حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن منصور، قال: حدثنا علي بن الحسين، قال: حدثنا عمر بن شبة المكي، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر محمد بن علي، قال: يخطب على أعوادكم يا أهل الكوفة سنة تسع وتسعين ومائة في جمادى الأولى رجل من أهل البيت، يباهي الله به الملائكة.
حدثني محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدثنا أحمد بن حازم الغفاري، قال: حدثنا الحسن بن الحسين، عن عمر بن شبة المكي بنحوه.
رجع الحديث إلى خبر أبي السرايا.
قال: ووجه محمد بن إبراهيم إلى الفضل بن العباس بن عيسى بن موسى رسولاً يدعوه إلى بيعته ويستعين به في سلاح وقوة، فوجد العباس قد خرج عن البلد وخندق حول داره، وأقام مواليه في السلاح للحرب، فأخبر الرسول محمداً بذلك فأنفذ محمد أبا السرايا إليهم، وأمره أن يدعوهم ولا يبدأهم بقتال، فلما صار إليهم تبعه أهل الكوفة كالجراد المنتشر، فدعاهم فلم يصغوا إلى قوله ولم يجيبوا دعوته، ورموه بالنشاب من خلف السور، فقتل رجل من أصحابه أو جرح، فوجه به إلى محمد بن إبراهيم، فأمره بقتالهم فقاتلهم. وكان على السور خادم أسود واقف بين شرفتين يرمي لا يسقط له سهم، فأمر أبو السرايا غلامه أن يرميه، فرماه بسهم فأثبته بين عينيه، وسقط الخادم على أم رأسه إلى أسفل فمات وفر موالي الفضل بن العباس فلم يبق منهم أحد وفتح الباب فدخل أصحاب أبي السرايا ينتهبونها ويخرجون حر المتاع منها، فلما رأى ذلك أبو السرايا حظره ومنع أحداً من الخروج أو يأخذ ما معه ويفتشه، فأمسك الناس عن النهب.
قال: فسمعت أعرابياً يرتجز ومعه تخت فيه ثياب وهو يقول:
ما كان إلا ريث زجر الزاجره ... حتى انتضيناها سيوفاً باتره
حتى علونا في القصور القاهره ... ثم انقلبنا بالثياب الفاخره
قال: ومضى الفضل بن العباس فدخل على الحسن بن سهل فشكا إليه ما انتهك منه فوعده النصر والغرم والخلف، ثم دعا بزهير بن المسيب فضم إليه الرجال وأمده بالأموال وندبه إلى المسير نحو أبي السرايا وأن يودعه من وقته ويمضي لوجهه فيه ولا ينزل إلا بالكوفة، وكان محمد بن إبراهيم عليلاً علته التي مات فيها. وكان الحسن بن سهل، لانتحاله النجوم ونظره فيها، ينظر في نجم محمد فيراه محترقاً، فيبادر في طلبه، ويحرص على ترويحه، ويشغله عن النظر في أمر عسكره.
فسار زهير بن المسيب حتى ورد قصر ابن هبيرة فأقام به، ووجه ابنه أزهر بن زهير على مقدمته، فنزل سوق أسد.
وسار أبو السرايا من الكوفة وقت العصر فأغذ السير حتى أتى معسكر أزهر بن زهير بسوق أسد، وهم غارون فيه وبيته، فطحن العسكر وأكثر القتل فيه، وغنم دوابهم وأسلحتهم، وانقطع الباقون في الليل منهزمين حتى وافت زهيراً بالقصر، فتغيظ من ذلك.
ورجع أبو السرايا إلى الكوفة، وزحف زهير حتى نزل ووافت خريطة من الحسن بن سهل، يأمره ألا ينزل إلا بالكوفة، فمضى حتى نزل عند القنطرة.
ونادى أبو السرايا في الناس بالخروج، فخرجوا حتى صادفوا زهيراً على قنطرة الكوفة في عشية صردة باردة، فهم يوقدون النار يستدفئون بها، ويذكرون الله ويقرأون القرآن، وأبو السرايا يسكن منهم ويحثهم.
وأقبل أهل بغداد يصيحون يا أهل الكوفة: زينوا نسائكم وأخواتكم وبناتكم للفجور، والله لنفعلن بهم كذا وكذا. ولا يكنون.
وأبو السرايا يقول لهم: اذكروا الله وتوبوا إليه، واستغفروه واستعينوه، فلم يزل الناس في تلك الليلة يتحارسون طول ليلتهم، حتى إذا أصبح نهد إليهم فوقف في عسكره، وقد عشيت أبصار الناس من الدروع والبيض والجواش وهم على تعبئة حسنة، وأصوات الطبول والبوقات مثل الرعد العاصف، وأبو السرايا يقول: يا أهل الكوفة صححوا نياتكم، وأخلصوا لله ضمائركم، واستنصروه على عدوكم، وابرأوا إليه من حولكم وقوتكم، واقرأوا القرآن، ومن كان يروي الشعر فلينشد شعر عنترة العبسي: قال: ومر بنا الحسن بن الهذيل يعترض الناس ناحية ويقول: يا معشر الزيدية، هذا موقف تستنزل فيه الأقدام، وتزايل فيه الأفعال. والسعيد من حاط دينه، والرشيد من وفى لله بعهده، وحفظ محمداً في عترته.
ألا إن الآجال موقوتة، والأيام معدودة، من هرب بنفسه من الموت كان الموت محيطاً به، ثم قال:
من لم يمت عبطة يمت هرماً ... الموت كأس والمرء ذائقها(1/136)
قال أبو الفرج الأصبهاني: الحسن بن الهذيل هذا، صاحب الحسين المقتول بفخ، وقد روى عنه الحديث. قال: فطلع رجل من أهل بغداد مستلئماً شاكي السلاح، فجعل يشتم أهل الكوفة ويقول: لنفجرن بنسائكم ولنفعلن بكم ولنصنعن، وانتدب إليه رجل من أهل الوازار - قرية بباب الكوفة - عليه إزار أحمر وفي يده سكين، فألقى نفسه في الفرات وسبح ساعة حتى صار إليه، فدنا منه فأدخل يده في جيب درعه وجذبه إليه فصرعه، وضرب بالسكين حلقه فقتله، وجر برجليه يطفو مرة ويغوص مرة أخرى حتى أخرجه إلى الكوفة فكبر الناس وارتفعت أصواتهم بحمد الله والثناء عليه والدعاء.
وخرج رجل من ولد الأشعث بن قيس فعبر إلى البغداديين ودعا للبراز، فبرز إليه رجل فقتله، وبرز إليه آخر فقتله، وبرز إليه ثالث فقتله، حتى قتل نفراً. وأقبل أبو السرايا، فلما رآه شتمه وقال: من أمرك بهذا؟ ارجع فرجع فمسح سيفه بالتراب ورده في غمده وقنع فرسه ومضى نحو الكوفة، فلم يشهد حرباً بعدها معهم.
ووقف أبو السرايا على القنطرة طويلاً، وخرج رجل من أهل بغداد فجعل يشتمه بالزنا لا يكنى. وأبو السرايا واقف لا يتحرك، ثم تغافل ساعة حتى هم بأن ينصرف، ثم حمل عليه فقتله وحمل على عسكرهم حتى خرج من خلفهم، ثم حمل عليهم من خلف العسكر حتى رجع من حيث جاء. ووقف في موقفه وهو ينفخ وينفض علق الدم عن درعه.
ثم دعا غلاماً له فوجهه في نفر من أصحابه وأمره أن يمضي حتى يصير من وراء العسكر، ثم يحمل عليهم لا يكذب، فمضى الغلام لوجهه مع من معه قاصداً لما أمره به، ووقف أبو السرايا على القنطرة على فرس له أدهم محذوف، وقد اتكأ على رمحه فنام على ظهر الفرس حتى غط، وأهل الكوفة جزعون لما يرونه من عسكر زهير، ويسمعونه من تهددهم ووعيدهم، وهم يضجون ويصيحون بالتكبير والتهليل حتى يسمع أبو السرايا فينتبه من نومه، فلم ينتبه حتى ظن أن الكمين الذي بعثه قد انتهى إلى حيث أمره فصاح بفرسه: قتال، ثم قنعه حتى رضي بحفزه، ثم أومأ بيده نحو الكمين الذي بعثه، وصاح بأهل الكوفة: احملوا، وحمل وتبعوه فلم يبق من أصحاب زهير أحد إلا التفت نحو الإشارة.
وخالط أبو السرايا وغلامه سيار العسكر، وتبعه أهل الكوفة وصاح بغلامه: ويلك يا سيار ألا تراني، فحمل سيار على صاحب العلم فقتله وسقط العلم، وانهزمت المسودة.
وتبعهم أبو السرايا وأصحابه ونادى: من نزل عن فرسه فهو آمن، فجعلوا يترجلون، وأصحاب أبي السرايا يركبون، وتبعوهم حتى جاوزوا شاهي، ثم التفت زهير إلى أبي السرايا فقال: ويحك، أتريد هزيمة أكثر من هذه؟ إلى أين تتبعني؟ فرجع وتركه. وغنم أهل الكوفة غنيمة لم يغنم أحد مثلها، وصاروا إلى عسكر زهير بن المسيب ومطابخه قد أعدت وأقيمت، وكان قد حلف ألا يتغدى إلا في مسجد الكوفة، فجعلوا يأكلون ذلك الطعام، وينتهبون الأسلحة والآلة، وكانوا قد أصابهم جوع وجهد شديد.
ومضى زهير لوجهه حتى دخل بغداد مستتراً، وبلغ خبره الحسن بن سهل فأمر بإحضاره، فلما رآه رماه بعمود حديد كان في يده، فشتر إحدى عينيه، وقال لبعض من كان بحضرته: أخرجه فاضرب عنقه، فتشفعوا فيه، فلم يزل يكلم فيه حتى عفا عنه.
ودخل أبو السرايا الكوفة، ومعه خلق كثير من الأسارى، ورؤوس كثيرة على الرماح مرفوعة، وفي صدر الخيل مشدودة، ومن معه من أهل الكوفة قد ركبوا الخيل ولبسوا السلاح، فهم في حالة واسعة، وأنفسهم بما رزقوه من النصر قوية.
واشتد غم الحسن بن سهل ومن بحضرته من العباسيين، لما جرى على عسكر زهير، وطال اهتمامهم به، فدعا الحسن بن سهل بعبدوس بن عبد الصمد، وضم إليه ألف فارس وثلاثة آلاف راجل، وأزاح علته في الإعطاء، وقال: إنما أريد أن أنوه باسمك فانظر كيف تكون، وأوصاه بما احتاج إليه، وأمره ألا يلبث.
فخرج من بين يديه وهو يحلف أن يبيح الكوفة، ويقتل مقاتلة أهلها، ويسبي ذراريهم، ثلاثاً.(1/137)
ومضى لوجهه لا يلوي على شيء حتى صار إلى الجامع، وقد كان الحسن بن سهل تقدم إليه بذلك، وأمره ألا يأخذ على الطريق الذي انهزم فيه زهير، لئلا يرى أصحابه بقايا قتلى عسكره، فيجبنوا من ذلك. فأخذ على طريق الجامع فلما وافاها وبلغ أبا السرايا خبره، صلى الظهر بالكوفة، ثم جرد فرسان أصحابه ومن يثق به منهم وأغذ السير بهم، حتى إذا قرب من الجامع فرق أصحابه ثلاث فرق وقال: شعاركم: " يا فاطمي يا منصور " ، وأخذ هو في جانب السوق، وأخذ سيار في سيره الجماع وقال لأبي الهرماس: خذ بأصحابك على القرية فلا يفتك أحد منهم، ثم احملوا دفعة واحدة من جوانب عسكر عبدوس، ففعلوا ذلك فأوقعوا به وقتلوا منه مقتلة عظيمة، وجعل الجند يتهافتون في الفرات طلباً للنجاة، حتى غرق منهم خلق كثير.
ولقي أبو السرايا عبدوساً في رحبة الجامع فكشف خوزته عن رأسه وصاح: أنا أبو السرايا، أنا أسد بن شيبان، ثم حمل عليه، وولى عبدوس من بين يديه، وتبعه أبو السرايا فضربه على رأسه ضربة فلقت هامته، وخر صريعاً عن فرسه.
وانتهب الناس من أصحاب أبي السرايا وأهل الجامع عسكر عبدوس، وأصابوا منه غنيمة عظيمة، وانصرفوا إلى الكوفة بقوة وأسلحة.
ودخل أبو السرايا إلى محمد بن إبراهيم وهو عليل يجود بنفسه فلامه على تبييته العسكر، وقال: أنا أبرأ إلى الله مما فعلت، فما كان لك أن تبيتهم، ولا تقاتلهم حتى تدعوهم، وما كان لك أن تأخذ من عسكرهم إلا ما أجلبوا به علينا من السلاح.
فقال أبو السرايا: يا بن رسول الله، كان هذا تدبير الحرب، ولست أعاود مثله. ثم رأى في وجه محمد الموت فقال له: يا بن رسول الله، كل حي ميت، وكل جديد بال، فاعهد إلي عهدك.
فقال: أوصيك بتقوى الله، والمقام على الذب من دينك، ونصرة أهل بيت نبيك صلى الله عليه وسلم، فإن أنفسهم موصولة بنفسك، وول الناس الخيرة فيمن يقوم مقامي من آل علي، فإن اختلفوا فالأمر إلى علي بن عبيد الله، فإني قد بلوت طريقته، ورضيت دينه.
ثم اعتقل لسانه، وهدأت جوارحه، فغمضه أبو السرايا وسجاه، وكتم موته، فلما كان الليل أخرجه في نفر من الزيدية إلى الغري فدفنه.
فلما كان الغد جمع الناس فخطبهم، ونعى محمداً إليهم وعزاهم عنه، فارتفعت الأصوات بالبكاء إعظاماً لوفاته، ثم قال: وقد أوصى أبو عبد الله رحمة الله عليه إلى شبيهه ومن اختاره، وهو أبو الحسن علي بن عبيد الله، فإن رضيتم به فهو الرضا، وإلا فاختاروا لأنفسكم.
فتواكلوا ونظر بعضهم إلى بعض، فلم ينطق أحد منهم فوثب محمد بن محمد بن زيد وهو غلام حدث السن، فقال: يا آل علي: فات الهالك النجا، وبقي الثاني بكرمه، إن دين الله لا ينصر بالفشل، وليست يد هذا الرجل عندنا بسيئة، وقد شفي الغليل، وأدرك الثأر، ثم التفت إلى علي بن عبد الله فقال: ما تقول يا أبا الحسن رضي الله عنك؟ فقد وصانا بك، امدد يدك نبايعك، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن أبا عبيد الله رحمة الله عليه قد اختار فلم يعد الثقة في نفسه، ولم يأل جهداً في حق الله الذي قلده، وما أراد وصيته تهاوناً بأمره، ولا أدع هذا نكولاً عنه، ولكن أتخوف أن أشتغل به عن غيره مما هو أحمد وأفضل عاقبة، فامض رحمك الله لأمرك، واجمع شمل ابن عمك، فقد قلدناك الرياسة علينا، وأنت الرضا عندنا، الثقة في أنفسنا.
ثم قال لأبي السرايا: ما ترى؟ أرضيت به؟.
قال: رضائي في رضاك، وقولي مع قولك، فجذبوا يد محمد بن محمد فبايعوه، وفرق عماله.
فولى إسماعيل بن علي بن إسماعيل بن جعفر خلافته على الكوفة.
وولى روح بن الحجاج شرطته.
وولى أحمد بن السري الأنصاري رسائله.
وولى عاصم بن عامر القضاء.
وولى نصر بن مزاحم السوق.
وعقد لإبراهيم بن موسى بن جعفر على اليمن.
وولى زيد بن موسى بن جعفر الأهواز.
وولى العباس بن محمد بن عيسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب البصرة.
وولى الحسن بن الحسن الأفطس مكة.
وعقد لجعفر بن محمد بن زيد بن علي، والحسين بن إبراهيم بن الحسن بن علي واسطاً.
فخرجوا إلى أعمالهم.
فأما ابن الأفطس فلم يمنعه أحد مما وجه له، فأقام الحج تلك السنة وهي سنة تسع وتسعين ومائة.
وأما إبراهيم بن موسى فأذعن له أهل اليمن بالطاعة، بعد وقعة كانت بينهم يسيرة المدة.(1/138)
وأما صاحبا واسط فإن نصراً البجلي صاحب واسط خرج إليهما فقاتلهما فتالاً شديداً، فثبتا له ثم انهزم ودخلا واسطاً وجبيا الخراج وتألفا الناس.
وأما الجعفري صاحب البصرة فإنه خرج إليه علي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين فاجتمعا، ووافاهم زيد بن موسى بن جعفر ماضياً إلى الأهواز، فاجتمعوا، ولقيهم الحسن بن علي المعروف بالمأموني - رجل من أهل باذغيس وكان على البصرة - فقاتلوه وهزموه وحووا عسكره.
وحرق زيد بن موسى دور بني العباس بالبصرة، فلقب بذلك وسمي زيد النار.
وتتابعت الكتب وتواترت على محمد بن محمد بالفتوح من كل ناحية.
وكتب إليه أهل الشام والجزيرة أنهم ينتظرون أن يوجه إليهم رسولاً ليسمعوا له ويطيعوا.
وعظم أمر أبي السرايا على الحسن بن سهل وبلغ منه، فكتب إلى طاهر بن الحسين أن يصير إليه لينفذه لقتاله، فكتبت إليه رقعة لا يدري من كتابها، فيها أبيات وهي:
قناع الشك يكشفه اليقين ... وأفضل كيدك الرأي الرصين
تثبت قبل ينفذ فيك أمر ... بهيج لشره داء دفين
أتندب طاهراً لقتال قوم ... بنصرتهم وطاعتهم يدين
سيطلقها عليك معقلات ... تصر ودونها حرب زبون
ويبعث كامناً في الصدر منه ... ولا يخفى إذا ظهر المصون
فشأنك واليقين فقد أنارت ... معالمه وأظلمت الظنون
ودونك ما نريد بعزم رأي ... تدبره ودع ما لا يكون
فرجع عن رأيه ذلك، وكتب إلى هرثمة بن أعين يأمره بالقدوم عليه، ودعا بالسندي بن شاهك فسأله التعجيل وترك التلوم، وكان ردءاً له، وكانت بين الحسن بن سهل وبين هرثمة شحناء، فخشي أن لا يجيبه إلى ما يريد، ففعل ذلك السندي ومضى إلى هرثمة فلحقه بحلوان، فأوصل إليه الكتاب، فلما قرأه تغيظ وقال: نوطئ نحن الخلافة، ونمهد لهم أكنافها، ثم يستبدون بالأمور، ويستأثرون بالتدبير علينا، فإذا انفتق عليهم فتق بسوء تدبيرهم وإضاعتهم الأمور، أرادوا أن يصلحوه بنا، لا والله ولا كرامة حتى يعرف أمير المؤمنين سوء آثارهم، وقبيح أفعالهم.
قال السندي: وباعدني مباعدة آيسني فيها من نفسه، فبينا أنا كذلك إذ جاءه كتاب من منصور بن المهدي فقرأه فجعل يبكي بكاءً طويلاً، ثم قال: فعل الله بالحسن بن سهل وصنع، فإنه عرض هذه الدولة للذهاب، وأفسد ما صلح منها، ثم أمرض فضرب بالطبل، وانكفأ راجعاً إلى بغداد.
فلما صار بالنهروان تلقاه أهل بغداد، والقواد، وبنو هاشم، وجميع الأولياء مسرورين بقدومه داعين له، وترجلوا جميعاً حين رأوه، فدخل بغداد في جمع عظيم حتى أتى منزله.
وأمر الحسن بن سهل بدواوين الجيش فنقلت إليه ليختار الرجال منها وينتخبهم، وأطلق له بيوت الأموال فانتخب من أراد، وأزاح الغلة في العطيات والنفقات، وخرج إلى الياسرية فعسكر بها.
قال الهيثم بن عدي: فدخلت إليه وسلمت عليه ومازحته، وهو في نحو ثلاثين ألف فارس وراجل، فقلت له: أيها الأمير، لو خضبت لكان للعدو أهيب وأحسن للمنظر، فضحك ثم قال: إن كان رأسي لي فسأخضبه، وإن انقلب به أهل الكوفة فما يصنع بالخضاب.
قال: ثم نادى بالرحيل إلى الكوفة، فرحل الناس.
وأبو السرايا بالقصر، وقد عقد لمحمد بن إسماعيل محمد بن عبد الله الأرقط بن عبد الله بن علي بن الحسين، على المدائن، ووجه معه العباس الطبطبي والمسيب، في جمع عظيم، فلقوا الحسين بن علي المعروف بأبي البط فالتقوا بساباط المدائن، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وهزم أبو البط واستولى محمد بن إسماعيل على البلد.
محمد بن جعفر بن محمد
خبر محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام قالوا: وظهر في هذه الأيام محمد بن جعفر بن محمد بالمدينة ودعا إلى نفسه، وبايع له أهل المدينة بإمرة المؤمنين، وما بايعوا عليها بعد الحسين بن علي أحداً سوى محمد بن جعفر بن محمد.
وأم محمد بن جعفر أم ولد.
ويكنى أبا جعفر.
وكان فاضلاً مقدماً في أهله.
وأمر المأمون آل أبي طالب بخراسان أن يركبوا مع غيره من آل أبي طالب فأبوا أن يركبوا إلا معه فأقرهم.(1/139)
وقد روى الحديث وأكثر الرواية عن أبيه، ونقل عنه المحدثون مثل: محمد بن أبي عمر العبدي، ومحمد بن سلمة، وإسحاق بن موسى الأنصاري، وغيرهم من الوجوه.
قال أبو الفرج: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن منصور، قال: ذكر محمد بن جعفر بحضرة أبي الطاهر أحمد بن عيسى بن عبد الله، فسمعنا أبا الطاهر يحسن الثناء عليه، وقال: كان عابداً فاضلاً، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً.
قال أبو الفرج: حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال أخبرنا يحيى بن الحسن قال: سمعت مؤملاً يقول: رأيت محمد بن جعفر يخرج إلى الصلاة بمكة في سنة بمائتي رجل من الجارودية، وعليهم ثياب الصوف، وسيماء الخير ظاهر.
قال أبو الفرج: حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى، قال: كانت خديجة بنت عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين تحت محمد بن جعفر بن محمد، وكانت تذكر أنه ما خرج من عندهم قط في ثوب فرجع حتى يهبه.
حدثني أحمد، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا موسى بن سلمة، قال: كان رجل قد كتب كتاباً في أيام أبي السرايا يسب فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجميع أهل البيت، وكان محمد بن جعفر معتزلاً تلك الأمور لم يدخل في شيء منها، فجاءه الطالبيون فقرءوه عليه فلم يرد عليهم جواباً حتى دخل بيته، فخرج عليهم وقد لبس الدرع، وتقلد السيف، ودعا إلى نفسه، وتسمى بالخلافة وهو يتمثل: لم أكن من جناتها علم الله وإني بحرها اليوم صالي قال يحيى بن الحسن: فسمعت إبراهيم بن يوسف يقول: كان محمد بن جعفر قد أصاب أحد عينيه شيء فأثر فيها، فسر بذلك وقال: لأرجو أن أكون المهدي القائم: قد بلغني أن في إحدى عينيه شيئاً، وأنه يدخل في هذا الأمر وهو كاره له.
قال أبو الفرج: أخبرنا أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثنا محمد بن علي المدائني، قال: حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، قال سمعت محمد بن جعفر يقول: شكوت إلى مالك بن أنس ما نحن فيه وما نلقى، فقال: اصبر حتى يجيء تأويل هذه الآية: " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين " .
أخبرني أحمد بن عبيد الله، عن علي بن محمد النوفلي عن أبيه، وأخبرني علي بن الحسين بن علي بن حمزة العلوي، عن محمد، عن عمه.
أن جماعة من الطالبيين اجتمعوا مع محمد بن جعفر، فقاتلوا هارون بن المسيب بمكة قتالاً شديداً، وفيهم: الحسين بن الحسن الأفطس، ومحمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن، ومحمد بن الحسن المعروف بالسيلق، وعلي بن الحسن بن عيسى بن زيد، وعلي بن الحسن بن زيد، وعلي بن جعفر بن محمد، فقتلوا من أصحابه مقتلة عظيمة، وطعنه خصي كان مع محمد بن جعفر فصرعه.
وكر أصحابه فتخلصوه ثم رجعوا فأقاموا بثبير في جبله مدة، وأرسل هارون إلى محمد بن جعفر، وبعث إليه ابن أخيه علي بن موسى الرضا، فلم يصغ إلى رسالته، وأقام على الحرب.
ثم وجه إليه هارون خيلاً فحاصرته في موضعه، لأنه كان موضعاً حصيناً لا يوصل إليه، فلما بقوا في الموضع ثلاثاً ونفذ زادهم وماؤهم، جعل أصحابه يتفرقون ويتسللون يميناً وشمالاً، فلما رأى ذلك لبس برداً ونعلاً، وصار إلى مضرب هارون فدخل إليه وسأله الأمان لأصحابه، ففعل هارون ذلك.
هكذا ذكره النوفلي.
وأما محمد بن علي بن حمزة فإنه ذكر أن هذا كان من جهة عيسى الجلودي لا من جهة هارون، ثم وجه إلى أولئك الطالبيين فحملهم مقيدين في محامل بلا وطاء ليمضي بهم إلى خراسان، فخرجت عليهم بنو نبهان.
قال علي بن محمد النوفلي: خرج عليهم الغاضريون بزبالة، فاستنقذوهم منه بعد حرب طويلة صعبة، فمضوا هم بأنفسهم إلى الحسن بن سهل، فأنفذهم إلى خراسان إلى المأمون.
فمات محمد بن جعفر هناك، فلما أخرجت جنازته دخل المأمون بين عمودي السرير فحمله حتى وضعه في لحده، وقال: هذه رحم مجفوة منذ مائتي سنة، وقضى دينه، وكان عليه نحواً من ثلاثين ألف دينار.
رجع الحديث إلى خبر أبي السرايا قالوا: فلما خرج هرثمة عسكر في شرقي نهر صرصر. وعسكر أبو السرايا في غربيه. ووجه الحسن بن سهل إلى المدائن علي بن أبي سعيد، وحمادا التركي وجماعة، فقاتلوا محمد بن إسماعيل فهزموه واستولوا على المدائن.(1/140)