حدثنا علي بن إبراهيم، قال: حدثنا جعفر بن محمد، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال: أخبرني يحيى بن سليمان، قال: اشترى لحسين بن علي صاحب فخ ثوبان فكسا أبا حمزة، وكان يخدمه، ثوباً منها، وارتدى هو بثوب، فأتاه سائل وهو ذاهب إلى المسجد فسأله، فقال: أعطه يا أبا حمزة ثوبك، قال: فقلت له: أمشي بغير رداء. فلم يزل بي حتى أعطيته، ثم مشى السائل معهحتى إذا أتى منزله نزع رداءه وقال ائتزر برداء أبي حمزة وارتد بهذا، فتبعته فاشتريت الثوبين منه بدينارين وأتيته بهما، فقال: بكم اشتريتهما؟ قلت: بدينارين، فأرسل إلى السائل يدعوه، فقلت له: امرأتي طالق إن رددتهما عليه أو دعوته، فحين حلفت تركه.
حدثني علي بن إبراهيم، قال: حدثنا جعفر بن أحمد، قال: حدثني هاشم بن قريش، قال: أتى رجل الحسين بن علي صاحب فخ فسأله، فقال: ما عندي شيء أعطيكه ولكن اقعد فإن حسناً أخي يجيء فيسلم علي فإذا جاء فقم فخذ الحمار، فلم يكن أسرع من أن جاء الحسن فنزل عن الحمار وقاده الغلام، وكان الحسن مكفوفاً فأشار الحسين إلى الرجل أن قم فخذ الحمار، فجاء إليه ليأخذه فمنعه الغلام، فأشار إليه الحسين أن يدفعه إليه فدفعه غليه، فمضى الرجل وقعد الحسن عنده فتحدث ما شاء الله ثم وثب فقال يا غلام قدم الحمار، فقال: جعلت فداك، أمرني أخوك أن أدفعه إلى رجل فدفعته إليه، فأدار وجهه إلى أخيه وقال: جعلت فداك، أعرت أم وهبت؟ بل والله ما أرى مثلك يعير، يا غلام قدني.
حدثني علي بن إبراهيم، قال: حدثنا الحسن بن علي بن هشام، قال: حدثنا محمد بن مروان، قال: حدثني حمدون القرا، قال: ركب الحسين بن علي صاحب فخ دين كثير فقال لغرمائه: الحقوني إلى باب المهدي، وخرج فجاء إلى باب المهدي فقال لآذنه: ابن عمك الينبعي على الباب، قال: وكان راكباً على جمل، فقال له ويلك، أدخله على جمله، فأدخله حتى أناخه في وسط الدار، فوثب المهدي فسلم عليه وعانقه وأجلسه إلى جنبه، وجعل يسأل عن أهله، ثم قال: يابن عم، ما جاء بك؟ قال: ما جئت وورائي أحد يعطيني درهماً، قال: أفلا تكتب إلينا، قال: أحببت أن أحدق بك عهداً، فدعا المهدي ببدرة دنانير، وبدرة دراهم، وتخت من ثياب حتى دعا له بعشر بدر دنانير، وعشر بدر درهم وعشرة تخوت فدفعها إليه، وخرج فطرح ذلك في دار ببغداد، وجاء غرماؤه فكان يقول للواحد: كم لك علينا؟ فيقول: كذا وكذا، فيزن له، ثم يدخل يده في تلك الدراهم والدنانير فيقول: هذا صلة منا لك، فلم يزل حتى لم يبق من ذلك المال إلا شيء يسير، ثم انحدر إلى الكوفة يريد المدينة فنزل قصر ابن هبيرة في خان، فقيل لصاحب الخان: هذا رجل من ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ له سمكاً فشواه وجاء به ومعه رقاق وقال له: لم أعرفك يابن رسول الله، فقال لغلامه: كم بقى معك من ذلك المال؟ قال: شيء يسير والطريق بعيد، قال: ادفعه إليه، فدفعه إليه.
حدثنا علي بن إبراهيم العلوي، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم المقري، قال: حدثنا جعفر بن محمد، قال: حدثني إسماعيل بن إبراهيم الواسطي قال: جاء رجل إلى الحسين بن علي صاحب فخ فسأله فلم يكن عنده شيء فأقعده، وبعث إلى أهل داره من أراد أن يغسل ثيابه فليخرجها، فأخرجوا ثيابهم ليغسلوها فلما اجتمعت قال للرجل: خذها.
حدثني علي بن إبراهيم، قال: حدثنا الحسن بن علي بن هاشم، قال: حدثنا لقاسم بن خليفة الخزاعي، قال: عاتب رجل الحسن بن علي صاحب فخ في سنة تسع وستين ومائة وقال: عليك دين سبعون ألف دينار فقال أخذت من المزرفن يعني المقير زيتاً بألف دينار فجعل الرجل يجيئني والمرأة فأعطيها الزق والزقين حتى لم يبق شيء، ثم قلت له: ما أخذه منك فلان من شيء فاحسبه علي، فأخذ منه عشرة آلاف، فكنت أقول له ما هذا؟.
حدثني علي بن إبراهيم، قال حدثنا أحمد بن حمدان بن إدريس، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن أبي العلاء، قال: حدثني كردي بن يحيى، عن الحسن بن هذيل، قال:(1/116)
كنت أصحب الحسين بن علي صاحب فخ فقدم إلى بغداد فباع ضيعه له بتسعة آلاف دينار، فخرجنا فنزلنا سوق أسد فبسط لنا على باب الخان، فأتى رجل معه سلة فقال له: مر الغلام يأخذ مني هذه السلة، فقال له: وما أنت؟ قال: أنا أصنع الطعام الطيب فإذا نزل هذه القرية رجل من أهل المروءة أهديته إليه، قال: يا غلام خذ السلة منه، وعد إلينا لتأخذ سلتك، قال: ثم أقبل علينا رجل عليه ثياب رثة فقال: أعطوني مما رزقكم الله، فقال لي الحسين: ادفع إليه السلة، وقال له: خذ ما فيها ورد الإناء، ثم أقبل علي وقال: إذا رد السائل السلة فادفع إليه خمسين ديناراً، وإذا جاء صاحب السلة فادفع إليه مائة دينار، فقلت إبقاء مني عليه: جعلت فداك، بعت عيناً لك لتقضي ديناً عليك فسألك سائل فأعطيته طعاماً هو مقنع له، فلم ترض حتى أمرت له بخمسين دينار، وجاءك رجل بطعام لعله يقدر فيه ديناراً أو دينارين، فأمرت له بمائة دينار. فقال: يا حسن إن لنا رباً يعرف الحسنات، إذا جاء السائل فادفع له مائة دينار، وإذا جاء صاحب السلة فادفع إليه مائتي دينار، والذي نفسي بيده إني لأخاف أن لا يقبل مني؛ لأن الذهب والفضة والتراب عندي بمنزلة واحدة.
ذكر مقتله رضوان الله عليه ورحمته حدثني به جماعة من الرواة منهم: أحمد بن عبيد الله بن محمد بن عمار الثقفي وعلي بن إبراهيم العلوي، وغيرهما ممن كتبت الشيء عنه من أخباره متفرقاً، أو رواه لي مجتمعاً، قال: أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثني علي بن محمد بن سليمان النوفلي، عن أبيه، قال، وحدثني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ، وعمر بن شبة النميري، عن أبيه، قال، وحدثني يعقوب بن إسرائيل مولى المنصور، ونسخت أيضاً من أخباره ما وجدته بخط أحمد بن الحرث الخراز. وحدثنا علي بن العباس المقانعي، قال: حدثنا محمد بن الحسن المزني، قال: حدثنا أحمد بن الحسن بن مروان، قال: قرأ علي هذا الأخبار عبد العزيز بن عبد الملك الهاشمي، قال علي بن إبراهيم، قال الحسن بن محمد المزني، حدثني علي بن محمد بن إبراهيم، عن بكر بن صالح، عن عبد الله بن إبراهيم الجعفري، وقد دخل حديث بعضهم في حديث الباقين، وأحدهم يأتي بالشيء لا يأتي به الآخر، وقد أثبت جميع رواياتهم في ذلك، إلا لعله أن يخالف المعنى خلافاً بعيداً فأفرده، قالوا: كان سبب خروج الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب أن موسى الهادي ولى المدينة إسحاق بن عيسى بن علي، فاستخلف عليها رجلاً من ولد عمر بن الخطاب يعرف بعبد العزيز بن عبد الله، فحمل على الطالبيين وأساء إليهم، وأفرط في التحامل عليهم، وطالبهم بالعرض كل يوم، وكانوا يعرضون في المقصورة، وأخذ كل واحد منهم بكفالة قرينه ونسيبه فضمن الحسين بن علي ويحيى بن عبد الله بن الحسن، الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن، ووافى أوائل الحاج، وقدم من الشيعة نحو من سبعين رجلاً، فنزلوا دار ابن أفلح بالبقيع وأقاموا بها، ولقوا حسيناً وغيره، فبلغ ذلك العمري فأنكره، وكان قد أخذ قبل ذلك الحسن بن محمد بن عبد الله، وابن جندب الهذلي الشاعر، ومولى لعمر بن الخطاب، وهم مجتمعون، فأشاع أنه وجدهم على شراب، فضرب الحسن ثمانين سوطاً، وضرب ابن جندب خمسة عشر سوطاً، وضرب مولى عمر سبعة أسواط، وأمر بأن يدار بهم في المدينة مكشفي الظهور ليفضحهم. فبعثت إليه الهاشمية صاحبة الراية السوداء في أيام محمد بن عبد الله فقالت له: لا ولا كرامة لا تشهر أحداً من بني هاشم وتشنع عليهم وأنت ظالم. فكف عن ذلك وخلي سبيلهم.
رجع الحديث إلى خبر الحسين.(1/117)
قالوا: فلما اجتمع النفر من الشيعة في دار ابن أفلح أغلظ العمري أمر العرض، وولى على الطالبيين رجلاً يعرف بأبي بكر بن عيسى الحائك مولى الأنصار، فعرضهم يوم جمعة فلم يأذن لهم بالانصراف حتى بدأ أوائل الناس يجيئون إلى المسجد، ثم أذن لهم فكان قصارى أحدهم أن يغدو ويتوضأ للصلاة ويروح إلى المسجد، فلما صلوا حبسهم في المقصورة إلى العصر، ثم عرضهم فدعا باسم الحسن بن محمد فلم يحضر، فقال ليحيى والحسين بن علي: لتأتياني به أو لأحبسنكما فإن له ثلاثة أيام لن يحضر العرض ولقد خرج أو تغيب، فراده بعض المرادة وشتمه يحيى، وخرج فمضى ابن الحائك هذا فدخل على العمري فأخبره فدعا بهما فوبخهما وتهددهما، فتضاحك الحسين في وجهه وقال: أنت مغضب يا أبا حفص.
فقال له العمري: أتهزأ بي وتخاطبني بكنيتي؟.
فقال له: قد كان أبو بكر وعمر، وهما خير منك، يخاطبان بالكنى فلا ينكران ذلك، وأنت تكره الكنية وتريد المخاطبة بالولاية.
فقال له: آخر قولك شر من أوله.
فقال: معاذ الله، يأبى الله لي ذلك ومن أنا منه.
فقال له: أفأنما أدخلتك إلي لتفاخرني وتؤذيني؟ فغضب يحيى بن عبد الله فقال له: فما تريد منا؟.
فقال: أريد أن تأتياني بالحسن بن محمد.
فقال: لا نقدر عليه، هو في بعض ما يكون فيه الناس، فابعث إلى آل عمر بن الخطاب فاجمعهم كما جمعتنا، ثم اعرض رجلاً رجلاً، فإن لم تجد فيهم من قد غاب أكثر من غيبة الحسن عنك فقد أنصفتنا، فحلف على الحسين بطلاق امرأته وحرية مماليكه أنه لا يخلي عنه أو يجيئه به في باقي يومه وليلته، وأنه إن لم يجيء به ليركبن إلى سويقه فيخربها ويحرقها، وليضربن الحسين ألف سوط، وحلف بهذه اليمين إن وقعت عينه على الحسن بن محمد ليقتلنه من ساعته.
فوثب يحيى مغضباً فقال له: أنا أعطي الله عهداً، وكل مملوك لي حر إن ذقت الليلة نوماً حتى آتيك بالحسن بن محمد أو لا أجده، فأضرب عليك بابك حتى تعلم أني قد جئتك. وخرجا من عنده وهما مغضبان، وهو مغضب، فقال الحسين ليحيى بن عبد الله: بئس لعمر الله ما صنعت حين تحلف لتأتينه به، وأين تجد حسناً؟.
قال: لم أرد أن آتيه بالحسن والله، وإلا فأنا نفي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن علي عليه السلام بل أردت إن دخل عيني نوم حتى أضرب عليه بابه ومعي السيف، إن قدرت عليه قتلته.
فقال له الحسين: بئسما تصنع تكسر علينا أمرنا.
قال له يحيى: وكيف أكسر عليك أمرك، وإنما بيني وبين ذلك عشرة أيام حتى تسير إلى مكة، فوجه الحسين إلى الحسن بن محمد فقال: يا بن عمي، قد بلغك ما كان بيني وبين هذا الفاسق، فامض حيث أحببت.
فقال الحسن: لا والله يا بن عمي، بل أجيء معك الساعة حتى أضع يدي في يده.
فقال له الحسين: ما كان الله ليطلع علي وأنا جاء إلى محمد صلى الله عليه وسلم وهو خصمي وحجيجي في دمك، ولكن أقيك بنفسي لعل الله أن يقيني من النار.
قال: ثم وجه، فجاءه يحيى، وسليمان، وإدريس، بنو عبد الله بن الحسن، وعبد الله بن الحسن الأفطس، وإبراهيم بن إسماعيل طباطبا وعمر بن الحسن بن علي بن الحسن بن الحسين بن الحسن، وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي، وعبد الله بن جفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. ووجهوا إلى فتيان من فتيانهم ومواليهم، فاجتمعوا ستةً وعشرين رجلاً من ولد علي، وعشرة من الحاج، نفر من الموالي. فلما أذن المؤذن للصبح دخلوا المسجد ثم نادوا: " أحد، أحد " وصعد عبد الله بن الحسن الأفطس المنارة التي عند رأس النبي صلى الله عليه وسلم عند موضع الجنائز فقال للمؤذن: أذن بحي على خير العمل، فلما نظر إلى السيف في يده أذن بها وسمعه العمري فأحس بالشر ودهش، وصاح: أغلقوا البغلة الباب وأطعموني حبتي ماء.
قال علي بن إبراهيم في حديثه: فولده إلى الآن بالمدينة يعرفون ببني حبتي ماء.
قالوا: ثم اقتحم إلى دار عمر بن الخطاب وخرج في الزقاق المعروف بزقاق عاصم بن عمر، ثم مضى هارباً على وجهه يسعى ويضرط حتى نجا، فصلى الحسين بالناس الصبح ودعا بالشهود العدول الذين كان العمري أشهدهم عليه أن يأتي بالحسن إليه، ودعى بالحسن وقال للشهود: هذا الحسن قد جئت به فهاتوا العمري وإلا والله خرجت من يميني ومما علي.(1/118)
ولم يتخلف عنه أحد من الطالبيين إلا الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن، فإنه استعفاه فلم يكرهه. وموسى بن جعفر بن محمد. فحدثني علي بن إبراهيم العلوي، قال: حدثني حمدان بن إبراهيم، قال: حدثنا يحيى بن الحسين بن الفرات، قال: حدثني عنيزة القصباني، قال: رأيت موسى بن جعفر بعد عتمة وقد جاء إلى الحسين صاحب فخ، فانكب عليه شبه الركوع وقال: أحب أن تجعلني في سعة وحل من تخلفي عنك، فأطرق الحسين طويلاً لا يجيبه، ثم رفع رأسه إليه فقال: أنت في سعة.
حدثني علي بن إبراهيم، قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال: حدثنا عنيزة القصباني بهذا: رجع الحديث إلى حيث انتهى من قصصهم.
قال: وقال الحسين لموسى بن جعفر في الخروج فقال له: إنك مقتول فأحد الضراب فإن القوم فساق يظهرون إيماناً، ويضمرون نفاقاً وشركاً، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وعند الله عو وجل أحتسبكم من عصبة.
قال: وخطب الحسين بن علي بعد فراغه من الصلاة فحمد الله وأثنى عليه وقال: أنا ابن رسول الله، على منبر رسول الله، وفي حرم رسول الله، أدعوكم إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أيها الناس: أتطلبون آثار رسول الله في الحجر والعود، وتتمسحون بذلك، وتضيعون بضعة منه! فقال الراوي للحديث: فقلت في نفسي قولاً أسره: إنا لله ما صنع هذا بنفسه. قال: وإلى جنبي عجوز مدنية فقالت: اسكت ويلك، ألابن رسول الله تقول هذا؟ قلت: يرحمك الله والله ما قلت هذا إلا للإشفاق عليه.
قالوا: فأقبل خالد البربري وكان مسلحة للسلطان بالمدينة في السلاح ومعه أصحابه حتى وافوا باب المسجد الذي يقال له: باب جبرائيل، فنظرت إلى يحيى بن عبد الله قد قصده وفي يده السيف فأراد خالد أن ينزل فبدره يحيى فضربه على جبينه، وعليه البيضة والمغفر والقلنسوة، فقطع ذلك كله وأطار قحف رأسه، وسقط عن دابته، وحمل على أصحابه فتفرقوا وانهزموا.
وحج في تلك السنة مبارك التركي فبدأ بالمدينة للزيارة فبلغه خبر الحسين فبعث إليه من الليل: إني والله ما أحب أن تبتلى بي ولا أبتلي بك، فابعث الليلة إلي نفراً من أصحابك ولو عشرة يبيتون عسكري حتى أنهزم واعتل بالبيات، ففعل ذلك الحسين، ووجه عشرة من أصحابه فجعجعوا بمبارك وصيحوا في نواحي عسكره، فطلب دليلاً يأخذ به غير الطريق فوجده فمضى به حتى انتهى إلى مكة.
وحج في تلك السنة العباس بن محمد، وسليمان بن أبي جعفر، وموسى بن عيسى، فصار مبارك معهم، واعتل عليهم بالبيات.
وخرج الحسين بن علي قاصداً إلى مكة ومعه من تبعه من أهله ومواليه وأصحابه وهم زهاء ثلثمائة، واستخلف على المدينة دنيار الخزاعي، فلما قربوا من مكة فصاروا بفخ وبلدح تلقتهم الجيوش، فعرض العباس على الحسين الأمان والعفو والصلة فأبى ذلك أشد الإباء.
قال الحسن بن محمد: وحدثني سليمان بن عباد، قال: لما أن رأى الحسين المسودة أقعد رجلاً على جمل، معه سيف يلوح به، والحسين يملي عليه حرفاً حرفاً يقول: نادي، فنادى: يا معشر الناس، يا معشر المسودة، هذا الحسين بن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن عمه، يدعوكم إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الحسن: وحدثني محمد بن مروان عن أرطأه، قال: لما كانت بيعة الحسين بن علي صاحب فخ قال: أبايعكم على كتاب الله، وسنة رسول الله، وعلى أن يطاع الله ولا يعصى، وأدعوكم إلى الرضا من آل محمد، وعلى أن نعمل فيكم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والعدل في الرعية، والقسم بالسوية، وعلى أن تقيموا معنا، وتجاهدوا عدونا، فإن نحن وفينا لكم وفيتم لنا، وإن نحن لم نف لكم فلا بيعة لنا عليكم.
قال الحسن بن محمد في حديثه: فحدثني كثير بن إسحاق بن إبراهيم، قال: سمعت الحسن ليلة جمعة ونحن ببطن مر، ولقينا عبيد بن يقطين، ومفضل الوصيف وهما في سبعين فارساً، والحسين راكب على حمار إدريس بن عبد الله وهو يقول: يا أهل العراق، إن خصلتين إحداهما الجنة لشريفتان، والله لو لم يكن معي غيري لحاكمتكم إلى الله عز وجل حتى ألحق بسلفي.
رجع الحديث إلى أوله.(1/119)
قال: ولقيته الجيوش بفخ وقادها: العباس بن محمد، وموسى بن عيسى، وجعفر ومحمد ابنا سليمان، ومبارك التركي، ومنارة، والحسن الحاجب، والحسين بن يقطين، فالتقوا في يوم التروية وقت صلاة الصبح، فأمر موسى بن عيسى بالتعبئة، فصار محمد بن سليمان في الميمنة؛ وموسى في الميسرة، وسليمان بن أبي جعفر، والعباس بن محمد في القلب.
فكان أول من بدأهم موسى فحملوا عليه فاستطرد لهم شيئاً حتى انحدروا في الوادي، وحمل عليهم محمد بن سليمان من خلفهم، فطحنهم طحنة واحدة حتى قتل أكثر أصحاب الحسين. وجعلت المسودة تصيح للحسين: يا حسين، لك الأمان فيقول: ما أريد الأمان، ويحمل عليهم حتى قتل.
وقتل معه سليمان بن عبد الله بن الحسن، وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن.
وأصابه الحسن بن محمد بنشابة في عينه وتركها في عينه، وجعل يقاتل أشد القتال، فناداه محمد بن سليمان: يابن خال، اتق الله في نفسك ولك الأمان.
فقال: والله ما لكم أمان، ولكني أقبل منكم، ثم كسر سيفاً هندياً كان في يده، ودخل إليهم، فصاح العباس بن محمد بابنه عبد الله: قتلك الله إن لم تقتله، أبعد تسع جراحات تنتظر هذا؟.
فقال له موسى بن عيسى: إي والله عاجلوه! فحمل عليه عبيد الله فطعنه، وضرب العباس بن محمد عنقه بيده صبراً، ونشبت الحرب بين العباس بن محمد، ومحمد بن سليمان، وقال: أمنت ابن خالي فقتلتموه، فقالوا: نحن نعطيك رجلاً من العشيرة تقتله مكانه.
وذكر أحمد بن الحرث في روايته: أن موسى بن عيسى هو الذي ضرب عنق الحسن بن محمد.
قال أحمد بن الحرث: وحدثني يزيد بن عبد الله الفارسي، قال: كان حماد التركي ممن حضر وقعة فخ، فقال للقوم: أروني حسيناً، فأروه إياه، فرماه بسهم فقتله، فوهب له محمد بن سليمان مائة ألف درهم ومائة ثوب.
قالوا: وغضب موسى على مبارك التركي لانهزامه عن الحسين وحلف ليجعلنه سائساً.
وغضب على موسى في قتله الحسن بن محمد صبراً، وقبض أموالهم.
وكان يقول: متى توافي فاطمة أخت الحسين بن علي؟ والله لأطرحنها إلى السواس، فمات قبل أن يوافي بها.
حدثني علي بن إبراهيم العلوي، قال: حدثنا الحسن بن علي بن هاشم، قال: حدثني محمد بن منصور، عن القاسم بن إبراهيم، عمن ذكره، قال: رأيت الحسين صاحب فخ وقد دفن شيئاً، فظننت أنه شيء له مقدار، فلما كان من أمره ما كان، نظرنا فإذا هو قطعة من جانب قد قطع فدفنه ثم عاد فكر عليهم.
قال الحسن: وحدثني محمد بن منصور، قال: حدثني مصفى بن عاصم، قال: حدثني سليمان بن إسحاق القطان، قال: حدثني أبو العرجا الجمال: أن موسى بن عيسى دعاه فقال له: أحضرني جمالك. قال: فجئته بمائة جمل ذكر، فختم أعناقها، وقال: لا أفقد منها وبرة إلا ضربت عنقك، ثم تهيأ للمسير إلى الحسين صاحب فخ، فسار حتى أتينا بستان بني عامر فنزل فقال لي: إذهب إلى عسكر الحسين حتى تراه وتخبرني بكل ما رأيت. فمضيت فدرت فما رأيت خللاً ولا فللاً، ولا رأيت إلا مصلياً أو مبتهلاً، أو ناظراً في مصحف أو معداً للسلاح قال: فجئته فقلت: ما أظن القوم إلا منصورين. فقال: وكيف ذاك يابن الفاعلة؟ فأخبرته فضرب يداً على يد وبكى حتى ظننت أنه سينصرف ثم قال: هم والله أكرم عند الله، وأحق بما في أيدينا منا، ولكن الملك عقيم، ولو أن صاحب القبر - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - نازعنا الملك ضربنا خيشومه بالسيف، يا غلام، اضرب بطبلك. ثم سار إليهم، فوالله ما انثنى عن قتلهم.
رجع الحديث إلى حيث انقطع.
قالوا: جاء الجند بالرؤوس إلى موسى، والعباس، وعندهم جماعة من ولد الحسن والحسين، فلم يتكلم أحد منهم بشيء إلا موسى بن جعفر فقال له: هذا رأس الحسين.
قال: نعم إنا لله وإنا إليه راجعون، مضى والله مسلماً صالحاً صواماً قواماً آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، ما كان في أهل بيته مثله. فلم يجيبوه بشيء.
قال: وحملت الأسرى إلى موسى الهادي، وفيهم العذافر الصيرفي، وعلي بن سابق القلانسي، ورجل من ولد الحاجب بن زرارة، فأمر بهم فضربت أعناقهم، ومن بين يديه رجل آخر من الأسرى واقف، فقال أنا مولاك يا أمير المؤمنين.
فقال: مولاي يخرج علي، ومع موسى سكين، فقال: والله لأقطعنك بهذه السكين مفصلاً مفصلاً.
قال: وغلبت عليه العلة فمكث ساعة طويلة ثم مات، وسلم الرجل من القتل فأخرج من بين يديه.(1/120)