حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبد الله قال: حدثني مالك بن يزيد الجعفري. وحدثني علي بن إبراهيم العلوي، قال: كتب إلي محمد بن موسى بن حماد أن محمد بن الحسن بن مسعود حدثه، قال: أخبرني عمر بن عثمان الزهري: أن بكار بن عبد الله الزبيري وجه إلى محمد بن يحيى بن عبد الله بن الحسن، وقد ورد سويقة ليصوم شهر رمضان في منزله، فجاءه الرسول فأخذه فمضى به إلى الحبس وجعل يتبعه برسول بعد رسول يأمره بالتضييق عليه، ثم أتبعه بآخر يأمره بتقييده، ثم أتبعه بآخر يأمره بإثقاله في حديده، فالتفت إلى الرسول فقال له: قل لصاحبك:
إني من القوم الذين تزيدهم ... قسواً وصبراً شدة الحدثان
فلم يزل محبوساً ثم أخرجه فقال له من يكفل بك.
قال: جماعة ولد أبي طالب. فقال بعضهم لسنا نكفل لمن عصى أمير المؤمنين، فوثب وأنشأ يقول:
وما العود إلا نابت في أرومة ... أبي صالح العيدان أن يتقطرا
بنو الصالحين الصالحون ومن يكن ... لآباء صدق تلقهم حيث سترا
قال: فرده إلى محبسه، فلم يزل فيه حتى مات.
الحسين بن عبد الله بن إسماعيل
والحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عليه السلام أمه حمادة بنت معاوية بن عبد الله بن جعفر.
ذكر محمد بن علي بن حمزة بكاراً الزبيري أخذه بالمدينة أيام ولايته إياها فضربه بالسوط ضرباً مبرحاً، فمات من ذلك الضرب.
العباس بن محمد بن عبد الله
والعباس بن محمد بن عبد الله بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام ويكنى أبا الفضل.
وأمه أم سلمة بنت محمد بن علي بن الحسين.
حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثني يحيى بن الحسن العلوي، قال: حدثني عبد الله بن محمد، قال: دخل العباس بن محمد بن عبد الله بن علي بن الحسين، على هارون فكلمه كلاماً طويلاً، فقال هارون: يا بن الفاعلة.
قال: تلك أمك التي تواردها النخاسون.
فأمر به فأدنى فضربه بالجرز حتى قتله.
موسى بن جعفر بن محمد
وموسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام ويكنى أبا الحسن، وأبا إبراهيم.
وأمه أم ولد تدعى حميدة.
حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن قال: كان موسى بن جعفر إذا بلغه عن الرجل ما يكره بعث إليه بصرة دنانير، وكانت صراره ما بين الثلثمائة إلى المائتين دينار، فكانت صرار موسى مثلاً.
حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى: أن رجلاً من آل عمر بن الخطاب كان يشتم علي بن أبي طالب إذا رأى موسى ابن جعفر، ويؤذيه إذا لقيه، فقال له بعض مواليه وشيعته: دعنا نقتله، فقال: لا، ثم مضى راكباً حتى قصده في مزرعة له فتواطأها بحماره، فصاح لا تدس زرعنا فلم يصغ إليه وأقبل حتى نزل عنده فجلس معه وجعل يضاحكه، وقال له: كم غرمت على زرعك هذا؟ قال: مائة درهم. قال: فكم ترجو أن تربح؟ قال: لا أدري. قال: إنما سألتك كم ترجو. قال مائة أخرى. قال: فأخرج ثلثمائة دينار فوهبها له فقام فقبل رأسه، فلما دخل المسجد بعد ذلك وثب العمري فسلم عليه وجعل يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته، فوثب أصحابه عليه وقالوا: ما هذا؟ فشاتمهم، وكان بعد ذلك كلما دخل موسى خرج يسلم عليه ويقوم له.
فقال موسى لمن قال ذلك القول: أيما كان خيراً ما أردتم أو ما أردت.
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثني محمد بن عبد الله المدائني قال: حدثني أبي، قال: حدثني بعض أصحابنا.
أن الرشيد لما حج لقيه موسى بن جعفر على بغلة. فقال له الفضل بن الربيع: ما هذه الدابة التي تلقيت عليها أمير المؤمنين؟ فأنت إن طلبت عليها لم تدرك، وإن طلبت لم تفت.
قال: إنها تطأطأت عن خيلاء الخيل، وارتفعت عن ذلة العير، وخير الأمور أوسطها.
ذكر السبب في أخذه وحبسه حدثني بذلك أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثنا علي بن محمد النوفلي عن أبيه وحدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثني يحيى بن الحسن العلوي، وحدثني غيرهما ببعض قصته، فجمعت ذلك بعضه إلى بعض.
قالوا: كان السبب في أخذ موسى بن جعفر أن الرشيد جعل ابنه محمداً في حجر جعفر بن محمد بن الأشعث، فحسده يحيى بن خالد بن برمك على ذلك وقال:(1/131)
إن أفضت الخلافة إليه زالت دولتي ودولة ولدي. فاحتال على جعفر بن محمد، وكان يقول بالإمامة، حتى داخله وأنس به، وأسر إليه، وكان يكثر غشيانه في منزله فيقف على أمره ويرفعه إلى الرشيد ويزيد عليه في ذلك بما يقدح في قلبه. ثم قال يوماً لبعض ثقاته: أتعرفون لي رجلاً من آل أبي طالب ليس بواسع الحال يعرفني ما أحتاج إليه من أخبار موسى بن جعفر؟ فدل على علي بن إسماعيل بن جعفر بن محمد، فحمل إليه يحيى بن خالد البرمكي مالاً. وكان موسى يأنس إليه ويصله وربما أفضى إليه بأسراره، فلما طلب ليشخص به أحس موسى بذلك، فدعاه فقال: إلى أين يا بن أخي؟ قال: إلى بغداد قال: وما تصنع؟ قال: علي دين وأنا مملق. قال: فأنا أقضي دينك وأفعل بك واصنع، فلم يلتفت إلى ذلك، فعمل على الخروج، فاستدعاه أبو الحسن موسى فقال له: أنت خارج؟ فقال له: نعم لا بد لي من ذلك فقال له: انظر يا بن أخي واتق الله لا تؤتم أولادي! وأمر له بثلثمائة دينار، وأربعة آلاف درهم.
قالوا: فخرج علي بن إسماعيل حتى أتى يحيى بن خالد البرمكي، فتعرف منه خبر موسى بن جعفر، فرفعه إلى الرشيد وزاد فيه، ثم أوصله إلى الرشيد فسأله عن عمه فسعى به إليه، فعرف يحيى جميع خبره وزاد عليه وقال له: إن الأموال تحمل إليه من المشرق والمغرب، وإن له بيوت أموال، وإنه اشترى ضيعة بثلاثين ألف دينار فسماها اليسيرة، وقال له صاحبها وقد أحضره المال: لا آخذ هذا النقد ولا آخذ إلا نقداً كذا وكذا، فأمر بذلك المال فرد وأعطاه ثلاثين ألف دينار من النقد الذي سأل بعينه، فسمع ذلك منه الرشيد وأمر له بمائتي ألف درهم نسبت له على بعض النواحي، فاختار كور المشرق، ومضت رسله لقبض المال. ودخل هو في بعض الأيام إلى الخلاء فزحر زحرة فخرجت حشوته كلها فسقطت، وجهدوا في ردها فلم يقدروا، فوقع لما به، وجاءه المال وهو ينزع فقال: وما أصنع به وأنا أموت؟! وحج الرشيد في تلك السنة فبدأ بقبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أعتذر إليك من شيء أريد أن أفعله، أريد أن أحبس موسى بن جعفر؛ فإنه يريد التشتت بين أمتك وسفك دمائها.
ثم أمر به فأخذ من المسجد فأدخل إليه فقيده، وأخرج من داره بغلان عليهما قبتان مغطاتان هو في إحديهما، ووجه مع كل واحد منهما خيلاً، فأخذوا بواحدة على طريق البصرة، والأخرى على طريق الكوفة، ليعمى على الناس أمره، وكان موسى في التي مضت إلى البصرة، فأمر الرسول أن يسلمه إلى عيسى بن جعفر بن المنصور، وكان على البصرة حينئذٍ فمضى به، فحبسه عنده سنة، ثم كتب إلى الرشيد: أن خذه وسلمه إلى من شئت، وإلا خليت سبيله، فقد اجتهدت أن آخذ عليه حجة فما أقدر على ذلك، حتى إني لأتسمع عليه إذا دعا لعله يدعو علي أو عليك فما أسمعه يدعو إلا لنفسه، يسأل الله الرحمة والمغفرة.
فوجه من تسلمه منه، وحبسه عند الفضل بن الربيع ببغداد، فبقي عنده مدة طويلة. وأراده الرشيد على شيء من أمره فأبى، فكتب إليه ليسلمه إلى الفضل بن يحيى، فتسلمه منه، وأراد ذلك منه فلم يفعله، وبلغه أنه عنده في رفاهية وسعة ودعة، وهو حينئذٍ بالرقة، فأنفذ مسروراً الخادم إلى بغداد على البريد، وأمره أن يدخل من فوره إلى موسى فيعرف خبره، فإن كان الأمر على ما بلغه أوصل كتاباً منه إلى العباس بن محمد وأمره بامتثاله، وأوصل كتاباً منه إلى السندي بن شاهك يأمره بطاعة العباس بن محمد.
فقدم مسرور فنزل دار الفضل بن يحيى لا يدري أحد ما يريد، ثم دخل على موسى فوجده على ما بلغ الرشيد، فمضى من فوره إلى العباس بن محمد والسندي بن شاهك، فأوصل الكتابين إليهما. فلم يلبث الناس أن خرج الرسول يركض ركضاً إلى الفضل بن يحيى، فركب معه وخرج مشدوهاً دهشاً حتى دخل على العباس فدعا العباس بالسياط وعقابين، فوجه بذلك إليه السندي، فأمر بالفضل فجرد ثم ضربه مائة سوط.
وخرج متغير اللون بخلاف ما دخل، فذهبت قوته فجعل يسلم على الناس يميناً وشمالاً.
وكتب مسرور بالخبر إلى الرشيد، فأمر بتسليم موسى إلى السندي بن شاهك وجلس الرشيد مجلساً حافلاً وقال: أيها الناس، إن الفضل بن يحيى قد عصاني وخالف طاعتي، ورأيت أن ألعنه فالعنوه. فلعنه الناس من كل ناحية حتى ارتج البيت والدار بلعنه.(1/132)
وبلغ يحيى بن خالد الخبر فركب إلى الرشيد، فدخل من غير الباب الذي يدخل منه الناس حتى جاءه من خلفه وهو لا يشعر، ثم قال له: التفت إلي يا أمير المؤمنين، فأصغي إليه فزعاً، فقال له: إن الفضل حدث وأنا أكفيك ما تريد، فانطلق وجهه وسر، فقال له يحيى: يا أمير المؤمنين، قد غضضت من الفضل بلعنك إياه فشرفه بإزالة ذلك، فأقبل على الناس فقال: إن الفضل قد عصاني في شيء فلعنته، وقد تاب وأناب إلى طاعتي فتولوه.
فقالوا: نحن أولياء من واليت، وأعداء من عاديت، وقد توليناه.
ثم خرج يحيى بن خالد بنفسه على البريد حتى وافى بغداد، فماج الناس وأرجفوا بكل شيء، وأظهر أنه ورد لتعديل السواد، والنظر في أعمال العمال، وتشاغل ببعض ذلك.
ثم دخل ودعا بالسندي وأمره فيه بأمره فلفه على بساط، وقعد الفراشون النصارى على وجهه.
وأمر السندي عند وفاته أن يحضر مولى له ينزل عند دار العباس بن محمد في مشرعة القصب ليغسله، ففعل ذلك.
قال: وسألته أن يأذن لي في أن أكفنه فأبى وقال: إنا أهل بيت مهور نسائنا، وحج صرورتنا، وأكفان موتانا من طاهر أموالنا، وعندي كفني.
فلما مات أدخل عليه الفقهاء ووجوه أهل بغداد وفيهم الهيثم بن عدي وغيره، فنظروا إليه لا أثر به، وشهدوا على ذلك، وأخرج فوضع على الجسر ببغداد، فنودي هذا موسى بن جعفر قد مات، فانظروا إليه، فجعل الناس يتفرسون في وجهه وهو ميت.
وحدثني رجل من أصحابنا عن بعض الطالبيين: أنه نودي عليه: هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة أنه لا يموت، فانظروا إليه، فنظروا.
قالوا: وحمل فدفن في مقابر قريش رحمه الله، فوقع قبره إلى جانب قبر رجل من النوفليين يقال له: عيسى بن عبد الله.
إسحاق بن الحسن بن زيد
وإسحاق بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام وأمه أم ولد.
حبسه هارون فمات في حبسه.
ذكر ذلك محمد بن علي بن حمزة، فيما أخبرنا به ابن أخيه عنه.
أيام محمد الأمين
ابن الرشيد وكانت سيرة محمد في أمر آل أبي طالب خلاف من تقدم؛ لتشاغله بما كان فيه من اللهو، والإدمان له، ثم الحرب التي كانت بينه وبين المأمون حتى قتل، فلم يحدث على أحد منهم في أيامه حدث بوجه ولا سبب.
أيام المأمون
ابن الرشيد
محمد بن محمد بن زيد
فممن قتل بها أو سقي السم فمات منهم محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام وأمه فاطمة بنت علي بن جعفر بن إسحاق بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
وهو الخارج في أيام أبي السرايا.
وإذا ذكرنا من قتل في أيامه، وأيام محمد بن إبراهيم الخارج قبله منهم - شرحنا من أخبارهم ما يحتاج إليه، لتنساق قصصهم؛ إذ كان إفرادهم مما تنقطع معه الأخبار.
الحسن بن الحسين بن زيد
والحسن بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام وهو القتيل يوم قنطرة الكوفة، في الحرب التي كانت بين هرثمة وأبي السرايا.
وأمه أم ولد.
الحسن بن إسحاق بن علي بن الحسين
والحسن بن إسحاق بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام وأمه أم ولد.
قتل في وقعة السوس مع أبي السرايا لما خرج عن الكوفة.
محمد بن الحسين بن الحسن
ومحمد بن الحسين بن الحسن بن علي بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام وأمه أمينة بنت حمزة بن المنذر بن الزبير.
قتل باليمن في أيام أبي السرايا.
علي بن عبد الله بن محمد
وعلي بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قتل باليمن في أيام أبي السرايا أيضاً.
ذكر السبب في خروج أبي السرايا كتب إلي علي بن أبي قربة العجلي، قال: حدثنا يحيى بن عبد الرحمن الكاتب قال: حدثني نصر بن مزاحم المنقري بما شاهد من ذلك، قال وحدث بما غاب عنه عمن حضره فحدثني به، ويحيى بن عبد الرحمن أيضاً بنتف من خبره عن غير نصر بن مزاحم، وأخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار، عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي بأخباره.(1/133)
فربما ذكرت الشيء اليسير منها والمعنى الذي يحتاج إليه؛ لأن علي بن محمد كان يقول: بالإمامة فيحمله التعصب لمذهبه على الحيف فيما يرويه، ونسبة من روى خبره من أهل هذا المذهب إلى قبيح الأفعال، وأكثر حكاياته في ذلك بل سائرها عن أبيه موقوفاً عليه لا يتجاوزه، وأبوه حينئذٍ مقيم بالبصرة لا يعلم بشيء من أخبار القوم، إلا ما يسمعه عن ألسنة العامة على سبيل الأراجيف، فيسطره في كتابه عن غير علم، طلباً منه لما شان القوم، وقدح فيهم.
فاعتمدت على رواية من كان بعيداً عن فعله في هذا، وهي رواية نصر بن مزاحم، إذ كان ثبتاً في الحديث والنقل، ويظهر أنه ممن سمع خبر أبي السرايا عنه.
قالوا: كان سبب خروج محمد بن إبراهيم وهو محمد بن إبراهيم بن إسماعيل، وهو ابن طباطبا، بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وأبي السرايا ان نصر بن شبيب كان قدم حاجاً وكان متشيعاً حسن المذهب، وكان ينزل الجزيرة، فلما ورد المدينة سأل عن بقايا أهل البيت ومن له ذكر منهم، فذكر له: علي بن عبيد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن، ومحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن.
فأما علي بن عبيد الله فإنه كان مشغولاً بالعبادة لا يصل إليه أحد ولا يأذن له.
وأما عبد الله بن موسى فكان مطلوباً خائفاً لا يلقاه أحد.
وأما محمد بن إبراهيم فإنه كان يقارب الناس ويكلمهم في هذا الشأن، فأتاه نصر ابن شبيب فدخل إليه وذاكره كقتل أهل بيته وغصب الناس إياهم حقوقهم، وقال: حتى متى توطئون بالخسف وتهتضم شيعتكم وينزى على حقكم؟ وأكثر من القول في هذا المعنى إلى أن أجابه محمد بن إبراهيم، وواعده لقاءه بالجزيرة.
وانصرف الحاج، ثم خرج محمد بن إبراهيم إلى الجزيرة، ومعه نفر من أصحابه وشيعته، حتى قدم على نصر بن شبيب للموعد، فجمع إليه نصر أهله وعشيرته وعرض ذلك عليهم، فأجابه بعضهم وامتنع عليه بعض، وكثر القول فيهم والاختلاف حتى تواثبوا وتضاربوا بالنعال والعصي، وانصرفوا عن ذلك.
ثم خلا بنصر بعض بني عمه وأهله فقال له: ماذا صنعت بنفسك وأهلك؟ أفتراك إذا فعلت هذا الأمر وتأبدت السلطان يدعك وما تريد؟ لا والله بل يصرف همه إليك وكيده، فإن ظفر بك فلا بقاء بعدها، وإن ظفر صاحبك وكان عدلاً كنت عنده بمنزلة رجل من أفناء أصحابه، وإن كان غير ذلك فما حاجتك إلى تعريض نفسك وأهلك وأهل بيتك لما لا قوام لهم به؟ وأخرى إن جميع هذا البلد أعداء لآل أبي طالب، فإن أجابوك الآن طائعين، فروا عنك غداً منهزمين إذا احتجت إلى نصرهم، على أنك إلى خلافهم أقرب منك إلى إجابتهم، ثم تمثل بقوله:
وأبذل لابن العم نصحي ورأفتي ... إذا كان لي بالخير في الناس مكرماً
فإن راغ عن نصحي وخالف مذهبي ... قلبت له ظهر المجن ليندما
فثنى نصراً عن رأيه، وفترنيته، فصار إلى محمد بن إبراهيم معتذراً إليه بما كان من خلاف الناس عليه، ورغبتهم عن أهل البيت، وأنه لو ظن ذلك بهم لم يعده نصرهم، وأومأ إلى أن يحمل إليه مالاً ويقويه بخمسة آلاف دينار، فانصرف محمد عنه مغضباً، وأنشأ يقول: والشعر له:
سنغنى بحمد الله عنك بعصبةٍ ... يهشون للداعي إلى واضح الحق
طلبت لك الحسنى فقصرت دونها ... فأصبحت مذموماً وزلت عن الصدق
جروا فلهم سبق وصرت مقصراً ... ذميماً بما قصرت عن غاية السبق
وما كل شيء سابق أو مقصر ... يؤول به التقصير إلا إلى العرق
ثم مضى محمد بن إبراهيم راجعاً إلى الحجاز، فلقى في طريقه أبا السرايا السري بن منصور أحد بني ربيعة بن ذهل بن شيبان، وكان قد خالف السلطان ونابذه، وعاث في نواحي السواد، ثم صار إلى تلك الناحية فأقام بها خوفاً على نفسه، ومعه غلمان له فيهم: أبو الشوك، وسيار، وأبو الهرماس، غلمانه.
وكان علوي الرأي ذا مذهب في التشيع، فدعاه إلى نفسه فأجابه وسر بذلك، وقال له: انحدر إلى الفرات حتى أوافي على ظهر الكوفة، وموعدك الكوفة.(1/134)
ففعل ذلك ووافى محمد بن إبراهيم الكوفة يسأل عن أخبار الناس ويتحسسها، ويتأهب لأمره ويدعو من يثق به إلى ما يريد، حتى اجتمع له بشر كثير، وهم في ذلك ينتظرون أبا السرايا وموافاته، فبينا هو في بعض الأيام يمشي في بعض طريق الكوفة إذ نظر إلى عجوز تتبع أحمال الرطب، فتلتقط ما يسقط منها فتجمعه في كساء عليها رث، فسألها عما تصنع بذلك. فقالت: إني امرأة لا رجل لي يقوم بمؤنتي، ولي بنات لا يعدن على أنفسهن بشيء، فأنا أتتبع هذا من الطريق وأتقوته أنا وولدي. فبكى بكاءً شديداً، وقال: أنت والله وأشباهك تخرجوني غداً حتى يسفك دمي.
ونفذت بصيرته في الخروج، وأقبل أبو السرايا لموعده على طريق البر حتى ورد عين التمر في فوارس معه، جريدة لا راجل فيهم، وأخذ على النهرين حتى ورد إلى نينوى فجاء إلى قبر الحسين.
قال نصر بن مزاحم: فحدثني رجل من أهل المدائن، قال: إني لعند قبر الحسين في تلك الليلة، وكانت ليلة ذات ريح ورعد ومطر، إذا بفرسان قد أقبلوا فترجلوا ودخلوا إلى القبر فسلموا، وأطال رجل منهم الزيارة ثم جعل يتمثل أبيات منصور بن الزبرقان النمري:
نفسي فداء الحسين يوم عدا ... إلى المنايا عدو لا قافل
ذاك يوم أنحى بشفرته ... على سنام الإسلام والكاهل
كأنما أنت تعجبين ألا ... ينزل بالقوم نقمة العاجل
لا يعجل الله إن عجلت وما ... ربك عما ترين بالغافل
مظلومة والنبي والدها ... يدير أرجاء مقلة جافل
ألا مساعير يغضبون لها ... بسلة البيض والقنا الذابل
قال: ثم أقبل علي فقال: ممن الرجل؟.
فقلت: رجل من الدهاقين من أهل المدائن.
فقال سبحان الله، يحن الولي إلى وليه كما تحن الناقة إلى حوارها، يا شيخ إن هذا موقف يكثر لك عند الله شكره ويعظم أجره.
قال: ثم وثب فقال: من كان ها هنا من الزيدية فليقم إلي، فوثبت إليه جماعات من الناس، فدنوا منه فخطبهم خطبة طويلة ذكر فيها أهل البيت وفضلهم وما خصوا به، وذكر فعل الأمة بهم وظلمهم لهم، وذكر الحسين بن علي فقال: أيها الناس، هبكم لم تحضروا الحسين فتنصروه، فما يقعدكم عمن أدركتموه ولحقتموه؟ وهو غداً خارج طالب بثأره وحقه، وتراث آبائه وإقامة دين الله، وما يمنعكم من نصرته ومؤازرته؟ إنني خارج من وجهي هذا إلى الكوفة للقيام بأمر الله، والذب عن دينه، والنصر لأهل بيته، فمن كان له في ذلك فليلحق بي. ثم مضى من فوره عائداً إلى الكوفة ومعه أصحابه.
قال: وخرج محمد بن إبراهيم في اليوم الذي واعد فيه أبا السرايا للاجتماع بالكوفة، وأظهر نفسه وبرز إلى ظهر الكوفة، ومعه علي بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين، وأهل الكوفة منبثون مثل الجراد إلا أنهم على غير نظام وغير قوة، ولا سلاح إلا العصي والسكاكين والآجر، فلم يزل محمد بن إبراهيم ومن معه ينتظرون أبا السرايا ويتوقعونه فلا يرون له أثراً حتى أيسوا منه، وشتمه بعضهم، ولاموا محمد بن إبراهيم على الاستعانة به، واغتم محمد بن إبراهيم بتأخره، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم من نحو الجرف علمان أصفران وخيل، فتنادى الناس بالبشارة فكبروا ونظروا، فإذا هو أبو السرايا ومن معه، فلما أبصر محمد بن إبراهيم ترجل وأقبل إليه فانكب عليه واعتنقه محمد، ثم قال له: يا بن رسول الله، ما يقيمك ها هنا؟ ادخل البلد فما يمنعك منه أحد. فدخل هو وخطب الناس، ودعاهم إلى البيعة إلى الرضا من آل محمد والدعاء إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسيرة بحكم الكتاب. فبايعه جميع الناس حتى تكابسوا وازدحموا عليه، وذلك في موضع بالكوفة يعرف بقصر الضرتين.
فحدثني أحمد بن محمد بن سعيد الهمذاني، قال: حدثنا محمد بن منصور بن يزيد أبو جعفر المرادي، قال: حدثنا الحسن بن عبد الواحد الكوفي، قال: حدثنا الحسن بن الحسين عن سعيد بن خيثم بن معمر، قال: سمعت زيد بن علي يقول: يبايع الناس لرجل منا عند قصر الضرتين، سنة تسع وتسعين ومائة، في عشر من جمادى الأولى، يباهي الله به الملائكة.
قال الحسن بن الحسين: فحدثت به محمد بن إبراهيم فبكى.(1/135)