قلت وكان الأنسب ذكر هذه المسألة عقيب قوله ويتحرى الأكمل .إلخ فإنها من ذلك الباب وهذا في من يعقل كيفية التقليد
(و) أما (من لا يعقل التقليد) والاستفتاء من العوام (لفرط عاميته) بأن يكون صرفاً لا رشد له ولا اهتداء إلى معرفة شيء من الفروع ولا يستند فيها إلى قول مجتهد معين لا استفتاء ولا تقليداً وإنما يعقل جملة الإسلام (فالأقرب) أي أقرب المذاهب إلى الصواب (أنه يقر على ما لم يخرق الإجماع) من عبادة أو معاملة بأن يوافق اجتهاداً اعتد به لم ينعقد الإجماع قبله أو بعده إذ لو خرق الإجماع لم يصح منه ولا يقر عليه كما يقع من كثير من العوام من ترك الركوع في الصلاة رأساً فإن صلاته لا تصح لذلك (مما قد فعله معتقداً لجوازه وصحته) فحكمه في ذلك حكم المجتهد فيكون مذهباً لذلك العامي والتزاماً لمذهب من قال بصحته
(ويفتى فيما عدا ذلك) أي ما لم يكن فعله أو فعله معتقداً لفساده أو لااعتقاد له رأساً (بمذهب أهل جهته) وشيعته (ثم) إذا عدم العلماء في جهته فإنه يفتي بمذهب علماء (أقرب جهة إليها) أي إلى بلده .
ولما كان الأدلة الظنية قد تتعارض فلا يمكن إثبات الأحكام بها إلا بالترجيح وذلك إنما يمكن لمعرفة جهاته جعل لذلك باباً فقال :
(الباب العاشر)
أي من أبواب الكتاب (في) التعادل وهو لغة التساوي وشرعاً استواء الأمارتين عند المجتهد بحيث لا يثبت لإحداهما فضل على الأخرى وذلك جائز وواقع قطعاً واتفاقاً فيعمل فيما تعارضا فيه بغيرهما من شرع أو عقل عند أصحابنا وأكثر الفقهاء وفي (الترجيح)(1/496)
(هو) لغةً فضل في أحد جانبي المعادلة وجعل شيء فاضلاً زائداً ومنه قوله للوزان حين اشترى سراويل بدرهمين : (زن وارجح فإنا معشر الأنبياء هكذا نزن )(1)فمعنى ارجح زد عليه فضلاً قليلاً يكون تابعاً له ويطلق مجازاً على اعتقاد الرجحان
__________
(1) ـ لم نجده بلفظه فيما لدينا من مصادر من كتب أهل السنة ففي معجم الطبراني الأوسط عن أبي هريرة قال دخلت يوما السوق مع رسول الله فجلس إلى البزازين فاشترى سراويل بأربعة دراهم وكان لأهل السوق وزان قال فقال له رسول الله اتزن وأرجح فقال الوزان إن هذه الكلمة ما سمعتها من أحد قال ابو هريرة فقلت له كفى بك من الجفاء في دينك أن لا تعرف نبيك فطرح الميزان ووثب إلى يد النبي يقبلها فجذب رسول الله يده منه وقال هذا إنما يفعله الأعاجم بملوكها إنما أنا رجل منكم فزن وأرجح وأخذ رسول الله السراويل قال أبو هريرة فذهبت لأحمله عنه فقال صاحب الشيء أحق بشيئه ان يحمله إلا أن يكون ضعيفا يعجز عنه فيعينه أخوه المسلم قال قلت يارسول الله وإنك لتلبس اسروايل قال نعم وبالكيسل والنهار وفي السفر والحضر فإني أمرت بالتستر فلم أجد شيئا أستر منه لم يرو هذاالحديث عن أبي هريرة إلا الأغر ولا عن الأغر إلا عبدالرحمن بن زياد . وأخرجه أبو يعلى في مسنده 0(1/497)
وفي الاصطلاح (اقتران الأمارة) أي الدليل الظني في نظر المجتهد(1) (بما تقوى به) أي بشيءٍ زائد على ذاتها فلا يقال للنص زائد على القياس (على معارضتها) أي على أمارة أخرى معارضة لها بأن يقتضي كل منهما خلاف ما تقتضيه الأخرى إن أمكن الجمع بينهما ولو من وجه بأن تحتمل إحداهما تأويلاً يوافق الأخرى وجب وهو يكون بين آيتين كما في قوله تعالى ?لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ?[ البقرة (225)] وفي موضع آخر ?وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ?[المائدة89] فالأولى توجب المؤاخذة على الغموس لأنها من كسب القلوب أي القصد والثانية توجب عدم المؤاخذة عليها لأنها من اللغو والجمع بينهما بأن يقال المؤاخذة التي توجبها الآية الأولى على الغموس هي المؤاخذة في الآخرة والتي تنفيها الثانية هي المؤاخذة في الدنيا أي لا يؤاخذكم الله بالكفارة في اللغو ويؤاخذكم بها في المعقودة ثم فسر المؤاخذة بقوله ?فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ?[المائدة89] الآية فلما تغايرت المؤاخذة اندفع التعارض أو بين قرائتين في آية واحدة كقراءتي الجر والنصب في قوله تعالى ?وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ?[المائدة6] فإن الأولى تقتضى مسح الرجل والثانية تقتضي غسلها والجر محمول على الجوار وإن كان عطفاً على المغسول توفيقاً بين القرائتين كما في قولهم جحر ضب خرب وماء شن بارد وقول الفرزدق :
__________
(1) ـ إشارة إلى دفعه ما يتبادر من أن الترجيح فعل المجتهد والاقتران فعل الأمارتين وقد حُذ الأول بالأخير على جهة التجوز من إطلاق السبب وإرادة المسبب تمت منه(1/498)
فهل أنت إن ماتت أتانك راكب إلى آل بسطام بن قيس فخاطب
بجر خاطب على الجوار مع عطفه على راكب وعورض بأن النصب في الآية محمول على العطف على المحل جميعاً بين القرائتين كما في قوله : يذهبن في نجد وَغَوْراً غائراً (1)وهو إعراب شائع مستفيض مع ما فيه من اعتبار العطف على الأقرب وعدم وقوع الفصل بالأجنبي والوجه أنه في القراءتين معطوف على رؤوسكم إلا أن المراد بالمسخ في الرجل هو الغسل فيكون من قبيل المشاكلة كما في قوله : قلت اطبخوا لي جبة وقميصاً وفائدته التحذير عن الإسراف المنهي عنه إذ الأرجل مظنة الإسراف بصب الماء عليها فعطفت على الممسوح لا لتمسح بل للتنبيه على وجوب الاقتصاد كأنه قيل واغسلوا أرجلكم غسلاً خفيفاً شبيهاً بالمسح وإنما حمل على ذلك لما اشتهر من أن النبي وأصحابه كانوا يغسلون أرجلهم في الوضوء
__________
(1) ـ أورده الزمخشري في أساس البلاغة في باب الفاء في (فسق ) حيث قال :
قال رؤبة : ** يهوين في نجد وغورا ً غائراً **** فواسقاً عن قصدها وجائراً ** إهـ ولعله أصوب مما في الأصل تمت(1/499)
أو بين حديثين كحديث : (فيما سقت السماء العشر) (1) مع حديث (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) (2)فالأول شامل لما دون خمسة الأوساق وغيره فيحمل على غيره جمعاً بين الدليلين
__________
(1) ـ أخرجه البخاري في صحيحه وأخرجه مسلم في صحيحه و النسائي في سننه و ابن حبان في صحيحه و ابن خزيمة في صحيحه و الترمذي في سننه و ابن ماجه في سننه و أبو داو في سننه و ابن حنبل في مسنده و مالك في الموطأ و الحاكم في مستدركه و الطحاوي في شرح معاني الآثارو النسائي في سننه الكبرى و الطبراني في معجمه الصغير و الدارقطني في سننه و البيهقي في سننه الكبرى
(2) ـ أخرجه الترمذي في سننه وأخرجه مسلم في صحيحهو البخاري في صحيحه و النسائي في سننه و ابن حبان في صحيحه وابن خزيمة في صحيحه والترمذي في سننه و ابن ماجه في سننه و أبو داو في سننه و ابن حنبل في مسنده و مالك في الموطأ و الحاكم في مستدركه و الطحاوي في شرح معاني الآثار و الطيالسي في مسنده والحميدي في مسنده و الطبراني في معجمه الكبير و النسائي في سننه الكبرى و الطبراني في معجمه الصغيرو الدارقطني في سننه والبيهقي في سننه الكبرى(1/500)