفي مدلول الدليلين بدلالة الاقتضاء وكلاهما من المنطوق ذكره في نظام الفصول تمت منه
(2) ـ في غير النقليين كما إذا ظن أن زيداً في الدار لكون مركبه وخدمه ببابها ثم شوهد خارجها فلا دلالة للعلامة المذكورة على كونه في الدار حال مشاهدته خارجها فلا تعارض بينهما بخلاف النقليين فإن الظني منهما باقٍ على دلالته حال دلالة القطعي وإنما قدم عليه لقوته ذكره في شرح الجمع تمت منه
(3) ـ يعني عن الدليل تمت
(4) ـ والكلام في النقليين حيث لا نسخ بينهما ولباحث أن يقول لا بعد في أن يجري فيهما الخلاف الآتي في الأمارتين لمجي توجيهه الآتي فيهما ذكره في شرح الجمع للمحلي تمت منه(2/3)


معاً كنصين إما خبرين أو ظاهر آيتين أو إجماعين آحاديين (أو عقليين) معاً كقياسين ظنيين (أو مختلفين) بأن يكون أحدهما نقلياً والآخر عقلياً كخبر آحادي وقياس ظني فهذه ثلاثة أقسام .
ولما فرغ من بيان الحد وما يصح فيه التعارض وما لا يصح فيه أخذ يبين المرجح بين الأمارات الموصلة إلى التصديقات الشرعية ولما كان الغرض الأهم في هذا الفن هو الكلام على ترجيحات الأدلة لكونه أكثر في المباحثات الفقهية من الحدود وأشد حاجة قدم الكلام فيها عليه في الحدود مع أنها توصل إلى التصور والأول يوصل إلى التصديق والتصور مقدم على التصديق طبعاً فليقدم عليه وضعاً لكن أخّر الكلام في الحدود لذلك ثم الترجيح إن كان بين ظنيين نقليين من نوع واحد ففيه أربعة أقسام :
أولها الترجيح بحسب السند وهو الطريق إلى ثبوت المتن
وثانيها الترجيح بحسب المتن وهو نفس الدليل من أمر أو نهي أو عموم أو خصوص أو إجماع أو غير ذلك
وثالثها الترجيح بحسب الحكم المدلول كالإباحة والحظر
ورابعها الترجيح بحسب الخارج
أما السند (فيرجح أحد الخبرين) المتعارضين (على الآخر) بوجوه كثيرة منها قوله (بكثرة رواية) عند الجمهور لإفادة كل واحد منهم الظن وبزيادتهم يزداد الظن حتى ينتهي إلى التواتر ومثل له برواية أبي رافع وميمونة أنه نكحها وهما حلالان ، فيرجح على رواية ابن عباس أنه نكحها وهو حرام(2/4)


وخالف فيه الكرخي فقال لو رجح بالزيادة للزم مثل ذلك في الشهادة . قلنا فرق بينهما فإن الشهادة أضيق فليس كلما ترجح به الرواية ترجح به الشهادة ولذا اعتبر لفظها حتى لو أتى العدد الكثير بلفظ الأخبار لم يقبلوا وردت شهادة النساء ولو كثرن وكانت الشهادة مستندة إلى توقيفات تعبدية(1)
(و) منها أنه يرجح أحد الخبرين على الآخر (بكونه) أي الراوي لأحد المتعارضين (أعرف بما يرويه) من راوي الآخر بأن يكون ذا بصيرة في علم الشريعة والأحكام فإن العالم إذا سمع ما لا يجوز إجراؤه على ظاهره بحث عنه ونظر في سببه فيطلع على ما يزيل الإشكال أو في علم العربية ليمكنه التحفظ من مواضع الغلط وأورد عليه أن النحوي يعتمد على لسانه فلا يبالغ في التحفظ . وفيه أن علمه ينبهه على مواضع الغلط فيتحفظ عنها ولا ترجيح لخبر الأعلم بغير ما روي إذ لا تعلق له به خلافاً لابن أبان
(و) منها أنه يرجح (بثقته) وورعه وفطنته وحسن اعتقاده فكل من زاد في صفة من هذه الصفات على خبر مقابله كأهل البيت عليهم السلام
وبكونه أشهر في هذه الصفة وإن لم يعلم رجحانه فيها لأن الرجحان سبب الشهرة غالباً وبكونه معتمداً على حفظه للحديث لا على نسخته وعلى ذكر سماعه لا على خط نفسه لاحتمال الاشتباه في النسخة والخط دون الحفظ والذكر
وبكونه مستمر العقل فإن خبر من مات كامل العقل أرجح من خبر من اختلط عقله في آخر عمره ولذا دونوا في المختلطين
(وظبطه) قيرجح رواية أكابر الصحابة على رواية أبي هريرة لظهور سهوه
__________
(1) ـ وأيضاً فإن المقصود من الشهادة فصل الخصومات فضبط بنصاب معين فاعتبار الكثرة فيها يقضي إلى نقض الغرض وتطويل الخصومات بخلاف الأمارة فإن المقصود منها الظن بالأحكام فكلما كان الظن أقوى كان بالاعتبار أولى من غير ضرورة إلى اعتبار ضبطه ذكره سعد الدِّين تمت منه(2/5)

101 / 108
ع
En
A+
A-