ومضى أبو السرايا من فوره بالليل، ولا يعلم هرثمة، وكان جسر صرصر مقطوعاً بينهما، يريد المدائن فوجد أصحابه وقد أخرجوا عنها واستولى عليها المسودة فكانت بينهم مناوشة، وقتل غلامه أبو الهرماس أصابه حجر عراده، فدفنه بها ومضى نحو القصر، فلما صار بالرحب صار هرثمة إليه فلحقه هناك فقاتله قتالاً شديداً، فهزم أبو السرايا، وقتل أخوه، ومضى لوجهه حتى نزل الجازية، وأبتعه هرثمة، واجتمع رأيه على سد الفرات عليهم ومنعهم الماء، وصبه في الآجام والمغايض التي في شرقي الكوفة، ففعل ذلك، وانقطع الماء من الفرات، فتعاظم ذلك الكوفيون. وسقط في أيديهم، وأزمعوا معالجة هرثمة ومنازلته، فبينا هم كذلك: إذ فتق السكر الذي سكروه، وأقبل الماء تحت الخشب، وكبروا وحمدوا الله كثيراً، وسروا بما وهب الله لهم من الكفاية.
ثم إن هرثمة نهد إلى الكوفة مما يلي الرصافة.
وخرج أبو السرايا إليه في الناس فعبأهم، وجعل على الميمنة الحسن بن الهذيل. وعلى الميسرة جرير بن الحصين، ووقف هو في القلب.
وعبأ هرثمة خيلاً نحو البر، فبعث أبو السرايا عدتهم يسيرون بإزائهم لئلا يكونوا كميناً.
ثم إن أبا السرايا حمل حملة فيمن معه، فانهزم أصحاب هرثمة هزيمة رقيقة، ثم عطفوا وجوه دوابهم فنادى أبو السرايا: لا تتبعوهم فإنها خديعة ومكر، فوقفوا وتبعهم أبو كتلة فأبعد، ثم رجع وأعلم أبا السرايا أنهم قد عبروا الفرات، فرجع بالناس إلى الكوفة ثم خرج يوم الاثنين لتسع خلون من ذي القعدة وخرج الناس معه. وقد كان جاسوسه أخبره أن هرثمة يريد مواقعته في ذلك اليوم، فعبأ الناس مما يلي الرصافة، ومضى هو تحت القنطرة، فلم يبعد حتى أقبلت خيل هرثمة، فرجع أبو السرايا كالجمل الهائج يكاد الغضب أن يلقيه عن سرجه إلى الناس فقال: سووا عسكركم، واجمعوا أمركم، وأقيموا صفوفكم. وأقبل هرثمة فاقتتلوا قتالاً شديداً لم يسمع بمثله.
ونظر أبو السرايا إلى روح بن الحجاج قد رجع فقال: والله لئن رجعت لأضربن عنقك، فرجع يقاتل حتى قتل.
وقتل يومئذ الحسن بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين.
وقتل أبو كتلة غلام أبي السرايا.
واشتدت الحرب، وكشف أبو السرايا رأسه وجعل يقول: أيها الناس، صبر ساعة، وثبات قليل، فقد - والله - فشل القوم، ولم يبق إلا هزيمتهم.
ثم حمل، وخرج إليه قائد من قواد هرثمة وعليه الدرع والمغفر، فتناوشا ساعة، ثم ضربه أبو السرايا ضربة على بيضته فقده، حتى خالط سيفه قربوس سرجه.
وانهزمت المسودة هزيمة قبيحة، وتبعهم أهل الكوفة يقتلونهم حتى بلغوا صعنباً فنادى أبو السرايا: يا أهل الكوفة أحذروا كرهم بعد الفرة، فإن العجم قوم دهاة، فلم يصغوا إلى قوله وتبعوهم.
وكان هرثمة قد أسر في ذلك الوقت، ولم يعلم أبو السرايا، أسره عبد سندي، وقبل ذلك خلف في عسكره زهاء خمسة آلاف فارس يكونون ردءاً له إن انهزم أصحابه، وخلف عليهم عبيد الله بن الوضاح، فلما وقعت الهزيمة ونادى أبو السرايا: لا تتبعوهم، كشف عبيد الله بن الوضاح رأسه، وأصحابه يقولون: قتل الأمير، قتل الأمير فناداهم: فماذا يكون إذا قتل الأمير؟ يا أهل خراسان إلي أنا عبد الله بن الوضاح، اثبتوا، فوالله ما القوم إلا غوغاء ورعاع، فثابت إليه طائفة، وحمل على أهل الكوفة فقتل منهم مقتلة عظيمة، وتبعوهم حتى جاوزوا صعنباً، ووجدوا هرثمة أسيراً في يد عبد أسود، فقتلوا العبد، وحلوا وثاق هرثمة، وعاد إلى معسكره ولم تزل الحرب مدة متراخية في كل يوم أو يومين تكون سجالاً بينهم.
ثم إن أبا السرايا بعث علي بن محمد بن جعفر المعروف بالبصري في خيل، وأمره أن يأتي هرثمة من ورائه، فمضى لوجهه ولم يشعر هرثمة حتى قرب منه، وحمل أبو السرايا عليه فصاح هرثمة: يا أهل الكوفة علام تسفكون دماءنا ودماءكم؟ إن كان قتالكم إيانا كراهية لإمامنا فهذا المنصور بن المهدي رضي لنا ولكم نبايعه، وإن أحببتم إخراج الأمر من ولد العباس فانصبوا إمامكم، واتفقوا معنا ليوم الاثنين نتناظر فيه، ولا تقتلونا وأنفسكم.(1/141)


فأمسك أهل الكوفة عن الحملة، وناداهم أبو السرايا: ويحكم إن هذه حيلة من هؤلاء الأعاجم، وإنما أيقنوا بالهلاك فاحملوا عليهم، فامتنعوا وقالوا: لا يحل لنا قتالهم وقد أجابوا. فغضب أبو السرايا وانصرف معهم، وقد أراد قبل ذلك إجابة هرثمة وأن يمضي إليه مع محمد بن محمد بن زيد فيستأمن، ثم خشي الغدر به.
فلما كان يوم الجمعة خطب أهل الكوفة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أهل الكوفة، يا قتلة علي، ويا خذلة الحسين، إن المعتز بكم لمغرور، وإن المعتمد على نصركم لمخذول، وإن الذليل لمن أعززتموه، والله ما حمد علي أمركم فنحمده، ولا رضي مذهبكم فنرضى به، ولقد حكمكم فحكمتم عليه، وائتمنكم فخنتم أمانته ووثق بكم فحلتم عن ثقته، ثم لم تنفكوا عليه مختلفين، ولطاعته ناكثين، إن قام قعدتم، وإن تقدم تأخرتم، وإن تأخر تقدمتم، خلافاً عليه وعصياناً لأمره، حتى سبقت فيكم دعوته، وخذلكم الله بخذلانكم إياه، أي عذر لكم في الهرب عن عدوكم، والنكول عمن لقيتم وقد عبروا خندقكم؟ وعلوا قبائلكم؟ ينتهبون أموالكم ويستحيون حريمكم، هيهات لا عذر لكم إلا العجز والمهانة، والرضا بالصغار والذلة، إنما أنتم كفئ الظل، تهزمكم الطبول بأصواتها، ويكلاً قلوبكم الحرق بسوادها، أما والله لأستبدلن بكم قوماً يعرفون الله حق معرفته، ويحفظون محمداً في عترته. ثم قال:
ومارست أقطار البلاد فلم أجد ... لكم شبيهاً فيما وطئت من الأرض
خلافاً وجهلاً وانتشار عزيمةٍ ... ووهناً وعجزاً في الشدائد والخفض
لقد سبقت فيكم إلى الحشر دعوة ... فلا عنكم راضٍ ولا فيكم مرضي
سأبعد داري من قلى عن دياركم ... فذوقوا إذا وليت عاقبة البغض
فقامت إليه جماعة من أهل الكوفة فقالوا: ما أنصفتنا في قولك، ما أقدمت وأحجمنا، ولا كررت وفررنا، ولا وفيت وغدرنا، ولقد صبرنا تحت ركابك، وثبتنا مع لوائك، حتى أفنتنا الوقائع، واجتاحتنا، وما بعد فعلنا غاية إلا الموت، فامدد يدك نبايعك على الموت، فوالله لا نرجع حتى يفتح الله علينا أو يقضي قضاءه فينا.
فأعرض عنهم، ونادى في الناس بالخروج لحفر الخندق، فخرجوا فحفروا وأبو السرايا يحفر معهم عامة النهار، فلما كان الليل خرج الناس من الخندق وأقام إلى الثلث الأول من الليل، ثم عبأ بغاله واسرج خيله، وارتحل هو ومحمد بن محمد بن زيد، ونفر من العلويين والأعراب، وقوم من أهل الكوفة، وذلك في ليلة يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة مضت من المحرم فأقام بالقادسية ثلاثاً حتى تتام أصحابه، ثم مضى على خفان وأسفل الفرات حتى صار على طريق البر.
ووثب بالكوفة أشعث بن عبد الرحمن الأشعثي فدعا إلى هرثمة.
وخرج أشراف أهل الكوفة إلى هرثمة فسألوه الأمان للناس فأجابهم إلى ذلك وتألفهم.
ودخل المنصور بن المهدي الكوفة، وأقام هرثمة خارجها، وفرق عسكره حوالي خندقها وأبوابها خوفاً من حيلة، وخطب المنصور بن المهدي بالناس فصلى بهم.
وولى هرثمة غسان بن الفرج الكوفة وأقام هو أياماً بظهر البلد، حتى أمن الناس وهدأت قلوبهم من وحشة الحرب، ثم ارتحل إلى بغداد.
قالوا: ومضى أبو السرايا يريد البصرة، فلقيه أعرابي من أهل البلد، فسأله عن الخبر وأعلمه غلبة السلطان عليه وإخراج عماله عنه، وأن المسودة في خلق كثير لا يمكنه مقاومتهم منها، فعدل عنها وأراد المسير نحو واسط فأعلمه الرجل أن صورة أمرها مثل ما ذكره له عن البصرة، فقال له: فأين ترى؟.
قال: أرى أن تعبر دجلة فتكون بين جوفي والجبل، فيجتمع معك أكرادهم ويلحق بك من أراد صحبتك من أعراب السواد وأكراده، ومن رأى رأيك من أهل الأمصار والطساسيج فقبل أبو السرايا مشورته، وسلك ذلك الطريق، فجعل لا يمر بناحية إلا جبى خراجها وباع غلاتها.
ثم عمد إلى الأهواز حتى صار إلى السوس، فأغلقوا الباب دونه، فنادى: افتحوا الباب، ففتحوا له فدخلها. وكان على كوز الأهواز الحسن بن علي المأموني فوجه إلى أبي السرايا يعلمه كراهيته لقتاله ويسأله الانصراف عنه إلى حيث أحب، فلم يقبل ذلك، وأبى إلا قتاله، فخرج إليه المأموني فقاتله قتالاً شديداً.(1/142)


وثبتت الزيدية تحت ركاب محمد بن محمد بن زيد، وثبت العلويون معه فقتلت منهم عدة، وخرج أهل السوس فأتوهم من خلفهم، فخرج غلام أبي السرايا ليقاتلهم فظن القوم أنها هزيمة فانهزموا، وجعل أصحاب المأموني يقتلونهم، حتى أجنهم الليل فتفرقوا وتقطعت داوبهم. ومضى أبو السرايا حتى أخذ على طريق خراسان، فنزل قرية يقال لها: برقاناً. وبلغ حماد الكندغوش خبرهم، وكان يتقلد تلك الناحية، فوجه إليهم خيلاً، ثم ركب بنفسه حتى لقيهم وآمنهم على أن ينفذ بهم إلى الحسن بن سهل فقبلوا ذلك منه، وأعطى الذي أعلمه خبرهم عشرة آلاف درهم، وحملهم إلى الحسن بن سهل.
وبادر محمد بن محمد بكتاب إلى الحسن بن سهل، يسأله أن يؤمنه على نفسه ويستعطفه، فقال الحسن بن سهل: لا بد من ضرب عنقك. فقال له بعض من كان يستنصحه: لا تفعل أيها الأمير، فإن الرشيد لما نقم على البرامكة احتج عليهم بقتل ابن الأفطس، وهو عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن علي بن الحسين بن علي فقتلهم به، ولكنه احمله إلى أمير المؤمنين، فعمل ذلك وحلف أن يقتل أبا السرايا.
فلما أتته بهم الرسل وهو نازل بالمدائن معسكراً قال لأبي السرايا: من أنت؟.
قال: السري بن المنصور.
قال: لا بل أنت النذل ابن النذل، المخذول ابن المخذول، قم يا هارون بن أبي خالد فاضرب عنقه بأخيك عبدوس بن عبد الصمد، فقام إليه فقدمه فضرب عنقه.
ثم أمر برأسه فصلب في الجانب الشرقي، وصلب بدنه في الجانب الغربي.
وقتل غلامه أبا الشوك وصلب معه.
وحمل محمد بن محمد إلى خراسان، فأقيم بين يدي المأمون وهو جالس في مستشرف له، ثم صاح الفضل بن سهل اكشفوا رأسه فكشف رأسه فجعل المأمون يتعجب من حداثة سنه، ثم أمر له بدار فأسكنها، وجعل له فيه فرشاً وخدماً، فكان فيها على سبيل الاعتقال والتوكيل، وأقام على ذلك مدة يسيرة يقال: إن مقدارها أربعون يوماً، ثم دست إليه شربة فكان يختلف كبده وحشوته، حتى مات.
حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: قال يحيى بن الحسن: حدثني محمد بن جعفر: أن محمد بن محمد سقى السم بمرو، وتوفي بها وكان يختلف حتى اختلف كبده.
قال: ونظر في الدواوين فوجد من قتل من أصحاب السلطان في وقائع أبي السرايا مائتا ألف رجل.
ذكر من خرج معه وبايعه حدثني محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدثني أبي، قال: خرج مع أبي السرايا أكثر أهل الكوفة إلا من لا فضل فيه ولا غناء، فإنما عد من تخلف عنه، ثم ذكر لي أن مبلغهم كان زهاء مائتي ألف وأكثر، فقلت لمحمد بن الحسين: إن أحمد بن عبيد الله بن عمار روى لنا، عن محمد بن داود بن الجراح، عن محمد بن أبي خيثمة، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: رأيت أبا بكر وعثمان ابني شيبة وقد خرجا مع أبي السرايا وعلى أحدهما عمامة صفراء والآخر حمراء، وقالا: يتأسى بنا الناس. فقال: لم يكونا في ذلك الوقت بهذا المحل، وقد بايع لمحمد بن إبراهيم الأكابر ممن حدث عنه ابنا أبي شيبة مثل يحيى بن آدم فإنه بايعه فجعل محمد يشترط عليه ويحيى يقول: ما استطعت ما استطعت، ويقول له محمد: هذا قد استثناه لك القرآن إن الله تعالى يقول: " فاتقوا الله ما استطعتم " .
ثم حدثني الأشناني، عن أحمد بن حازم الغفاري، أن مخول بن إبراهيم خرج معه أيضاً، وذكر جماعة منهم عاصم بن عامر، وعامر بن كثير السراج، وأبو نعيم الفضل بن دكين وعبد ربه بن علقمة، ويحيى بن الحسن بن الفرات الفزار، ونظراء هؤلاء.
حدثني أبو أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن المنصور، قال: حدثني الحسين بن علي بن أخي ليث، وموسى بن أحمد القطواني: أنه حضر يحيى بن آدم يبايع محمد بن إبراهيم، وذكر مثل حديث الأشناني.
حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثني الحسين بن القاسم، قال: حدثني جعفر بن هذيل، قال: سمعت بن نمير يقول، وكان قد فاته أكثر كتب أبي معاوية عن الأعمش، قال: لما قدم يحيى بن عيسى أكتب عنه حديث الأعمش الحمد لله الذي كفاني مؤنة أبي معاوية ذلك المرح أتبدل به من يحيى بن عيسى فما مكثنا إلا يسيراً حتى خرج أبو السرايا، فخرج معه يحيى بن عيسى، فقلت: إنا لله فررت من ذلك ووقعت مع هذا.
حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن المنصور، قال: سمعت مصفى بن عاصم يقول: سمعت أبا السرايا يقول: ما دخلت في معصية الله جل وعز من الفواحش قط.(1/143)


قال: وسمعته يقول: ما هبت أحداً قط هيبتي محمد بن إبراهيم.
حدثني أبو عبيد الصيرفي، قال: حدثني أبي، قال: رأيت أبا السرايا يؤتى بمكوكي شعير فيطرح أحدهما بين يديه، والآخر بين يدي فرسه فيستوفي الشعير قبل فرسه.
حدثني محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدثني إبراهيم بن سليمان المقريء، قال: كنت واقفاً مع أبي السرايا على القنطرة، ومحمد بن محمد بصحراء أثير، فجاءه رجل دسه هرثمة فقال له: إن المسودة قد دخلت من جانب الجسر، وأخذ محمد بن محمد وإنما أراد أن ينتحي أبو السرايا عن موضعه، فلما سمع ذلك وجه فرسه نحو صحراء أثير، وأقبل هرثمة حتى دخل الكوفة، وبلغ إلى موضع يعرف بدار الحسن، وصار أبو السرايا إلى الموضع فوجد محمداً قائماً على المنبر يخطب، فعلم أنها حيلة، فكر راجعاً ومعه رجل يقال له مسافر الطائي، وكان من بني شيبان إلا أنه نزل في قبائل طي فنسب إليهم، فحمل على المسودة فهزمهم حتى ردهم إلى موقفهم.
وجاءه رجل فقال: إن جماعة منهم قد كمنوا لك في خرابة ها هنا. فقال: أرينهم، فأراه الخرابة، فدخل إليهم فأقام طويلاً ثم خرج يمسح سيفه وينفض علق الدم عن نفسه، ومضى لوجهه نحو هرثمة، فدخلت فإذا القوم صرعى وخيلهم يثب بعضها على بعض، فعددتهم فإذا هم مائة رجل، أو مائة رجل إلا رجلاً.
حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثني محمد بن المنصور، قال: سمعت القاسم بن إبراهيم ونحن في منزل للحسينيين يقال له الورينة، يقول: انتهى إلي نعي أخي محمد وأنا بالمغرب، فتنحبت فأرقت من عيني سحلاً أو سجلين، ثم رثيته بقصيدة، على أنه كان يقول بشيء من التشبيه، قال: ثم قرأها علي من وقعة، فكتبتها، وهي هذه:
يا دار دار غرورٍ لا وفاء لها ... حيث الحوادث بالمكروه تستبق
أبرحت أهلك من كد ومن أسف ... بمشرع شربه التصدير والرنق
فإن يكن فيك للآذان مستمع ... يصبى ومرأى تسامى نحوه الحدق
فأي عيشك إلا وهو منتقل ... وأي شملك إلا وهو مفترق
من سره أن يرى الدنيا معطلة ... بعين من لم يخنه الخدع والملق
فليأت داراً جفاها الأنس موحشة ... مأهولة حشوها الأشلاء والخرق
قل للقبور إذا ما جئت زائرها ... وهل يزار تراب البلقع الخلق؟
ماذا تضمنت يا ذا اللحد من ملكٍ ... لم يحمه منك عقيان ولا ورق
بل أيها النازح المرموس يصحبه ... وجد ويصحبه الترجيع والحرق
يهدى لدار البلى عن غير مقليةٍ ... قد خط في عرصةٍ منها له نفق
وبات فرداً وبطن الأرض مضجعه ... ومن ثراها له ثوب ومرتفق
نائي المحل بعيد الأنس أسلمه ... بر الشفيق فحبل الوصل منخرق
قد أعقب الوصل منك اليأس فانقطعت ... منك القرائن والأسباب والعلق
يا شخص من لو تكون الأرض فديته ... ما ضاق مني بها ذرع ولا خلق
بينا أرجيك تأميلاً وأشفق أن ... يغبر منك جبين واضح يقق
أصبحت يحثى عليك الترب في جدثٍ ... حتى عليك بما يحثى به طبق
إن فجعتني بك الأيام مسرعةً ... فقل مني عليك الحزن والأرق
فأيما حدثٍ تخشى غوائله ... من بعد هلكك يعنيني به الشفق
قال أبو الفرج: وأخبرنا أحمد بن سعيد، عن محمد بن منصور، قال: سمعت القاسم بن إبراهيم يقول: أعرف رجلاً دعا الله في ليلة وهو في بيت فقال: اللهم إني أسألك بالاسم الذي دعاك به صاحب سليمان فجاءه السرير فتهدل البيت عليه رطباً.
قال: وسمعت القاسم يقول: أعرف رجلاً دعا الله فقال: اللهم إني أسألك بالاسم الذي من دعاك به أجبته، وهو في ظلمة، فامتلأ البيت نوراً.
قال محمد: عنى به نفسه.
وقد كان القاسم بن إبراهيم أراد الخروج واجتمع له أمره فسمع في عسكره صوت طنبور فقال: لا يصلح هؤلاء القوم أبداً، وهرب وتركهم.
قال أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني:(1/144)


وفيما كتب إلي علي بن أحمد العجلي، قال: أخبرنا يحيى بن عبد الرحمن، قال: قال الهيثم بن عبد الله الخثعمي يرثي أبا السرايا، وذكرها ابن عمار ووصف أنه لا يعرف قائلها:
وسل عن الظاعنين ما فعلوا ... وأين بعد ارتحالهم نزلوا
يا ليت شعري والليت عصمة من ... يأمل ما حال دونه الأجل
أين استقرت نوى الأحبة أم ... هل يرتجى للأحبة القفل
ركب ألحت يد الزمان على ... إزعاجهم في البلاد فانتقلوا
بني البشير النذير الظاهر ال ... ذي أقرت بفضله الرسل
خانهم الدهر بعد عزهم ... والدهر بالناس خائن ختل
بانوا فظلت عيون شيعتهم ... عليهم لا تزال تنهمل
واستبدلوا بعدهم عدوهم ... بئس لعمري بالمبدل البدل
يا عسكراً ما أقل ناصره ... لم تشفه من عده الدول
فبكهم بالدماء إن نفذ الدم ... ع فقد خان فيهم الأمل
لا تبك من بعدهم على أحدٍ ... فكل خطب سواهم جلل
أخوهم يفتدي صفوفهم ... زحفاً إليهم وما بها خلل
في فيلق يملأ الفضاء به ... كأنما فيه عارض وبل
رماهم الشيخ من كنانته ... والشيخ لا عاجز ولا وكل
بالخيل تردى وهن ساهمة ... تحت رجال كأنها الإبل
والسابقات الجياد فوقهم ... والبيض والبيض والقنا الذبل
والرجل يمشون في أظلتها ... كما تمشي المصاعب البزل
واليزنيات في أكفهم ... كأنما في رؤوسهما الشعل
حتى إذا ما التقوا على قدر ... والقوم في هوة لهم زجل
شدوا على عترة الرسول ولم ... تثنيهم رهبة ولا وهل
فما رعوا حقه وحرمته ... ولا استرابوا في نفس من قتلوا
والله أملى لهم وأمهلهم ... والله في أمره له مهل
بل أيها الراكب المخبر أو النا ... عي ابن لي لأمك الهبل
ما فعل الفارس المحامي إذا ما ال ... حرب فرت أنيابها العصل
أأنت أبصرته على شرف ... لله عيناك أيها الرجل
من فوق جذع أناف شائلةٍ ... ترمي إليها بلحظها المقل
ولو تراه عليه شكته ... والموت دان والحرب تشتعل
في موطن والحتوف مشرعة ... فيها قسي المنون تنتضل
والقوم منهم مضرج بدم ... وموثق أسره ومنجدل
وفائظ نفسه وذو رمق ... يطمع فيه الضباع والحجل
في صدره كالوجار في يده ... يغيب فيها السنان والفتل
يميل منها والموت يحفزه ... كما يميل المرنح الثمل
في كفه غضبةٌ مضاربها ... وذابل كالرشاء معتدل
لخلت أن القضاء من يده ... وللمنايا من كفه رسل
يا رب يوم حمى فوارسه ... وهو لا مرهق ولا عجل
كأنه آمن منيته ... في الروع لما تشاجر الأسل
في موطن لا يقال عاثره ... يغص فيه بريقه البطل
أبا السرايا نفسي مفجعة ... عليك والعين دمعها خضل
من كان يغضي عليك مصطبراً ... فإن صبري عليك مختزل
هلا وقاك الردى الجبان إذا ... ضاقت عليه بنفسه الحيل
أم كيف لم تخشك المنون ولم ... يرهبك إذ حان يومك الأجل(1/145)

29 / 36
ع
En
A+
A-