فاذهب حميداً فكل ذي أجل ... يموت ناج منهم ومحتبل
من تعتلقه تفت به أبداً ... ومن نجا يومه فلا بئل
هذا آخر خبر أبي السرايا رحمه الله.
عبد الله بن جعفر بن إبراهيم
وعبد الله بن جعفر بن إبراهيم بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام وأمه آمنة بنت عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين.
وكان خرج أيام المأمون إلى فارس، فقتله قوم من الخوارج في طريقه.
علي بن موسى بن جعفر
والرضا علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ويكنى أبا الحسن وقيل: يكنى أبا بكر.
وأمه أم ولد.
قال أبو الفرج: حدثني الحسن بن علي الخفاف، قال: حدثنا عيسى بن مهران، قال: حدثنا أبو الصلت الهروي، قال: سألني المأمون يوماً عن مسألة فقلت: قال فيها أبو بكر كذا وكذا.
فقال: من هو أبو بكر؟ أبو بكرنا أو أبو بكر العامة.
قلت: أبو بكرنا.
قال عيسى: قلت لأبي الصلت: من أبو بكركم؟ فقال: علي بن موسى الرضا، كان يكنى بها، وأمه أم ولد.
كان المأمون عقد له على العهد من بعده، ثم دس إليه فيما ذكر بعد ذلك سماً فمات منه.
ذكر الخبر في ذلك أخبرني ببعضه علي بن الحسين بن علي بن حمزة، عن عمه محمد بن علي بن حمزة العلوي. وأخبرني بأشياء منه أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن العلوي، وجمعت أخبارهم: أن المأمون وجه إلى جماعة من آل أبي طالب فحملهم إليه من المدينة، وفيهم علي بن موسى الرضا، فأخذ بهم على طريق البصرة حتى جاءوه بهم، وكان المتولي لإشخاصهم المعروف بالجلودي من أهل خراسان، فقدم بهم على المأمون فأنزلهم داراً، وأنزل علي بن موسى الرضا داراً.
ووجه إلى الفضل بن سهل فأعلمه أنه يريد العقد له، وأمره بالاجتماع مع أخيه الحسن بن سهل على ذلك، ففعل واجتمعا بحضرته، فجعل الحسن يعظم ذلك عليه، ويعرفه ما في إخراج الأمر من أهله عليه.
فقال له: إني عاهدت الله أن أخرجها إلى أفضل آل أبي طالب إن ظفرت بالمخلوع، وما أعلم أحداً أفضل من هذا الرجل.
فاجتمعا معه على ما أراد، فأرسلهما إلى علي بن موسى فعرضا ذلك عليه فأبى، فلم يزالا به وهو يأبى ذلك ويمتنع منه، إلى أن قال له أحدهما: إن فعلت وإلا فعلنا بك وصنعنا، وتهدده، ثم قال له أحدهما: والله أمرني بضرب عنقك إذا خالفت ما يريد.
ثم دعا به المأمون فخاطبه في ذلك فامتنع، فقال له قولاً شبيهاً بالتهدد، ثم قال له: إن عمر جعل الشورى في ستة أحدهم جدك، وقال: من خالف فاضربوا عنقه، ولا بد من قبول ذلك.
فأجابه علي بن موسى إلى ما التمس.
ثم جلس المأمون في يوم الخميس، وخرج الفضل بن سهل فأعلم الناس برأي المأمون في علي بن موسى، وأنه ولاه عهده، وسماه الرضا. وأمرهم بلبس الخضرة، والعود لبيعته في الخميس الآخر على أن يأخذوا رزق سنة.
فلما كان ذلك اليوم ركب الناس من القواد والقضاة وغيرهم من الناس في الخضرة، وجلس المأمون ووضع للرضا وسادتين عظيمتين حتى لحق لمجلسه وفرشه. وأجلس الرضا فبايع له أول الناس، فرفع الرضا يده فتلقى بظهرها وجه نفسه وببطنها وجوههم.
فقال له المأمون: ابسط يدك للبيعة. فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا كان يبايع، فبايعه الناس، ووضعت البدر، وقامت الخطباء والشعراء، فجعلوا يذكرون فضل علي بن موسى وما كان من المأمون في أمره.
ثم دعا أبو عباد بالعباس بن المأمون، فوثب، فدنا من أبيه فقبل يده وأمره بالجلوس.
ثم نودي محمد بن جعفر بن محمد، فقال له الفضل بن سهل: قم. فقام، فمشى حتى قرب من المأمون ولم يقبل يده، ثم مضى فأخذ جائزته وناداه المأمون: ارجع يا أبا جعفر إلى مجلسك، فرجع.
ثم جعل أبو عباد يدعو بعلوي وعباسي فيقبضان جوائزهما حتى نفذت الأموال.
ثم قال المأمون للرضا: قم فاخطب الناس وتكلم فيهم.
فقال بعد حمد الله والثناء عليه: إن لنا عليكم حقاً برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكم علينا حق به، فإذا أديتم إلينا ذلك وجب علينا الحق لكم.
ولم يذكر عنه غير هذا في ذلك المجلس.
وأمر المأمون فضربت له الدراهم وطبع عليها اسمه.(1/146)


وزوج إسحاق بن موسى بن جعفر بنت عمه إسحاق بن جعفر بن محمد، وأمره أن يحج بالناس، وخطب للرضا في كل بلد بولاية العهد.
فحدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن العلوي، قال: حدثني من سمع عبد الجبار بن سعيد يخطب تلك السنة على منبر رسول الله بالمدينة فقال في الدعاء له: اللهم وأصلح ولي عهد المسلمين، علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، عليهم السلام:
ستة آباءٍ هم ما هم ... هم خير من يشرب صوب الغمام
حدثني الحسن بن الطبيب البلخي، قال: حدثني محمد بن أبي عمر العدني، قال: سمعت عبد الجبار يخطب، فذكر مثله.
رجع الحديث إلى نظام خبر علي بن موسى.
قال: وزوج المأمون ابنته أم الفضل محمد بن علي بن موسى على حلكة لونه وسواده، ونقلها إليه فلم تزل عنده.
واعتل الرضا علته التي مات فيها، وكان قبل ذلك يذكر ابني سهل عند المأمون فيزري عليهما، وينهى المأمون عنهما، ويذكر له مساوئهما.
ورآه يوماً يتوضأ والغلام يصب على يده الماء فقال: يا أمير المؤمنين، لا تشرك بعبادة ربك أحداً.
فجعل المأمون يدخل إليه، فلما ثقل تعالل المأمون وأظهر أنهما أكلا عنده جميعاً طعاماً ضاراً فمرضا، ولم يزل الرضا عليلاً حتى مات.
واختلف في أمر وفاته، وكيف كان سبب السم الذي سقيه.
فذكر محمد بن علي بن حمزة أن منصور بن بشير ذكر عن أخيه عبد الله بن بشير: أن المأمون أمره أن يطول أظفاره ففعل، ثم أخرج إليه شيئاً يشبه التمر الهندي، وقال له: افركه واعجنه بيديك جميعاً، ففعل.
ثم دخل على الرضا فقال له: ما خبرك؟ قال: أرجو أن أكون صالحاً.
فقال له: هل جاءك أحد من المترفقين اليوم؟.
قال: لا، فغضب وصاح على غلمانه، وقال له: فخذ ماء الرمان اليوم فإنه ما لا يستغنى عنه. ثم دعا فأعطاه عبد الله بن بشير وقال له: اعصر ماءه بيدك، ففعل وسقاه المأمون الرضا بيده فشربه، فكان ذلك سبب وفاته، ولم يلبث إلا يومين حتى مات.
قال محمد بن علي بن حمزة، ويحيى: فبلغني عن أبي الصلت الهروي: أنه دخل على الرضا بعد ذلك فقال له: يا أبا الصلت قد فعلوها: " أي قد سقوني السم " . وجعل يوحد الله ويمجده.
قال محمد بن علي: وسمعت محمد بن الجهم يقول: إن الرضا كان يعجبه العنب، فأخذ له عنب وجعل في موضع أقماعه الإبر، فتركت أياماً فأكل منه في علته فقتله، وذكر أن ذلك من لطيف السموم.
ولما توفي الرضا لم يظهر المأمون موته في وقته، وتركه يوماً وليلة، ثم وجه إلى محمد بن جعفر بن محمد، وجماعة من آل أبي طالب. فلما أحضرهم وأراهم إياه صحيح الجسد لا أثر به، ثم بكى وقال: عز علي يا أخي أن أراك في هذه الحالة، وقد كنت أؤمل أن أقدم قبلك، فأبى الله إلا ما أراد. وأظهر جزعاً شديداً وحزناً كثيراً.
وخرج مع جنازته يحملها حتى أتى الموضع الذي هو مدفون فيه الآن، فدفنه هناك إلى جانب هارون الرشيد.
وقال أشجع بن عمرو السلمي يرثيه، هكذا أنشدنيها علي بن الحسين بن علي بن حمزة، عن عمه، وذكر أنها لما شاعت غير أشجع ألفاظها فجعلها في الرشيد:
يا صاحب العيسى يحدي في أزمتها ... اسمع وأسمع غداً يا صاحب العيس
اقرأ السلام على قبر بطوس ولا ... تقرأ السلام ولا النعمى على طوس
فقد أصاب قلوب المسلمين بها ... روع وأفرخ فيها روع ابليس
وأخلست واحد الدنيا وسيدها ... فأي مختلس منا ومخلوس
ولو بدا الموت حتى يستدير به ... لاقى وجوه رجال دونه شوس
بؤساً لطوس فما كانت منازله ... مما تخوفه الأيام بالبوس
معرس حيث لا تعريس ملتبس ... يا طول ذلك من نأى وتعريس
إن المنايا أنالته مخالبها ... ودونه عسكر جم الكراديس
أوفى عليه الردى في خيس أشبله ... والموت يلقى أبا الأشبال في الخيس
ما زال مقتبساً من نور والده ... إلى النبي ضياء غير مقبوس
في منبت نهضت فيه فروعهم ... بباسق في بطاح الملك مغروس
والفرع لا يرتقي إلا على ثقة ... من القواعد والدنيا بتأسيس(1/147)


لا يوم أولى بتخريق الجيوب ولا ... لطم الخدود ولا جدع المعاطيس
من يوم طوس الذي نادت بروعته ... لنا النعاة وأفواه القراطيس
حقاً بأن الرضا أودى الزمان به ... ما يطلب الموت إلا كل منفوس
ذا اللحظتين وذا اليومين مفترش ... رمساً كآخر في يومين مرموس
بمطلع الشمس وافته منيته ... ما كان يوم الردى عنه بمحبوس
يا نازلاً جدثاً في غير منزله ... ويا فريسة يوم غير مفروس
لبست ثوب البلى أعزز علي به ... لبساً جديداً وثوباً غير ملبوس
صلى عليك الذي قد كنت تعبده ... تحت الهواجر في تلك الأماليس
لولا مناقضة الدنيا محاسنها ... لما تقايسها أهل المقاييس
أحللك الله داراً غير زائلة ... في منزل برسول الله مأنوس
قال أبو الفرج: هذه القصيدة ذكر محمد بن علي بن حمزة أنها في علي بن موسى الرضا.
قال أبو الفرج: وأنشدني علي بن سليمان الأخفش لدعبل بن علي الخزاعي يذكر الرضا والسم الذي سقيه، ويرثي ابناً له، وينعى على الخلفاء من بني العباس:
على الكره ما فارقت أحمد وانطوى ... عليه بناء جندل ورزين
وأسكنته بيتاً خسيساً متاعه ... وإني على رغمي به لضنين
ولولا التأسي بالنبي وأهله ... لأسبل من عيني عليه شؤون
هو النفس إلا أن آل محمد ... لهم دون نفسي في الفؤاد كمين
أضر بهم إرث النبي فأصبحوا ... يساهم فيه ميتة ومنون
دعتهم ذئاب من أمية وانتحت ... عليهم دراكاً أزمة وسنون
وعاثت بنو العباس في الدين عيثة ... تحكم فيه ظالم وظنين
وسموا رشيداً ليس فيهم لرشده ... وها ذاك مأمون وذاك أمين
فما قبلت بالرشيد منهم رعاية ... ولا لولي بالأمانة دين
رشيدهم غاو وطفلاه بعده ... لهذا رزايا دون ذاك مجون
ألا أيها القبر الغريب محله ... بطوس عليك الساريات هتون
شككت فما أدري أمسقى بشربة ... فأبكيك أم ريب الردى فيهون؟
وأيهما ما قلت إن قلت شربة ... وإن قلت موت إنه لقمين
أيا عجباً منهم يسمونك الرضا ... ويلقاك منهم كلحة وغضون
أتعجب للأجلاف أن يتخيفوا ... معالم دين الله وهو مبين
لقد سبقت فيهم بفضلك آية ... لدي ولكن ما هناك يقين
هذا آخر خبر علي بن موسى الرضا.
أخبرنا أبو الفرج قال: حدثنا الحسن بن علي الخفاف، قال: حدثنا أبو الصلت الهروي، قال: دخل المأمون إلى الرضا يعوده فوجده يجود بنفسه فبكى وقال: أعزز علي يا أخي بأن أعيش ليومك، وقد كان في بقائك أمل، وأغلظ علي من ذلك وأشد أن الناس يقولون: إني سقيتك سماً، وأنا إلى الله من ذلك بريء.
فقال له الرضا: صدقت يا أمير المؤمنين، أنت والله بريء.
ثم خرج المأمون من عنده، ومات الرضا، فحضره المأمون قبل أن يحفر قبره وأمر أن يحفر إلى جانب أبيه، ثم أقبل علينا فقال: حدثني صاحب هذا النعش أنه يحفر له قبر فيظهر فيه ماء وسمك، احفروا فلما انتهوا إلى اللحد نبع ماء وظهر فيه سمك، ثم غاض الماء، فدفن فيه الرضا عليه السلام.
محمد بن عبد الله بن الحسن
ومحمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ويكنى أبا جعفر. وهو ابن الأفطس الذي ذكرنا خبر قتل أبيه في أيام الرشيد.
وأمه زينب بنت موسى بن عمر بن علي بن الحسين.
أخبرنا علي بن الحسن بن علي بن حمزة العلوي، قال: أخبرني عمي محمد بن علي قال: أخبرني إبراهيم بن أبي محمد البريدي، قال:(1/148)


كنا عند المعتصم وهو ولي عهد في أيام المأمون، فأخذ عمود حديد ثقيل فشاله ثم قصر به ثماني قصرات، ثم طرحه من يده إلى العباس بن علي بن ريطة فقصر به، سبعاً، ثم طرحه وفيه فضل، فالتفت المعتصم إلى محمد بن عبد الله بن الأفطس فقال له: أما أنتم يا أبا جعفر فليس عندكم من هذا شيء.
فقال له: إلي تقول هذا؟ هاته، فطرحه إليه، فقال هاها وهو يجيله ويقلبه حتى قصر به ست عشرة مرة، ووجه المعتصم يتغير صفرة وحمرة.
وكان قد كلم المأمون في أمره فقلد البصرة، فلما طرحه من يده قال له: ودعني وأخرج إلى عملك، ففعل، فلما خرج من عنده أتبعه بشربة مسمومة وقال له: أحب أن تشرب هذا الشراب فإني ذكرتك وأحببت أن تشربه وقت وصوله، فشربه فمات من وقته.
ذكر أيام المعتصم ومن ظهر فيها
محمد بن القاسم بن علي
ومحمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وأمه صفية بنت موسى بن عمر بن علي بن الحسين.
ويكنى أبا جعفر.
وكانت العامة تلقبه الصوفي؛ لأنه كان يدمن لبس الثياب من الصوف الأبيض.
وكان من أهل العلم والفقه والدين والزهد وحسن المذهب.
وكان يذهب إلى القول بالعدل والتوحيد، ويرى رأي الزيدية الجارودية. خرج في أيام المعتصم بالطالقان، فأخذه عبد الله بن طاهر، ووجه به إلى المعتصم، بعد وقائع كانت بينه وبينه.
أخبرني بخبره أحمد بن عبيد الله بن عمار، عن محمد بن الأزهر، ونسخت شيئاً من أخباره من كتاب أحمد بن الحارث الخراز، وحدثني بخبره مشروحاً جعفر بن أحمد بن أبي مندل الوراق الكوفي، قال: حدثني عبيد الله بن حمدون؛ قال: حدثني إبراهيم بن عبد الله العطار، وكان مع أبي جعفر محمد بن القاسم بالطالقان. وفي أحوال تنقله بخراسان، قال: نزل بمرو، وكنا معه من الكوفيين بضعة عشر رجلاً، وكان قبل ذلك قد خرج إلى ناحية الرقة وإلى ناحية الزور، ومعه جماعة من وجوه الزيدية، منهم: يحيى بن الحسن بن الفرات الفراز، وعباد بن يعقوب الرواجني، فسمعوه يتكلم مع أحدهم بشيء من مذهب المعتزلة فتفرق الكوفيون جميعاً عنه، وبقينا معه بضعة عشر رجلاً، فتفرقنا في الناس ندعوهم إليه، فلم نلبث إلا يسيراً حتى استجاب له أربعون ألفاً، وأخذناعليهم البيعة، وكنا أنزلناه في رستاق من رساتيق مرو، وأهله شيعة كلهم، فأحلوه في قلعة لا يبلغها الطير، في جبل حريز فلما اجتمع أمره وعدهم لليلة بعينها، فاجتمعوا إليه ونزل من القلعة إليهم، فبينا نحن عنده إذ سمع بكاء رجل واستغاثته، فقال لي: يا إبراهيم قم فانظر ما هذا البكاء. فأتيت الموضع فوقفت فيه فاستقربت البكاء حتى انتهيت إلى رجل حائك، قد أخذ منه رجل من أصحابنا ممن بايعنا لبداً، وهو متعلق به، فقلت: ما هذا وما شأنك؟.
فقال: أخذ صاحبكم هذا لبدي.
فقلت: اردد عليه لبده فقد سمع أبو جعفر بكاءه.
فقال لي الرجل: إنما خرجنا معكم لنكتسب وننتفع ونأخذ ما نحتاج إليه، فلم أزل أرفق به حتى أخذت منه اللبد ورددته على صاحبه، ورجعت إلى محمد بن القاسم فأخبرته بخبره وأني قد انتزعت منه اللبد ورددته على صاحبه، فقال: يا إبراهيم، أبمثل هذا يصر دين الله؟ ثم قال لنا: فرقوا الناس عني حتى أرى رأي.
فخرجنا إلى الناس فقلنا لهم: إن صورة الأمر قد أوجبت أن تتفرقوا في هذا الوقت، فتفرقوا.
ورحل محمد بن القاسم من وقته إلى الطالقان، وبينها وبين مرو أربعون فرسخاً، فنزلها، وتفرقنا ندعو الناس فاجتمع عليه عالم، وجئنا إليه فقلنا له: إن أتممت على أمرك، وخرجت فنابذت القوم رجونا أن ينصرك الله، فإذا ظفرت اخترت حينئذٍ من ترضاه من جندك، وإن فعلت كما فعلت بمرو، أخذ عبد الله بن طاهر بعقبك، فأصلح من إسلامك إيانا ونفسك إليه، أن تجلس في بيتك ويسعك ما يسع سائر أهل بيتك. فأتم عزمه وخرج في الناس.(1/149)


وبلغ خبره عبد الله بن طاهر فوجه إليه رجلاً يقال له: الحسين بن نوح، وكان صاحب شرطته، فلقيناه فهزمناه هزيمة قبيحة، ولما اتصل خبره بعبد الله قامت قيامته فجرد قائداً من أصحابه يقال له نوح بن حبان بن جبلة، أو قال حبان بن نوح بن جبلة، فلقيناه فهزمناه أقبح من هزيمتنا للحسين بن نوح، وانحاز إلى بعض النواحي ولم يرجع إلى عبد الله بن طاهر، وكتب إليه يعتذر ويحلف أنه لا يرجع إلا أن يظفر أو يقتل. فأمده عبد الله بن طاهر بجيش آخر ضخم، فسار إليه ممهلاً ونازله، وكمن لنا كمناء في عدة مواضع، فلما التقينا قاتلنا ساعة ثم انهزم متطارداً لنا فاتبعه أصحابنا، فلما تفرقنا في طلبه خرجت الكمناء على أصحابنا من كل وجه فانهزمنا، وأفلت محمد بن القاسم وصار إلى نسا مستتراً، وثبتنا في النواحي ندعو إليه.
وقال أبو الأزهر في خبره: حدثني علي بن محمد الأزدي، قال: حدثني إبراهيم بن غسان بن الفرج العودي، صاحب عبد الله بن طاهر، قال: دعاني الأمير عبد الله بن طاهر يوماً فدخلت عليه فوجدته قاعداً وإلى جانبه كرسي عليه كتاب مختوم غير معنون، ويده في لحيته يخللها، وكان ذلك من فعله دليلاً على غضبه، فتعوذت بالله من شره، ودنوت إليه فقال لي: يا إبراهيم، احذر أن تخالف أمري فتسلطني على نفسك فلا أبقي لك باقية.
قلت: أعوذ بالله أن أحتاج في طاعتك إلى هذا الوعيد، وأن أتعرض لسخطك.
قال: قد جردت لك ألف فارس من نخبة عسكري، وأمرت أن يحمل معك مائة ألف درهم تصرفها فيما تحتاج إلى صرفها فيه من أمورك، فاضرب الساعة بالطبل والبوق فإنهم يتبعونك، فاخرج واركض، وخذ من خاص خيلي ثلاثة أفراس تجنب معك تنتقل عليها، وخذ بين يديك دليلاً قد رسمته لصحبتك، فادفع إليه من المال ألف درهم، واحمله على فرس من الثلاثة فليركض بين يديك، فإذا صرت على فرسخ واحد من نسا، فافضض الكتاب واقرأه، واعمل بما فيه، ولا تغادر منه حرفاً، ولا تخالف مما رسمته شيئاً، واعلم أن لي عيناً في جملة من صحبك يخبرني بأنفاسك، فاحذر ثم احذر، ثم احذر وأنت أعلم.
قال إبراهيم بن غسان: فخرجت وضربت بالطبل ووافاني الفرسان جميعاً بشادياج وهو موضع قصور آل طاهر، وعبد الله يشرف من شرف علينا، فعبأت أصحابي ودفعت فرسي أركضه، ويتبعوني نسير خبباً حيناً وتقريباً حيناً حتى صرنا في اليوم الثالث إلى نسا، على فرسخ منها ففضضت الكتاب فقرأته فإذا فيه: سر على بركة الله وعونه، فإذا كنت على فرسخ فعبئ أصحابك تعبئة الحرب، وادخل نسا، وأنفذ قائداً من قوادك في ثلثمائة يأخذ على أصحاب البريد داره فيحدق بها هو وأصحابه، وأنفذ قائداً في خمسمائة فارس إلى باب عاملها، تحرزاً من وقوع حيلة ببيعة وقعت في أعناقهم لمحمد بن القاسم، وسر في باقي أصحابك إلى محلة كذا وكذا، ودرب كذا وكذا، دار فلان بن فلان، وادخل الدار الأولى، ثم أنفذ فيها إلى دار ثانية، فإذا دخلتها فانفذ منها إلى دار ثالثة، فإذا دخلتها فارق على درجة فيها على يمينك، فإنك تصير إلى غرفة فيها محمد بن القاسم العلوي الصوفي، ومعه رجل من أصحابه يقال له: أبو تراب، فاستوثق منهما بالحديد استيثاقاً شديداً، وأنفذ إلي خاتمك مع خاتم محمد بن القاسم، لأعلم ظفرك به قبل كتابك، وأنفذ الخاتمين مع الرسول، ومره فليركض بهما ركضاً حتى يصير إلي في اليوم الثالث إن شاء الله، ثم اكتب إلي بعد ذلك بشرح خبرك، وكن على غاية التحرز والتحفظ والتيقظ في أمره حتى تصير به وصاحبه إلى حضرتي.
قال إبراهيم: فما رأيت خبراً كان كأنه وحي مثله، فصرت إلى الموضع فامتثلت أمره، فوجدت محمداً على رأس الدرجة، متلثماً بعمامة وقد شد له على بغل أسفل الدرجة، وهو يريد الرحيل إلى خوارزم، فقبضت عليه، فقال: ما شأنك ومن تريد؟.
قلت: محمد بن القاسم.
قال: فأنا محمد بن القاسم.(1/150)

30 / 36
ع
En
A+
A-