فقال عبد الله بن مصعب: إن عبد الله بن الزبير طلب أمراً فأدركه، وإن الحسن باع الخلافة من معاوية بالدراهم، أتقول هذا في عبد الله بن الزبير وهو ابن صفية بنت عبد المطلب.
فقال يحيى: يا أمير المؤمنين، ما أنصفنا أن يفخر علينا بامرأة من نسائنا وامرأة منا، فهلا فخر بهذا على قومه من النوبيات والأساميات والحمديات! فقال عبد الله بن مصعب: ما تدعون بغيكم علينا وتوثبكم في سلطاننا؟.
فرفع يحيى رأسه إليه، ولم يكن يكلمه قبل ذلك، وإنما كان يخاطب الرشيد بجوابه لكلام عبد الله، فقال له: أتوثبنا في سلطانكم؟ من أنتم - أصلحك الله - عرفني فلست أعرفكم؟.
فرفع الرشيد رأسه إلى السقف يجيله فيه ليستر ما عراه من الضحك ثم غلب عليه الضحك ساعة، وخجل ابن مصعب.
ثم التفت يحيى فقال: يا أمير المؤمنين، ومع هذا فهو الخارج مع أخي على أبيك والقائل له:
إن الحمامة يوم الشعب من دثن ... هاجت فؤاد محب دائم الحزن
إنا لنأمل أن ترتد ألفتنا ... بعد التدابر والبغضاء والأحن
حتى يثاب على الإحسان محسننا ... ويأمن الخائف المأخوذ بالدمن
وتنقضي دولة أحكام قادتها ... فينا كأحكام قوم عابدي وثن
فطالما قد بروا بالجور أعظمنا ... بري الصناع قداح النبع بالسفن
قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتنا ... إن الخلافة فيكم يا بني الحسن
لا عز ركناً نزار عند سطوتها ... إن أسلمتك ولا ركناً ذوي يمن
ألست أكرمهم عوداً إذا انتسبوا ... يوماً وأطهرهم ثوباً من الدرن
وأعظم الناس عند الناس منزلة ... وأبعد الناس من عيب ومن وهن
قال: فتغير وجه الرشيد عند استماع هذا الشعر، فابتدأ ابن مصعب يحلف بالله الذي لا إله إلا هو، وبأيمان البيعة أن هذا الشعر ليس له وأنه لسديف.
فقال يحيى: والله يا أمير المؤمنين ما قاله غيره، وما حلفت كاذباً ولا صادقاً بالله قبل هذا، وإن الله إذا مجده العبد في يمينه بقوله: الرحمن الرحيم، الطالب الغالب، استحيى أن يعاقبه، فدعني أحلفه بيمين ما حلف بها أحد قط كاذباً إلا عوجل. قال: حلفه.
قال: قل: برئت من حول الله وقوته، واعتصمت بحولي وقوتي، وتقلدت الحول والقوة من دون الله، استكباراً على الله، واستغناءً عنه، واستعلاءً عليه، أن كنت قلت هذا الشعر.
فامتنع عبد الله من الحلف بذلك، فغضب الرشيد وقال للفضل بن الربيع: يا عباسي ما له لا يحلف إن كان صادقاً؟ هذا طيلساني علي، وهذه ثيابي لو حلفني أنها لي لحلفت. فرفس الفضل بن الربيع عبد الله بن مصعب برجله وصاح به: احلف ويحك - وكان له فيه هوى - فحلف باليمين ووجهه متغير وهو يرعد، فضرب يحيى بين كتفيه ثم قال: يا بن مصعب قطعت والله عمرك، والله لا تفلح بعدها.
فما برح من موضعه حتى أصابه الجذام فتقطع ومات في اليوم الثالث.
فحضر الفضل بن الربيع جنازته، ومشى معها ومشى الناس معه، فلما جاءوا به إلى القبر ووضعوه في لحده وجعل اللبن فوقه، انخسف القبر فهوى به حتى غاب عن أعين الناس، فلم يروا قرار القبر وخرجت منه غبرة عظيمة، فصاح الفضل: التراب التراب، فجعل يطرح التراب وهو يهوي، ودعا بأحمال الشوك فطرحها فهوت، فأمر حينئذٍ بالقبر فسقف بخشب وأصلحه وانصرف منكسراً. فكان الرشيد بعد ذلك يقول للفضل: رأيت يا عباسي، ما أسرع ما أديل ليحيى من ابن مصعب.
فحدثني ابن عمارة قال: حدثني الحسن بن العليل العنزي، قال: حدثني أحمد بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن أبي جهم بن حذيفة بن غانم العدوي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي بكر بن سليمان بن أبي خيثمة، قال: كنت مع إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي فقال لي: أتحب أن أريك الرجل الذي ألقى عبد الله بن مصعب في رحم أمه؟ قلت: نعم فأرنيه فأومأ إلى إنسان سندي على حمار، يكري الحمير بالمدينة، وقال لي: ما زال مصعب بن أبي ثابت يخرج أم عبد الله بن مصعب من بيت هذا أبداً، وكانت سندية اسمها تحفة، فولدت عبد الله فهو أشبه الناس بوردان، فنفاه مصعب بن ثابت عن نفسه، فلم يزل مدة على ذلك، ثم استلاطه بعد ذلك.(1/126)
قال: وقال بعض الشعراء يهجوا مصعب بن عبد الله الزبيري وأخاه بكاراً ويذكر عبد الله بن مصعب:
تدعى حواري الرسول تكذباً ... وأنت لوردان الحمير سليل
ولولا سعايات بآل محمد ... لألفى أبوك العبد وهو ذليل
ولكنه باع القليل بدينه ... فطال له وسط الجحيم عويل
فنال به مالاً وجاهاً ومنكحاً ... وذلك خزي في المعاد طويل
ثم نرجع إلى سياقة الخبر في مقتل يحيى بن عبد الله.
قالوا: ثم جمع له الرشيد الفقهاء وفيهم: محمد بن الحسن صاحب أبي يوسف القاضي، والحسن بن زياد اللؤلؤي، وأبو البختري وهب بن وهب، فجمعوا في مجلس وخرج إليهم مسرور الكبير بالأمان، فبدأ محمد بن الحسن فنظر فيه فقال: هذا أمان مؤكد لا حيلة فيه - وكان يحيى قد عرضه بالمدينة على مالك، وابن الدراوردي وغيرهم، فعرفوه أنه مؤكد لا علة فيه.
قال: فصاح عليه مسرور وقال: هاته، فدفعه إلى الحسن بن زياد اللؤلؤي فقال بصوت ضعيف: هو أمان.
واستلبه أبو البختري وهب بن وهب فقال: هذا باطل منتقض، قد شق عصا الطاعة وسفك الدم فاقتله ودمه في عنقي.
فدخل مسرور إلى الرشيد فأخبره فقال له: اذهب فقل له: خرقه إن كان باطلاً بيدك، فجاءه مسرور فقال له ذلك فقال: شقه يا أبا هاشم.
قال له مسرور: بل شقه أنت إن كان منتقضاً.
فأخذ سكيناً وجعل يشقه ويده ترتعد حتى صيره سيوراً، فأدخله مسرور على الرشيد فوثب فأخذه من يده وهو فرح وهو يقول له: يا مبارك يا مبارك، ووهب لأبي البختري ألف ألف وستمائة ألف، وولاه القضاء، وصرف الآخرين، ومنع محمد بن الحسن من الفتيا مدة طويلة، وأجمع على إنفاذ ما أراده في يحيى بن عبد الله.
قال أبو الفرج الأصبهاني: وقد اختلف في مقتله كيف كان: فحدثني جعفر بن أحمد الوراق، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن عثمان، عن الحسن بن علي، عن عمرو بن حماد، عن رجل كان مع يحيى بن عبد الله في المطبق، قال: كنت قريباً منه فكان في أضيق البيوت وأظلمها، فبينا نحن ذات ليلة كذلك إذ سمعنا صوت الأقفال وقد مضت من الليل هجعة، فإذا هارون قد أقبل على برذون له، ثم وقف وقال: أين هذا؟ يعني يحيى بن عبد الله بن الحسن. قالوا: في هذا البيت. قال علي به فأدنى إليه فجعل هارون يكلمه بشيء لم أفهمه فقال: خذوه، فأخذوه فضرب مائة عصا، ويحيى يناشده الله والرحم والقرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: بقرابتي منك، فيقول: ما بيني وبينك قرابة.
ثم حمل فرد إلى موضعه فقال: كم أجريتم عليه؟ قالوا: أربعة أرغفة وثمانية أرطال ماء.
قال: اجعلوه على النصف.
ثم خرج ومكثنا ليالي ثم سمعنا وقعاً فإذا نحن به دخل فوقف موقفه فقال: علي به، فأخرج ففعل به مثل فعله ذلك، وضربه مائة عصا أخرى، ويحيى يناشده الله، فقال: كم أجريتم عليه؟.
قالوا: رغيفين وأربعة أرطال ماء.
قال: اجعلوه على النصف.
ثم خرج وعاد الثالثة، وقد مرض يحيى بن عبد الله وثقل، فلما دخل قال: علي به، قالوا: هو عليل مدنف لما به.
قال: كم أجريتم عليه؟.
قالوا: رغيفاً ورطلين ماء.
قال: فاجعلوه على النصف.
ثم خرج فلم يلبث يحيى بن عبد الله أن مات، فأخرج إلى الناس، ودفن رضي الله عنه وأرضاه.
وقال ابن عمار في روايته عن إبراهيم بن رياح.
إنه بني عليه اسطوانة بالرافقة وهو حي.
وقال ابن عمار في خبره عن علي بن محمد بن سليمان: إنه دس إليه في الليل من خنقه حتى تلف.
قال: وبلغني أنه سقاه سماً.
وقال علي بن إبراهيم، عن إبراهيم بن بنان الخثعمي، عن محمد بن أبي الخنساء: أنه أجاع السباع ثم ألقاه إليها فأكلته.
فحدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال: حدثني موسى بن عبد الله عن أبيه، ومحمد بن عبيد الله البكري، عن سلمة بن عبد الله بن عبد الرحمن المخزومي، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن حفص العمري، قال: دعينا لمناظرة يحيى بن عبد الله بن الحسن بحضرة الرشيد، فجعل يقول له: اتق الله وعرفني أصحابك السبعين لئلا ينتقض أمانك. وأقبل علينا فقال: إن هذا لم يسم أصحابه، فكلما أردت أخذ إنسان بلغني عنه شيء أكرهه، ذكر أنه ممن أمنت.(1/127)
فقال يحيى: يا أمير المؤمنين، أنا رجل من السبعين فما الذي نفعني من الأمان، أفتريد أن أدفع إليك قوماً تقتلهم معي، لا يحل لي هذا.
قال: ثم خرجنا ذلك اليوم، ودعانا له يوماً آخر، فرأيته أصفر الوجه متغيراً، فجعل الرشيد يكلمه فلا يجيبه، فقال: ألا ترون إليه لا يجيبني، فأخرج إلينا لسانه وقد صار أسود مثل الفحمة، يرينا أنه لا يقدر على الكلام فتغيظ الرشيد وقال: إنه يريكم أني سقيته السم، ووالله لو رأيت عليه القتل لضربت عنقه صبراً.
قال: ثم خرجنا من عنده فما وصلنا في وسط الدار حتى سقط على وجهه لا حراك به.
حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثني يحيى بن الحسن، قال: كان إدريس بن محمد بن يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن، يقول: قتل جدي بالجوع والعطش في الحبس.
وأما حرمي بن أبي العلاء، فحدثنا عن الزبير بن بكار، عن عمه: أن يحيى لما أخذ من الرشيد المائتي ألف دينار قضى بها دين الحسين صاحب فخ، وكان الحسين خلف مائتي ألف دينار ديناً.
تسمية من خرج مع يحيى بن عبد الله
ابن الحسن من أهل العلم والحديث
حدثني علي بن إبراهيم العلوي، حدثنا جعفر بن محمد الفزاري: أن يحيى بن مساور كان ممن خرج مع يحيى بن عبد الله.
حدثني علي بن العباس، قال: حدثنا علي بن أحمد الباني، قال: سمعت عامر بن كثير السراج يحدث محمد بن إبراهيم أنه خرج مع يحيى بن عبد الله بن الحسن.
حدثني أبو عبيد محمد بن أحمد المؤمل الصيرفي، قال: سمعت محمد بن علي بن خلف العطار يقول: خرج سهل بن عامر البجلي مع يحيى بن عبد الله.
كتب إلي علي بن العباس المقانعي، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال: أعطى يحيى بن عبد الله يحيى بن مساور من المال الذي أعطاه هارون ثلاثة بدور، فلما كان بعد ذلك قال يحيى: احتل لي في ألفي درهم قرضاً، فقال له: ابعث برسول ومعه بغل، فوجه إلى يحيى بالثلاث بدور، فقال له ما هذا؟ قال: هذا الذي كنت أعطيتني، علمت أنك ستحتاج إليه، قال له: خذ بعضه، فقال: لا والله ما كان الله ليراني آكل على حبكم درهماً أبداً.
حدثني علي بن إبراهيم العلوي، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم، قال: قال محمد بن يحيى، عن محمد بن عثمان، عن الحسن بن علي، عن علي بن هاشم بن البريد: أن هارون أخذه، وعبد ربه بن علقمة، ومخول بن إبراهيم النهدي، وكانوا من أصحاب يحيى بن عبد الله، فحبسهم جميعاً في المطبق، فمكثوا فيه اثنتي عشرة سنة.
حدثني محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدثنا يحيى بن محمد بن مخول بن إبراهيم، قال: كنت أغمز ساق جدي فقلت له: يا أبي الكبير ما أدق ساقيك! فقال: دققتها يا يحيى قيود هارون في المطبق.
حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن حازم الغفاري، قال: حدثني مخول، قال: حبست أنا، وعبد ربه بن علقمة في المطبق، فمكثنا فيه بضع عشرة سنة. قال: ثم دعاني هارون الرشيد، فمروا بي على عبد ربه بن علقمة، فصاح بي: يا مخول، احذر أن تلقى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وقد شركت في دم ولده، أو دللتهم على أثر يتعلقون به عليه، وإذا مر بك هول من عقوباتهم فاذكر عذاب الله وعقابه يوم القيامة والموت! فإنه يسهل عليك. فوالله لقد صير قلبي مثل زبرة حديد. وأدخلت على هارون فدعا بالسيف والنطع فقال: والله لتدلني على أصحاب يحيى أو لأقطعنك قطعاً.
فقلت يا أمير المؤمنين، أنا رجل سوقة ضعيف، محبوس منذ أربع سنين، من أين أعرف مواضع أصحاب يحيى وقد تفرقوا في البلاد خوفاً منك؟.
فأراد قتلي، فقالوا له: قد صدق فيما ذكر، من أين يعرف مواضع قوم هراب؟ فردني إلى محبسي، فمكثت فيه بضع عشرة سنة.
ومما رثي به يحيى بن عبد الله بن الحسن، أنشدنيه علي بن إبراهيم العلوي:
يا بقعة مات بها سيد ... ما مثله في الأرض من سيد
مات الهدى من بعده والندى ... وسمى الموت به معتدي
فكم حيا حزت من وجهه ... وكم ندى يحيى به المجتدي
لا زلت غيث الله يا قبره ... عليك منه رائح مغتدي
كان لنا غيثاً به نرتوي ... وكان كالنجم به نهتدي
فإن رمانا الدهر عن قوسه ... وخاننا في منتهى السؤدد
فعن قريب نبتغي ثاره ... بالحسني الثائر المهتدي(1/128)
إن ابن عبد الله يحيى ثوى ... والمجد والسؤدد في ملجد
إدريس بن عبد الله
وإدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام وأمه عاتكة بنت عبد الملك بن الحرث الشاعر بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي. وفي خالد بن العاص يقول الشاعر:
لعمرك إن المجد ما عاش خالد ... على الغمر من ذي كندة لمقيم
يعني غمر ذي كندة وهو موضع كان ينزله. وقد ذكره عمر بن أبي ربيعة في شعره فقال:
إذا سلكت غمر ذي كندة ... مع الصبح قصداً لها الفرقد
يمر بك العصران يوم وليلة ... فما أحدثا إلا وأنت كريم
وتندي البطاح البيض من جود خالد ... وتخصب حتى نبتهن عميم
حدثني بخبره أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثني علي بن محمد بن سليمان النوفلي، قال: حدثني أبي وغيره من أهلي، وحدثني به أيضاً علي بن إبراهيم العلوي، قال: كتب إلى محمد بن موسى يخبرني عن محمد بن يوسف عن عبد الله بن عبد الرحيم بن عيسى: أن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن أفلت من وقعة فخ ومعه مولى يقال له راشد فخرج به في جملة حاج مصر وإفريقية. وكان إدريس يخدمه ويأتمر له حتى أقدمه مصر فنزلها ليلاً فجلس على باب رجل من موالي بني العباس فسمع كلامهما وعرف الحجازية فيهما. فقال: أظنكما عربيين. قالا: نعم. قال: وحجازيين. قالا: نعم. فقال له راشد: أريد أن ألقى إليك أمرنا على أن تعاهد الله أنك تعطينا خلة من خلتين: إما أن تؤوينا وتؤمننا، وإما سترت علينا أمرنا حتى نخرج من هذا البلد.
قال: أفعل: فعرفه نفسه وإدريس بن عبد الله، فأواهما وسترهما. وتهيأت قافلة إلى إفريقية فأخرج معها راشداً إلى الطريق وقال له: إن على الطريق مسالح ومعهم أصحاب أخبار تفتش كل من يجوز الطريق، وأخشى أن يعرف، فأنا أمضي به معي على غير الطريق حتى أخرجه عليك بعد مسيرة أيام، وهناك تنقطع المسالح. ففعل ذلك وخرج به عليه فلما قرب من إفريقية ترك القافلة ومضى مع راشد حتى دخل بلد البربر في مواضع منه يقال لها فاس وطنجة، فأقام بها واستجابت له البربر.
وبلغ الرشيد خبره فغمه، فقال النوفلي خاصة في حديثه وخالفه علي بن إبراهيم وغيره فيه، فشكا ذلك إلى يحيى بن خالد، فقال: أنا أكفيك أمره. ودعا سليمان بن جرير الجزري، وكان من متكلمي الزيدية البترية ومن أولى الرياسة فيهم، فأرغبه ووعده عن الخليفة بكل ما أحب على أن يحتال لإدريس حتى يقتله، ودفع إليه غانية مسمومة، فحمل ذلك وانصرف من عنده، فأخذ معه صاحباً له، وخرج يتغلغل في البلدان حتى وصل إلى إدريس بن عبد الله فمت إليه بمذهبه وقال: إن السلطان طلبني لما يعلمه من مذهبي، فجئتك. فأنس به واجتباه. وكان ذا لسان وعارضة، وكان يجلس في مجلس البربر فيحتج للزيدية ويدعو إلى أهل البيت كما كان يفعل، فحسن موقع ذلك من إدريس إلى أن وجد فرصة لإدريس فقال له: جعلت فداك، هذه قارورة غالية حملتها إليك من العراق، ليس في هذا البلد من هذا الطيب شيء. فقبلها وتغلل بها وشمها، وانصرف سليمان إلى صاحبه، وقد أعد فرسين، وخرجا يركضان عليهما. وسقط إدريس مغشياً عليه من شدة السم فلم يعلم من بقربه ما قصته. وبعثوا إلى راشد مولاه فتشاغل به ساعة يعالجه وينظر ما قصته، فأقام إدريس في غشيته هاته نهاره حتى قضي عشياً، وتبين راشد أمر سليمان فخرج في جماعة يطلبه فما لحقه غير راشد وتقطعت خيل الباقين، فلما لحقه ضربه ضربات منها على رأسه ووجهه، وضربة كتعت أصابع يديه وكان بعد ذلك مكتعاً.
هذه رواية النوفلي.
وذكر علي بن إبراهيم، عن محمد بن موسى: أن الرشيد وجه إليه الشماخ مولى المهدي، وكان طبيباً، فأظهر له أنه من الشيعة وأنه طبيب، فاستوصفه فحمل إليه سنوناً وجعل فيه سماً، فلما استن به جعل لحم فيه ينتثر وخرج الشماخ هارباً حتى ورد مصر. وكتب ابن الأغلب إلى الرشيد بذلك، فولى الشماخ بريد مصر وأجازه.
حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال: حدثني داود بن القاسم الجعفري: أن سليمان بن جرير أهدى إلى إدريس سمكة مشوية مسمومة فقتله، رضوان الله عليه ورحمته.(1/129)
قالوا: وقال رجل من أولياء بني العباس يذكر قتل إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام.
أتظن يا إدريس أنك مفلت ... كيد الخليفة أو يقيك فرار
فليدركنك أو تحل ببلدةٍ ... لا يهتدي فيها إليك نهار
إن السيوف إذا انتضاها سخطه ... طالت وتقصر دونها الأعمار
ملك كأن الموت يتبع أمره ... حتى يقال تطيعه الأقدار
قال ابن عمار: وهذا الشعر عندي يشبه شعر أشجع بن عمرو السلمي، وأظنه له.
قال أبو الفرج الأصبهاني: هذا الشعر لمروان بن أبي حفصة، أنشدنيه علي بن سليمان الأخفش له.
قالوا: ورجع راشد إلى الناحية التي كان بها إدريس مقيماً فدفنه، وكان له حمل فقام له راشد بأمر المرأة حتى ولدت، فسماه باسم أبيه إدريس، وقام بأمر البربر حتى كبر ونشأ فولى أمرهم أحسن ولاية.
وكان فارساً شجاعاً جواداً شاعراً، وأنا أذكر خبره في موضعه من هذا الباب إن شاء الله تعالى.
عبد الله بن الحسن
وعبد الله بن الحسن بن علي بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام وهو الذي يقال له ابن الأفطس.
ويكنى أبا محمد.
وأمه أم سعيد بنت سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف.
حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال: حدثني عبد الله بن الحسين بن زيد، قال: حدثني من رأى عبد الله بن الحسن بن الأفطس يوم فخ متقلداً سيفين يقاتل بهما.
حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى، قال: سمعت عبد الله بن حمزة يحكي عمن شهد ذلك، قال: ما كان أحد أشد غناء من عبد الله بن الحسن بن علي بن علي.
حدثني أحمد، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عمر: أن الحسين صاحب فخ أوصى إلى عبد الله بن الحسن بن علي بن علي أن حدث به حدث فالأمر إليه.
ذكر الخبر عن مقتله حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثني النوفلي عن أبيه، قال: كان الرشيد مغري بالمسألة عن أمر آل أبي طالب، وعمن له ذكر ونباهة منهم فسأل يوماً الفضل بن يحيى هل سمعت بخراسان ذكراً يحد منهم؟.
قال: لا والله ولقد جهدت فما ذكر لي أحد منهم، إلا أني سمعت رجلاً يقول وذكر موضعاً، فقال: ينزل فيه عبد الله بن الحسن بن علي، ولم يزد على هذا.
فوجه الرشيد من وقته إلى المدينة فأخذ فجيء به، فلما أدخل عليه قال له: بلغني أنك تجمع الزيدية وتدعوهم إلى الخروج معك.
قال قال: نشدتك بالله يا أمير المؤمنين في دمي، فوالله ما أنا من هذه الطبقة ولا لي فيهم ذكر، وإن أصحاب هذا الشأن بخلافي، أنا غلام نشأت بالمدينة، وفي صحاريها أسعى على قدمي، وأتصيد بالبواشيق ما هممت بغير ذلك قط.
قال: صدقت، ولكني أنزلك داراً، وأوكل بك رجلاً واحداً يكون معك ولا يحجبك أحد يدخل عليك، وإن أردت أن تلعب بالحمام فافعل.
فقال: يا أمير المؤمنين، نشدتك بالله في دمي، فوالله لئن فعلت ذلك بي لأوسوسن وليذهبن عقلي.
فلم يقبل ذلك منه وحبسه، فلم يزل يحتال لأن تصل رقعته إلى الرشيد حتى قدر على ذلك، فأنفذ إليه رقعة مختومة فيها كل كلام قبيح وشتم شنيع، فلما قرأها طرحها وقال: قد ضاق صدر هذا الفتى فهو يتعرض للقتل، وما يحملني فعله ذلك على قتله. ثم دعا جعفر بن يحيى فأمره أن يحوله إليه ويوسع عليه في محبسه.
فلما كان يوم غد، وهو يوم نيروز، قدمه جعفر بن يحيى فضرب عنقه، وغسل رأسه وجعله في منديل، وأهداه إلى الرشيد مع هدايا، فقبلها وقدمت إليه فلما نظر إلى الرأس أفظعه فقال له: ويحك لم فعلت هذا؟.
قال: لإقدامه على ما كتب به إلى أمير المؤمنين، وبسط يده ولسانه بما بسطهما.
قال: ويحك فقتلك إياه بغير أمري أعظم من فعله. ثم أمر بغسله ودفنه.
فلما كان من أمره ما كان في أمر جعفر قال لمسرور: إذا أردت قتله فقل له: هذا بعبد الله بن الحسن بن عمي الذي قتلته بغير أمري. فقالها مسرور عند قتله إياه.
محمد بن يحيى بن عبد الله
ومحمد بن يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام وأمه خديجة بنت إبراهيم بن طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي.
حبسه بكار بن عبد الله الزبيري، فمات في حبسه.(1/130)