فحدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: قال أحمد بن الحارث، عن عمر بن خلف الباهلي، عن بعض الطالبيين، قال: لما قتل أصحاب فخ جلس موسى بن عيسى بالمدينة، وأمر الناس بالوقيعة على آل أبي طالب، فجعل الناس يوقعون عليهم حتى لم يبق أحد، فقال بقي أحد.
قيل له: موسى بن عبد الله. وأقبل موسى بن عبد الله على أثر ذلك، وعليه مدرعة وإزار غليظ، وفي رجليه نعلان من جلود الإبل، وهو أشعث أغبر حتى قعد مع الناس ولم يسلم عليه، وإلى جنبه السري بن عبد الله من ولد الحرث بن العباس بن عبد المطلب، فقال لموسى بن عيسى: دعني أكشف عليه باله، وأعرفه نفسه.
قال: أخافه عليك. قال: دعني، فأذن له فقال له: يا موسى.
قال: أسمعت فقل.
قال: كيف رأيت مصارع البغي الذي لا تدعونه لبني عمكم المنعمين عليكم.
فقال موسى أقول في ذلك:
بني عمنا ردوا فضول دمائنا ... ينم ليلكم أو لا يلمنا اللوائم
فإنا وإياكم وما كان بيننا ... كذي الدين يقضي دينه وهو راغم
فقال السري: والله ما يزيدكم البغي إلا ذلة، ولو كنتم مثل بني عمكم سلمتم - يعني موسى بن جعفر - وكنتم مثله، فقد عرف حق بني عمه وفضلهم عليه، فهو لا يطلب ما ليس له.
فقال له موسى بن عبد الله:
فإن الأولى تثني عليهم تعيبني ... أو لاك بنو عمي وعمهم أبي
فإنك إن تمدحهم بمديحة ... تصدق وإن تمدح أباك تكذب
قالوا: ولما بلغ العمري وهو بالمدينة قتل الحسين بن علي صاحب فخ عمد إلى داره ودور أهله فحرقها، وقبض أموالهم ونخلهم، فجعلها في الصوافي المقبوضة.
ذكر من خرج مع الحسين صاحب فخ حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: قال أحمد الحارث الخراز، حدثني المدائني قال: خرج مع الحسين صاحب فخ من أهل بيته: يحيى، وسليمان، وإدريس، بنو عبد الله بن الحسن بن الحسن، وعلي بن إبراهيم بن الحسن بمكة، وإبراهيم بن إسماعيل طباطبا، والحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن، وعبد الله وعمر ابنا إسحاق بن الحسن بن علي بن الحسين. وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن.
هؤلاء من ذكره المدائني وقد ذكرت في صدر خبر الحسين أسماء من خرج معه من أهله وفيهم زيادة على هذا كرهنا إعادتها.
حدثني علي بن إبراهيم العلوي، قال: حدثني جعفر بن محمد بن سابور، قال: حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثني يحيى بن الحسن بن فرات، قال: حدثنا سعيد بن خيثم، قال: كنت مع الحسين صاحب فخ، أن، وعلي بن هشام بن البريد، ويحيى بن يعلى.
حدثني علي بن إبراهيم قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري، قال: حدثني علي بن أحمد الباني، قال: سمعت محمد بن إبراهيم صاحب أبي السرايا بالكوفة يقول لعامر بن كثير السراج: خرجت مع الحسين بن علي صاحب فخ؟ قال: نعم.
حدثنا علي بن العباس، قال: حدثنا الحسن بن محمد، عن أحمد بن كثير الذهبي، قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق القطان، قال سمعت الحسين بن علي، ويحيى بن عبد الله يقولان.
ما خرجنا حتى شاورنا أهل بيتنا، وشاورنا موسى بن جعفر فأمرنا بالخروج.
حدثنا علي بن العباس، قال: حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا ابن أبي ليلى محمد بن عمران، قال: حدثني نصر الخفاف، قال: أصابتني ضربة وأنا مع الحسين بن علي صاحب فخ فبرت اللحم والعظم، فبت ليلتي أعوي منها، وأنا أخاف أن يجيئوني فيأخذوني إذا سمعوا الصوت، فغلبتني عيني فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وقد جاء فأخذ عظماً فوضعه على عضدي، فأصبحت وما أجد من الوجع قليلاً ولا كثيراً.
حدثني أحمد بن عبيد الله، عن الخراز، عن المدائني، عن عمر بن مساور الأهوازي، قال: أخبرني جماعة من موالي محمد بن سليمان: أنه لما حضرته الوفاة جعلوا يلقنونه الشهادة وهو يقول:
ألا ليت أمي لم تلدني ولم أكن ... لقيت حسيناً يوم فخ ولا الحسن
فجعل يرددها حتى مات.
قال أبو الفرج الأصبهاني: حكى هذه الحكاية بعض مشايخنا على هذا وخالف في روي البيت وقال فيه:
ألا ليت أمي لم تلدني ... ولم أشهد حسيناً يوم فخ
قال: وكان محمد إذا رأى أخاه جعفراً يئن وينشد هذا البيت:
ألا ليت أمي لم تلدني ... ولم أشهد حسيناً يوم فخ(1/121)
ومما رثى به الحسين بن علي من الشعر: حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن العلوي، قال: قال عيسى بن عبد الله يرثي الحسين صاحب فخ:
فلآبكين على الحسين ... بعولة وعلى الحسن
وعلى ابن عاتكة الذي ... أثووه ليس بذي كفن
تركوا بفخ غدوة ... في غير منزلة الوطن
كانوا كراماً فانقضوا ... لا طائشين ولا جبن
غسلوا المذلة عنهم ... غسل الثياب من الدرن
هدى العباد بجدهم ... فلهم على الناس المنن
فحدثني علي بن أبي إبراهيم العلوي عن نفسه، أو رواه عن غيره، أنا أشك، قال: رأيت في النوم رجلاً يسألني أن أنشده هذه الأبيات فأنشدته إياها فقال لي زد فيها:
قوم كرام سادة ... منهم ومن هم ثم من
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: قال أحمد بن الحارث، وحدثني المدائني، قال: حدثني أبو صالح الفزاري، قال: سمع على مياه غطفان كلها ليلة قتل الحسين صاحب فخ هاتف يهتف ويقول:
ألا يا لقوم للسواد المصبح ... ومقتل أولاد النبي ببلدح
لبيك حسيناً كل كهل وأمرد ... من الجن إن لم يبكك من الأنس نوح
فإني لجني وإن معرسي ... لبلبرقة السوداء من دون زحزح
فسمعها الناس لا يدرون ما الخبر حتى أتاهم قتل الحسين.
أنشدني أحمد بن عبد الله بن عمار، قال: أنشدني عمر بن شبة، قال: أنشدني سليمان بن داود بن علي العباسي لأبيه يرثي من قتل بفخ.
وأنشدنيها أحمد بن سعيد، قال: أنشدنا يحيى بن الحسن، قال: أنشدني موسى بن داود السلمي لأبيه يرثيهم، فلا أدري الوهم ممن هو:
يا عين أبكي بدمع منك منهتن ... فقد رأيت الذي لاقى بنو حسن
صرعى بفخ تجر الريح فوقهم ... أذيالها وغوادي الدلج المزن
حتى عفت أعظم لو كان شاهدها ... محمد ذب عنها ثم لم تهن
ماذا يقولون والماضون قبلهم ... على العداوة والبغضاء والأحن
ماذا يقولون إن قال النبي لهم: ... ماذا صنعتم بنا في سالف الزمن؟
لا الناس من مضر حاموا ولا غضبوا ... ولا ربيعة والأحياء من يمن
يا ويحهم كيف لم يرعوا لهم حرماً ... وقد رعى الفيل حق البيت ذي الركن
أيام الرشيد
هارون بن المهدي بن أبي جعفر المنصور ومن قتل منهم فيها
يحيى بن عبد الله بن الحسن
يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ويكنى أبا الحسن.
وأمه قريبة بنت عبد الله. وهو ذبيح بن أبي عبيدة بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي.
وهي بنت أخي هند بنت أبي عبيدة.
وكان حسن المذهب والهدى، مقدماً في أهل بيته، بعيداً مما يعاب على مثله.
وقد روى الحديث وأكثر الرواية عن جعفر بن محمد. وروى عن أبيه، وعن أخيه محمد، وعن أبان بن تغلب.
وروى عنه مخول بن إبراهيم، وبكار بن زياد، ويحيى بن مساور، وعمرو بن حماد.
وأوصى إليه جعفر بن محمد لما حضرته الوفاة، وإلى أم موسى، وإلى أم ولد، فكان يلي أمر تركاته والأصاغر من ولده، جارياً على أيديهم.
حدثني علي بن إبراهيم العلوي، قال: حدثنا الحسين بن علي بن هاشم المزني، قال: حدثنا سعيد بن عثمان، قال: حدثنا بكار بن زياد، عن يحيى بن عبد الله بن الحسن، قال: قال الحسن بن محمد المزني، وحدثني حرب بن الحسن الطحان، قال: حدثني بعض أصحابنا، قال: سمعنا يحيى بن عبد الله بن الحسن يقول: أوصى إلي جعفر بن محمد، وإلى موسى، وإلى أم ولد كانت له، فأينا كان الوصي.
حدثنا علي بن العباس، قال: حدثنا الحسن بن علي بن هاشم، قال: حدثني علي بن حسان عن عمه عبد الرحمن بن كثير، قال: كان جعفر بن محمد قد ربى يحيى بن عبد الله بن الحسن، فكان يحيى يسميه حبيبي، وكان إذا حدث عنه قال: حدثني حبيبي جعفر بن محمد.
حدثني علي، قال حدثنا الحسن بن هاشم، قال حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثني إسماعيل بن موسى الفزاري، قال:(1/122)
رأيت يحيى بن عبد الله بن الحسن جاء إلى مالك بن أنس بالمدينة فقام له عن مجلس وأجلسه إلى جنبه.
قال: ورأيته بالسوق أو بغيره من طريق مكة.
وكان قصيراً، آدم، حسن الوجه والجسم، تعرف سلالة الأنبياء في وجهه، رضوان الله عليه ورحمته.
ذكر الخبر عن مقتله حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثني علي بن محمد بن سليمان النوفلي عن أبيه، قال: وحدثني أيضاً أحمد بن سليمان بن أبي شيخ، وهاشم بن أحمد البغوي وغيرهم. وحدثني علي بن إبراهيم العلوي، قال: كتب إلي محمد بن حماد يذكر أن محمد بن إسحاق البغوي حدثه عن أبيه وغيره من مشايخه، وحدثني علي بن إبراهيم، قال: كتب إلي إبراهيم بن بنان الخثعمي يذكر عن محمد بن أبي الخنساء. وقد جمعت روايتهم في خبر يحيى إلا ما عسى أن يكون من خلاف بينهم فأفرده وأذكر رواته.
قالوا: إن يحيى بن عبد الله بن الحسن لما قتل أصحاب فخ كان في قبلهم، فاستتر مدة يجول في البلدان، ويطلب موضعاً يلجأ إليه، وعلم الفضل بن يحيى بمكانه في بعض النواحي فأمر بالانتقال عنه وقصد الديلم، وكتب له منشوراً لا يتعرض له أحد.
فمضى متنكراً حتى ورد الديلم، وبلغ الرشيد خبره وهو في بعض الطريق، فولى الفضل بن يحيى نواحي المشرق، وأمره بالخروج إلى يحيى.
فحدثني علي بن إبراهيم العلوي، قال: كتب إلي موسى بن محمد بن حماد يخبرني أن محمد بن يوسف حدثه عن عبد الله بن خوات، عن جعفر بن يحيى الأحول عن إدريس بن زيد، قال: عرض رجل للرشيد فقال: يا أمير المؤمنين نصيحة.
فقال لهرثمة: اسمع ما يقول.
قال: إنها من أسرار الخلافة. فأمره ألا يبرح، فلما كان في وقت الظهيرة دعا به فقال: اخلني، فالتفت الرشيد إلى ابنيه فقال: انصرفا فانصرفا، وبقي خاقان، والحسن على رأسه فنظر الرجل إليهما، فقال الرشيد: تنحيا عني، ففعلا، ثم أقبل على الرجل فقال: هات ما عندك.
قال:: على أن تؤمنني من الأسود والأحمر.
قال: نعم، وأحسن إليك.
قال: كنت في خان من خانات حلوان، فإذا أنا بيحيى بن عبد الله في دراعة صوف غليظة وكساء صوف أحمر غليظ، ومعه جماعة ينزلون إذا نزل ويرتحلون إذا رحل ويكونون معه ناحية، فيوهمون من رآهم أنهم لا يعرفونه وهم أعوانه، مع كل واحد منهم منشور بياض يؤمن به إن عرض له.
قال: أو تعرف يحيى؟ قال: قديماً وذاك الذي حقق معرفتي بالأمس له.
قال: فصفه لي.
قال: مربوع، أسمر، حلو السمرة، أجلح، حسن العينين، عظيم البطن.
قال: هو ذاك. فما سمعته يقول؟ قال ما سمعته يقول شيئاً، غير أني رأيته ورأيت غلاماً له أعرفه، لما حضر وقت صلاته فأتاه بثوب غسيل فألقاه في عنقه ونزع جبته الصوف ليغسلها، فلما كان بعد الزوال صلى صلاة ظننتها العصر، أطال في الأولتين وحذف الأخيرتين.
فقال له الرشيد: لله أبوك، لجاد ما حفظت، تلك صلاة العصر وذلك وقتها عند القوم، أحسن الله جزاءك، وشكر سعيك فما أنت؟ وما أصلك؟.
فقال: أنا رجل من أبناء هذه الدولة، وأصلي مرو، ومنزلي بمدينة السلام.
فأطرق ملياً ثم قال: كيف احتمالك لمكروه مني تمتحن به في طاعتي؟ قال: أبلغ في ذلك حيث أحب أمير المؤمنين.
قال: كن بمكانك حتى أرجع، فقام فطعن في حجرة كانت خلفه، فأخرج صرة فيها ألف دينار، فقال: خذ هذه ودعني وما أدبر فيك، فأخذها الرجل وضم عليها ثوبه، ثم قال: يا غلام، فأجابه مسرور، وخاقان، والحسين فقال: اصفعوا ابن اللخناء. فصفعوه نحو مائة صفعة، فخفى الرجل بذلك، ولم يعلم أحد بما كان ألقى إليه الرجل، وظنوا أنه ينصح بغير ما يحتاج إليه، لما جرى عليه من المكروه، حتى كان من الرشيد ما كان في أمر البرامكة فأظهر ذلك.
رجع الحديث إلى سياقة خبر يحيى.
قالوا: فلما علم الفضل بمكان يحيى بن عبد الله كتب إلى يحيى: إني أحب أن أحدث بك عهداً، وأخشى أن تبتلى بي وأبتلى بك، فكاتب صاحب الديلم، فإني قد كاتبته لك لتدخل في بلاده فتمتنع به.
ففعل ذلك يحيى.
وكان قد صحبه جماعة من أهل الكوفة، فيهم ابن الحسن بن صالح بن حي، كان يذهب مذهب الزيدية البترية في تفضيل أبي بكر وعمر وعثمان في ست سنين من إمارته ويكفره في باقي عمره، ويشرب النبيذ ويمسح على الخفين، وكان يخالف يحيى في أمره ويفسد أصحابه.
قال يحيى بن عبد الله:(1/123)
فأذن المؤذن يوماً وتشاغلت بطهوري، وأقيمت الصلاة فلم ينتظرني وصلى بأصحابي، فخرجت فلما رأيته يصلي قمت أصلي ناحية ولم أصل معه؛ لعلمي أنه يمسح على الخفين، فلما صلى قال لأصحابه: علام نقتل أنفسنا مع رجل لا يرى الصلاة معنا، ونحن عنده في حال من لا يرضى مذهبه؟.
قال: وأهديت إلي شهدة في يوم من الأيام وعندي قوم من أصحابي، فدعوتهم إلى أكلها، فدخل في أثر ذلك فقال: هذه الأثرة، أتأكله أنت وبعض أصحابك دون بعض؟.
فقلت له: هذه هدية أهديت إلي، وليست من الفيء الذي لا يجوز هذا فيه.
فقال لا: ولكنك لو وليت هذا الأمر لاستأثرت ولم تعدل.
وأفعال مثل هذا من الاعتراض.
وولى الرشيد الفضل بن يحيى جمع كور المشرق وخراسان، وأمره بقصد يحيى والخديعة به، وبذل له الأموال والصلة إن قبل ذلك، فمضى الفضل فيمن ندب معه، وراسل يحيى بن عبد الله فأجابه إلى قبوله، لما رأى من تفرق أصحابه، وسوء رأيهم فيه، وكثرة خلافهم عليه، إلا أنه لم يرض الشرائط التي شرطت له، ولا الشهود الذين شهدوا عليه، وكتب لنفسه شروطاً، وسمى شهوداً، وبعث بالكتاب إلى الفضل، فبعث به إلى الرشيد فكتب له على ما أراد، وأشهد له من التمس.
فحدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار، وأبو عبيد الصيرفي، قالا: حدثنا محمد بن علي بن خلف، قال: حدثني بعض الحسنيين، عن عبيد الله بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن، قال: قال عبد الله بن موسى: أتيت عمي يحيى بن عبد الله بعد انصرافه من الديلم وبعد الأمان فقلت: يا عم، ما بعدي مخبر ولا بعدك مخبر، فأخبرني بما لقيت.
فقال: ما كنت إلا كما قال حيي بن أخطب اليهودي:
لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ... ولكن من لا ينصر الله يخذل
فجاهد حتى أبلغ النفس عذرها ... وقلقل يبغي العز كل مقلقل
رجع الحديث إلى سياقة خبر يحيى بن عبد الله.
قالوا: فلما جاء الفضل إلى بلاد الديلم قال يحيى بن عبد الله: اللهم اشكر لي إخافتي قلوب الظالمين، اللهم إن تقض لنا النصر عليهم فإنما نريد إعزاز دينك، وإن تقض لهم النصر فيما تختار لأوليائك وأبناء أوليائك من كريم المآب وسني الثواب.
فبلغ ذلك الفضل فقال: يدعو الله أن يرزقه السلامة، فقد رزقها.
قالوا: فلما ورد كتاب الرشيد على الفضل وقد كتب الأمان على ما رسم يحيى وأشهد الشهود الذين التمسهم، وجعل الأمان على نسختين إحداهما مع يحيى والأخرى معه، شخص يحيى مع الفضل حتى وافى بغداد ودخلها معادله في عمارية على بغل، فقال مروان بن أبي حفصة:
وقالوا الطالقان يجن كنزاً ... سيأتينا به الدهر المديل
فأقبل مكذباً لهم بيحيى ... وكنز الطالقان له وزميل
فحدثني علي بن إبراهيم العلوي، عن محمد بن موسى بن حماد، قال: حدثني محمد بن إسحاق البغوي، قال: حدثني أبي، قال: كنا مع يحيى بن عبد الله بن الحسن فسأله رجل كان معنا كيف تخيرت الدخول إلى الديلم من بين النواحي؟.
قال: إن الديلم معنا خرجة فطمعت أن تكون معي.
رجع الحديث إلى سياقة الخبر.
قالوا: فلما قدم يحيى أجازه الرشيد بجوائز سنية يقال إن مبلغها مائتا ألف دينار، وغير ذلك من الخلع والحملان، فأقام على ذلك مدة وفي نفسه الحيلة على يحيى والتفرغ له، وطلب العلل عليه وعلى أصحابه، حتى أخذ رجلاً يقال له: فضالة بلغه أنه يدعو إلى يحيى فحبسه، ثم دعا به فأمره أن يكتب إلى يحيى بأنه قد أجابه جماعة من القواد وأصحاب الرشيد ففعل ذلك، وجاء الرسول إلى يحيى فقبض عليه وجاء به إلى يحيى بن خالد فقال له: هذا جاءني بكتاب لا أعرفه، ودفع الكتاب إليه، فطابت نفس الرشيد لذلك، وحبس فضالة هذا، فقيل له: إنك تظلمه في حبسك إياه.
فقال: أنا أعلم ذلك، ولكن لا يخرج وأنا حي أبداً.
قال فضالة: فلا والله ما ظلمني لقد كنت عهدت إلى يحيى إن جاءه مني كتاب ألا يقبله وأن يدفع الرسول إلى السلطان، وعلمت أنه سيحتال عليه بي.
قالوا: فلما تبين يحيى بن عبد الله ما يراد به استأذن في الحج فأذن له.
وقال علي بن إبراهيم في حديثه: لم يستأذن في الحج، ولكنه قال للفضل ذات يوم: اتق الله في دمي، واحذر أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم خصمك غداً في فرق له وأطلقه.(1/124)
وكان على الفضل عين للرشيد قد ذكر ذلك له، فدعا بالفضل وقال: ما خبر يحيى بن عبد الله؟.
قال: في موضعه عندي مقيم.
قال: وحياتي! قال: وحياتك إني أطلقته، سألني برحمه من رسول الله فرققت له.
قال: أحسنت، قد كان عزمي أن أخلي سبيله.
فلما خرج أتبعه طرفه وقال: قتلني الله إن لم أقتلك.
قالوا: ثم إن نفراً من أهل الحجاز تحالفوا على السعاية بيحيى بن عبد الله بن الحسن والشهادة عليه بأنه يدعو إلى نفسه، وأن أمانه منتقض، فوافق ذلك ما كان في نفس الرشيد له، وهم: عبد الله بن مصعب الزبيري، وأبو البختري وهب بن وهب، ورجل من بني زهرة، ورجل من بني مخزوم. فوافوا الرشيد لذلك واحتالوا إلى أن أمكنهم ذكرهم له، فأشخصه الرشيد إليه وحبسه عند مسرور الكبير في سرداب، فكان في أكثر الأيام يدعو به فيناظره، إلى أن مات في حبسه رضوان الله عليه.
واختلف الناس في أمره، وكيف كانت وفاته، وسأذكر ذلك في موضعه.
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثنا أحمد بن سليمان بن أبي شيخ، عن أبيه، وعن غيره: أن الرشيد دعا بيحيى يوماً فجعل يذكر ما رفع إليه في أمره، وهو يخرج كتباً كانت في يده حججاً له، فيقرؤها الرشيد وأطراف الكتب في يد يحيى، فتمثل بعض من حضر:
أنى أتيح له حرباء تنصبةٍ ... لا يرسل الساق إلا مرسلاً ساقاً
فغضب الرشيد من ذلك وقال للمتمثل: أتؤيده وتنصره؟ قال: لا، ولكني شبهته في مناظرته واحتجاجه بقول هذا الشاعر.
ثم أقبل عليه فقال: دعني من هذا، يا يحيى أينا أحسن وجهاً أنا وأنت.
قال: بل أنت يا أمير المؤمنين، إنك لأنصع لوناً وأحسن وجهاً.
قال: فأينا أكرم وأسخى، أنا أو أنت؟.
فقال: وما هذا يا أمير المؤمنين، وما تسألني عنه، أنت تجبي إليك خزائن الأرض وكنوزها، وأنا أتمحل معاشي من سنة إلى سنة.
قال: فأينا أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا أو أنت؟.
قال: قد أجبتك عن خطتين، فاعفني من هذه! قال:لا والله. قال: بل فاعفني، فحلف بالطلاق والعتاق ألا يعفيه.
فقال: يا أمير المؤمنين لو عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطب إليك ابنتك أكنت تزوجه؟.
قال: إي والله! قال: فلو عاش فخطب إلي أكان يحل لي أن أزوجه؟.
قال: لا قال: فهذا جواب ما سألت.
فغضب الرشيد وقام من مجلسه، وخرج الفضل بن ربيع وهو يقول: لوددت أني فديت هذا المجلس بشطر ما أملكه.
قالوا: ثم رده إلى محبسه في يومه ذلك.
ثم دعا به وجمع بينه وبين عبد الله بن مصعب الزبيري ليناظر فيما رفع إليه، فجبهه ابن مصعب بحضرة الرشيد وقال له: نعم يا أمير المؤمنين إن هذا دعاني إلى بيعته.
قال له يحيى: يا أمير المؤمنين، أتصدق هذا وتستنصحه؟ وهو ابن عبد الله بن الزبير الذي أدخل أباك وولده الشعب وأضرم عليهم النار حتى تخلصه أبو عبد الله الجدلي صاحب علي بن أبي طالب منه عنوة.
وهو الذي بقي أربعين جمعة لا يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته حتى التاث عليه الناس، فقال: إن له أهل بيت سوء إذا صليت عليه أو ذكرته أتلعوا أعناقهم وأشرأبوا لذكره وفرحوا بذلك فلا أحب أن أقر عينهم بذكره.
وهو الذي فعل بعبد الله بن العباس ما لا خفاء به عليك حتى لقد ذبحت يوماً عنده بقرة فوجدت كبدها قد نقبت فقال ابنه علي بن عبد الله: يا أبة أما ترى كبد هذه البقرة؟.
فقال: يا بني، هكذا ترك ابن الزبير كبد أبيك، ثم نفاه إلى الطائف، فلما حضرته الوفاة قال لعلي ابنه: يا بني، ألحق بقومك من بني عبد مناف بالشام، ولا تقم في بلد لابن الزبير فيه إمرة. فاختار له صحبة يزيد بن معاوية على صحبة عبد الله بن الزبير.
ووالله إن عداوة هذا يا أمير المؤمنين لنا جميعاً بمنزلة سواء، ولكنه قوى علي بك، وضعفت عنك، فتقرب بي إليك، ليظفر منك بما يريد، إذ لم يقدر على مثله، منك، وما ينبغي لك أن تسوغه ذلك في، فإن معاوية بن أبي سفيان، وهو أبعد نسباً منك إلينا، ذكر يوماً الحسن بن علي فسفهه فساعده عبد الله بن الزبير على ذلك، فزجره معاوية وانتهره فقال: إنما ساعدتك يا أمير المؤمنين! فقال: إن الحسن لحمي آكله. ولا أوكله.(1/125)