فقلت له: يا هذا، أما تستحيي من الله، ولا تتقي الله ولا تخافه، تشتم المحصنات وتقذفهن بالفاحشة، وقد كان ينبغي لك ويلزمك في دينك وما وليته، أن لو سمعت سفيهاً يقول مثل قولك أن تقيم عليه الحد.
فأعاد شتمي ثم وثب إلي فجعلني تحته، وضربنه بيديه، وخبطني برجليه، وشتمني.
فقلت له: إنك لشجاع شديد أيد، حين قويت على شيخ مثلي تضربه، لا يقدر على المنع من نفسه ولا انتصار لها.
فأمر بحبسي والتضيق علي، فقيدت بقيد ثقيل وحبست سنين، فلما بلغه وفاة عيسى بن زيد بعث إلي فدعاني فقال لي: من أي الناس أنت؟ قلت من المسلمين. قال: أعرابي أنت؟ قلت لا. قال فمن أي الناس أنت؟. قلت: كان أبي عبداً لبعض أهل الكوفة وأعتقه فهو أبي.
فقال لي: إن عيسى بن زيد قد مات.
فقلت: أعظم بها مصيبة، رحمه الله، فلقد كان عابداً ورعاً، مجتهداً في طاعة الله، غير خائف لومة لائم.
قال: أفما علمت بوفاته؟ قلت: بلى. قال: فلم لم تبشرني بوفاته؟.
فقلت: لم أحب أن أبشرك بأمر لو عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفه لساءه.
فأطرق طويلاً ثم قال: ما أرى في جسمك فضلاً للعقوبة، وأخاف أن أستعمل شيئاً منها فيك فتموت وقد كفيت عدوي، فانصرف في غير حفظ الله، والله لئن بلغني أنك عدت لمثل فعلك لأضربن عنقك.
قال: فانصرفت إلى الكوفة فقال المهدي للربيع: أما ترى قلة خوفه وشدة قلبه، هكذا يكون والله أهل البصائر.
قال علي بن جعفر: وحدثني أبي، قال: اجتمعت أنا، وإسرائيل بن يونس، والحسن، وعلي ابنا صالح بن حي، في عدة من أصحابنا، مع عيسى بن زيد، فقال له الحسن بن صالح بن حي: متى تدافعنا بالخروج وقد اشتمل ديوانك على عشرة آلاف رجل؟.
فقال له عيسى: ويحك، أتكثر علي العدد وأنا بهم عارف، أما والله لو وجدت فيهم ثلثمائة رجل أعلم أنهم يريدون الله عز وجل، ويبذلون أنفسهم له، ويصدقون للقاء عدوه في طاعته، لخرجت قبل الصباح حتى أبلي عند الله عذراً في أعداء الله، وأجري أمر المسلمين على سنته وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولكن لا أعرف موضع ثقة يفي ببيعته لله عز وجل، ويثبت عند اللقاء! قال: فبكى الحسن بن صالح حتى سقط مغشياً عليه.
قال: وحدثني أبي، قال: دخلت على عيسى بن زيد وهو يأكل خبزاً وقثاء، فأعطاني رغيفين وقثائتين وقال لي: كل، فأكلت رغيفاً ونصف الآخر مع قثاءة ونصف فشبعت وتركت الباقي، فلما كان بعد أيام جئته فأخرج لي الكسرة ونصف القثاءة وقد ماتت فقال لي: كل فقلت: وأي شيء كان في هذا حتى خبأته لي.
قال: قد أعطيتك إياه فصار لك فأكلت بعضه وبقي البعض، فكله إن شئت أو فتصدق به.
حدثنا محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدثني عمي عبيد الله، عن القاسم بن أبي شيبة، عن أبي نعيم، قال: حدثني من شهد عيسى بن زيد لما انصرف من واقعة باخمري وقد خرجت عليه لبؤة معها أشبالها، فعرضت للطريق وجعلت تحمل على الناس، فنزل عيسى فأخذ سيفه وترسه ثم نزل إليها فقتلها، فقال له مولى له: أيتمت أشبالها يا سيدي فضحك فقال: نعم أنا ميتم الأشبال، فكان أصحابه بعد ذلك إذا ذكروه كنوا عنه وقالوا: قال موتم الأشبال كذا، وفعل موتم الأشبال كذا، فيخفى أمره.
وقد ذكر ذلك يموت بن المزرع في قصيدة رثى فيها أهل البيت عليهم السلام.
وذكرها أيضاً الشميطي، وكان من شعراء الامامية، في قصيدة عاب فيها من خرج من الزيدية رضوان الله عليهم فقال:
سن ظلم الإمام للناس زيدٌ ... إن ظلم الإمام ذو عقال
وبنو الشيخ والقتيل بفخ ... بعد يحيى وموتم الأشبال
أخبرنا عيسى بن الحسين الوراق، قال: حدثني علي بن محمد بن سليمان النوفلي قال: حدثني أبي عن أبيه وعمه، قال: إن عيسى بن زيد انصرف من وقعة باخمري بعد مقتل إبراهيم فتوارى في دور ابن صالح بن حي، وطلبه المنصور طلباً ليس بالحثيث. وطلبه المهدي وجد في طلبه حيناً فلم يقدر عليه، فنادى بأمانه ليبلغه ذلك فيظهر، فبلغه فلم يظهر، وبلغه خبر دعاةٍ له ثلاثة وهم: ابن علاق الصيرفي، وحاضر مولى لهم، وصباح الزعفراني، فظفر بحاضر فحبسه، وقرره ورفق به واشتد عليه ليعرفه موضع عيسى فلم يفعل، فقتله.
ومكث طول حياة عيسى يطلب صباحاً وابن علاق فلم يظفر بهما.(1/111)


ثم مات عيسى بن زيد فقال صباح للحسن بن صالح: أما ترى هذا العذاب والجهد الذي نحن فيه بغير معنى، قد مات عيسى بن زيد ومضى لسبيله وإنما نطلب خوفاً منه، فإذا علم أنه قد مات أمنوه وكفوا عنا، فدعني آتي هذا الرجل - يعني المهدي - فأخبره بوفاته حتى نتخلص من طلبه لنا، وخوفنا منه.
فقال: لا والله ولا تبشر عدو الله بموت ولي الله ابن نبي الله، ولا نفر عينه فيه ونشمته له، فوالله لليلة يبيتها خائفاً منه أحب إلي من جهاد سنة وعبادتها.
قال: ومات الحسن بن صالح بعده بشهرين، فحدث صباح الزعفراني قال: أخذت أحمد بن عيسى، وأخاه زيداً فجئت بهما إلى بغداد فجعلتهما في موضع أثق به عليهما، ثم لبست أطماراً وجئت إلى دار المهدي، فسألت أن أوصل إلى الربيع وأن يعرف أن عندي نصيحة وبشارة بأمر يسر الخليفة. فدخلوا عليه فأعلموه بذلك فخرجوا إلي فأذنوا لي، فدخلت إليه وقال: ما نصيحتك؟.
فقلت: لا أقولها إلا للخليفة.
فقال: لا سبيل إلى ذلك دون أن تعلمني النصيحة ما هي.
فقلت: أما النصيحة فلا أذكرها إلا له، ولكن أخبره أني صباح الزعفراني، داعية عيسى بن زيد، فأدناني منه ثم قال: يا هذا: لست تخلو من أن تكون صادقاً أو كاذباً، وهو على الحالين قاتلك، إن كنت صادقاً فأنت تعرف سوء أثرك عنده، وطلبه لك، وبلوغه في ذلك أقصى الغايات، وحرصه عليه، وحين تقع عينه عليك يقتلك.
وإن كنت كاذباً وإنما أردت الوصول إليه من أجل حاجة لك غاظه ذلك من فعلك فقتلك، وأنا ضامن لك قضاء حاجتك كائنة ما كانت لا أستثني شيئاً.
فقلت: أنا صباح الزعفراني، والله الذي لا إله إلا هو ما لي إليه حاجة، ولو أعطاني كل ما يملك ما أردته ولا قبلته، وقد صدقتك فإن أخبرته وإلا توصلت إليه من جهة غيرك.
فقال: اللهم أشهد أني برئ من دمه، ثم وكل بي جماعة من أصحابه وقام فدخل، فما ظننت أنه وصل إليه حتى نودي: هاتوا الصباح الزعفراني. فأدخلت إلى الخليفة فقال لي: أنت صباح الزعفراني؟ قلت: نعم.
قال: فلا حياك الله ولا بياك، ولا قرب دارك، يا عدو الله، أنت الساعي على دولتي، والداعي إلى أعدائي؟.
قلت: أنا والله هو، وقد كان كل ما ذكرته.
فقال: أنت إذاً الخائن الذي أتت به رجلاه، أتعترف بهذا نع ما أعلمه منك، وتجيئني آمناً؟.
فقلت: إني جئتك مبشراً ومعزياً.
قال: مبشراً بماذا؟ ومعزياً بمن؟.
قلت: أما البشرى فبوفاة عيسى بن زيد.
وأما التعزية ففيه لأنه ابن عمك ولحمك ودمك.
فحول وجهه إلى المحراب وسجد وحمد الله، ثم أقبل علي وقال: ومنذ كم مات؟ قلت: منذ شهرين.
قال: فلم لم تخبرني بوفاته إلا الآن؟.
قلت: منعني الحسن بن صالح، وأعدت عليه بعض قوله. قال: وما فعل؟ قلت: مات، ولولا ذلك ما وصل إليك الخبر ما دام حياً. فسجد سجدة أخرى وقال: الحمد لله الذي كفاني أمره، فلقد كان أشد الناس علي، ولعله لو عاش لأخرج علي غير عيسى، سلني ما شئت فوالله لأغنيك، ولا رددتك عن شيء تريده.
قلت: والله ما لي حاجة، ولا أسألك شيئاً إلا حاجة واحدة.
قال: وما هي؟ قلت: ولد عيسى بن زيد، والله لو كنت أملك ما أعولهم به ما سألتك في أمرهم ولا جئتك بهم، ولكنهم أطفال يموتون جوعاً وضراً، وهم ضائعون، وما لهم شيء يرجعون إليه، إنما كان أبوهم يستقي الماء ويعولهم، وليس لهم الآن من يكفلهم غيري، وأنا عاجز عن ذلك وهم عندي في ضنك، وأنت أولى الناس بصيانتهم، وأحق بحمل ثقلهم، فهم لحمك ودمك، وأيتامك وأهلك.
قال: فبكى حتى جرت دموعه، ثم قال: إذا يكونون والله عندي بمنزلة ولدي، لا أوثرهم عليهم بشيء، فأحسن الله يا هذا جزاءك عني وعنهم، فلقد قضيت حق أبيهم وحقوقهم، وخففت عني ثقلاً، وأهديت إلي سروراً عظيماً.
قلت: ولهم أمان الله ورسوله وأمانك، وذمتك وذمة آبائك في أنفسهم وأهليهم وأصحاب أبيهم أن لا تتبع أحداً منهم بتبعة ولا تطلبه؟.
قال: ذلك لك ولهم من أمان الله وأماني، وذمتي وذمة آبائي، فاشترط ما شئت، فاشترطت عليه واستوثقت حتى لم يبق في نفسي شيء.
ثم قال: يا حبيبي، وأي ذنب لهؤلاء وهم أطفال صغار، والله لو كان أبوهم بموضعهم حتى يأتيني أو أظفر به ما كان له عندي إلا ما يحب، فكيف بهؤلاء، اذهب يا هذا أحسن الله جزاءك فجئني بهم، وأسألك بحقي أن تقبل مني صلة تستعين بها على معاشك.(1/112)


قلت: أما هذا فلا، فإنما أنا رجل من المسلمين يسعني ما يسعهم.
وخرجت فجئته بهم، فضمهم إليه وأمر لهم بكسوة ومنزل وجارية تحضنهم، ومماليك يخدمونهم، وأفرد لهم في قصره حجرة.
وكنت أتعهدهم فأعرف أخبارهم. فلم يزالوا في دار الخلافة إلى أن قتل محمد الأمين وانتصر أمر دار الخلافة، وخرج من كان فيها، فخرج أحمد بن عيسى فتوارى، وكان أخوه زيد مرض قبل ذلك ومات.
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار بهذا الخبر على خلاف هذه الحكاية، قال: حدثني هاشم بن أحمد البغوي، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن إسماعيل، قال: حدثني إبراهيم بن رياح، قال: حدثني الفضل بن حماد الكوفي، وكان من أصحاب الحسن بن صالح بن حي: أن عيسى بن زيد صار إلى الحسن بن صالح فتوارى عنده، فلم يزل على ذلك حتى مات في أيام المهدي، فقال الحسن لأصحابه: لا يعلم بموته أحد فيبلغ السلطان فيسره ذلك، ولكن دعوه بخوفه ووجله منه وأسفه عليه حتى يموت، ولا تسروه بوفاته فيأمن مكروهه.
فلم يزل ذلك مكتوماً حتى مات الحسن بن صالح رحمه الله، فصار إلى المهدي رجل يقال له ابن علاق الصيرفي، وكان اسمه قد وقع إليه وبلغه أنه من أصحاب عيسى، فلما وقف ببابه واستأذن له الحاجب أمر بإدخاله إليه، فأدخل فسلم على المهدي بالخلافة وقال: أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمك عيسى.
فقال له: ويحك ما تقول؟.
قال: الحق والله أقول. فقال: ومتى مات؟ فعرفه فقال: ما منعك أن تعرفني قبل هذا؟ قال: منعني الحسن بن صالح. وصدقه عن قوله فيه فقال له: لئن كنت صادقاً لأحسنن صلتك، ولأوطئن الرجال عقبك.
قال: ليس لهذا قصدت، إنما علمت أنك في شك من أمره، ولم آمن أن يتشوف به الناس عندك، فأحببت أن تقف على خبره فتستريح وتريح.
قال: أما إنك جئتني ببشارتين يجل خطرهما موت عيسى والحسن بن صالح، وما أدى بأيهما أنا أشد فرحاً، فسلني حاجتك.
قال: ولده تحفظهم، فوالله ما لهم من قليل ولا كثير. وكان الحسن بن عيسى بن زيد قد مات في حياة أبيه، وكان الحسين متزوجاً ببنت الحسن بن صالح، فأتاه أحمد وزيد ابنا عيسى فنظر إليهما وأجرى لهما أرزاقاً، ومضيا بإذنه إلى المدينة، فمات زيد بها، وبقي أحمد إلى خلافة الرشيد وصدرا من خلافته وهو ظاهر، ثم بلغ الرشيد بعد ذلك أنه يتنسك ويطلب الحديث وتجتمع إليه الزيدية، فبعث فأخذه وحبسه مدة إلى أن أمكنه التخلص من الحبس، وخبره في ذلك يذكر مشروحاً إذا انتهى الكتاب إلى أخباره، إن شاء الله تعالى.
حدثني عمي الحسن بن محمد، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه. قال: حدثنا محمد بن أبي العتاهية، قال: حدثني أبي: لما امتنعت من قول الشعر وتركته أمر المهدي بحبسي في سجن الجرائم، فأخرجت من بين يديه إلى الحبس، فلما أدخلته دهشت وذهل عقلي، ورأيت منظراً هالني، فرميت بطرفي أطلب موضعاً آوي إليه أو رجلاً آنس بمجالسته، فإذا أنا بكهل حسن السمت، نظيف الثوب، يبين عليه سيماء الخير فقصدته فجلست إليه من غير أن أسلم عليه أو أسأله عن شيء من أمره؛ لما أنا فيه من الجزع والحيرة، فمكثت ملياً وأنا مطرق مفكر في حالي، فأنشد هذا الرجل هذين البيتين. فقال:
تعودت مس الضر حتى ألفته ... وأسلمني حسن العزاء إلى الصبر
وصيرني يأسي من الناس واثقاً ... بحسن صنيع الله من حيث لا أدري
فاستحسنت البيتين وتبركت بهما وثاب إلى عقلي، فأقبلت على الرجل فقلت له: تفضل أعزك الله بإعادة هذين البيتين.
فقال لي: ويحك يا إسماعيل، ولم يكنني، ما أسوأ أدبك، وأقل عقلك ومروءتك، دخلت إلي ولم تسلم علي بتسليم المسلم على المسلم، ولا توجعت لي توجع المبتلي للمبتلى، ولا سألتني مسألة الوارد على المقيم حتى إذا سمعت من ببيتين من الشعر الذي لم يجعل الله فيك خيراً ولا أدباً ولا جعل لك معاشاً غيره، لم تتذكر ما سلف منك فتتلافاه، ولا اعتذرت مما قدمته وفرطت فيه من الحق حتى استنشدتني مبتدياً، كأن بيننا أنساً قديماً، ومعرفةً شافية، وصحبة تبسط المنقبض! فقلت له: اعذرني متفضلاً؛ فإن دون ما أنا فيه يدهش.(1/113)


قال: وفي أي شيء أنت، إنما تركت قول الشعر الذي كان جاهك عندهم وسبيلك إليهم، فحبسوك حتى تقوله، وأنت لا بد من أن تقوله، فتطلق، وأنا يدعى بي الساعة فأطالب بإحضار عيسى بن زيد بن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن دللت عليه فقتل الله بذمه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خصمي فيه، وإلا قتلت، فأنا أولى بالحيرة منك، وأنت ترى احتسابي وصبري.
فقلت: يكفيك الله وأطرقت خجلاً منه.
فقال لي: لا أجمع عليك التوبيخ والمنع، اسمع البيتين واحفظهما. فأعادهما علي مراراً حتى حفظتهما، ثم دعى به وبي فلما قمنا قلت: من أنت أعزك الله؟.
قال: أنا حاضر صاحب عيسى بن زيد. فأدخلنا على المهدي، فلما وقف بين يديه قال له: أين عيسى بن زيد؟.
قال: ما يدريني أين عيسى، طلبته وأخفته فهرب منك في البلاد، وأخذتني فحبستني، فمن أين أقف على موضع هارب منك وأنا محبوس؟.
فقال له: فأين كان متوارياً؟ ومتى آخر عهدك به؟ وعند من لقيته؟.
فقال: ما لقيته منذ توارى، ولا أعرف له خبراً.
قال: والله لتدلني عليه، أو لأضربن عنقك الساعة.
قال: اصنع ما بدا لك، أنا أدلك على ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم لتقتله، فألقى الله ورسوله وهما يطالباني بدمه، والله لو كان بين ثوبي وجلدي ما كشفت عنه.
قال: اضربوا عنقه. فقدم فضرب عنقه.
ثم دعاني فقال: أتقول الشعر أو ألحقك به.
فقلت: بل أقول الشعر، فقال: أطلقوه.
قال محمد بن القاسم بن مهرويه، والبيتان اللذان سمعهما من حاضر شعره الآن.
قال أبو الفرج: وقد روى هذا الخبر غير ابن مهرويه بغير هذا الإسناد، فذكر أن حاضراً كان داعية لأحمد بن عيسى بن زيد، وإن قصته مع أبي العتاهية كانت في أيام الرشيد، وأن قتله بسبب أحمد بن عيسى بن زيد ومطالبته إياه بإحضاره أو الدلالة عليه.
والأول عندي أصح.
أيام موسى الهادي
ابن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور ومن قتل منهم فيها
الحسين بن علي بن الحسن
والحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب صاحب الفخ ويكنى أبا عبد الله.
وأمه زينب بنت عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
وأمها هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة بن الأسود.
وهي أخت محمد وإبراهيم وموسى لأبيهم وأمهم.
وكانت زينب ترقص الحسين وهو صغير وأخاه وهو الحسن وتقول:
تعلم يابن زينبٍ وهند ... كم لك بالبطحاء من معد
من خال صدق ماجد وجد
وكان يقال لزينب وزوجها علي بن الحسن: الزوج الصالح؛ لعبادتهما.
ولما قتل أبو جعفر أباها وأخاها وعمومتها وبنيهم وزوجها كانت تلبس المسوح، ولا تجعل بين جسدها وبينها شعاراً حتى لحقت بالله عز وجل.
وكانت تندبهم وتبكي حتى يغشى عليها، ولا تذكر أبا جعفر بسوء تحرجاً من ذلك وكراهة لأن تشفي نفسها بما يؤثمها، ولا تزيد على أن تقول: يا فاطر السموات والأرض، يا عالم الغيب والشهادة، الحاكم بين عباده احكم بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الحاكمين.
حدثنا أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن العلوي، قال: حدثنا موسى بن عبد الله بن موسى، قال: حدثتني عمتي رقية بنت موسى، قالت: ما فارقت عمتي زينب عبد الله درع شقائق حتى لحقت به.
قال أبو الفرج الأصبهاني: شقائق تعني الأمساح.
ونبدأ بذكر من قتل معه من أهل بيته حسبما شرطناه في هذا الكتاب ثم نأتي بسياقة خبرهم.
سليمان بن عبد الله
فمنهم سليمان بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وأمه عاتكة بنت عبد الملك بن الحرث الشاعر بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم.
وهي التي كلمت أبا جعفر لما حج، وقالت: يا أمير المؤمنين أيتامك بنو عبد الله بن الحسن فقراء لا شيء لهم، فرد عليهم ما قبضه من أموالهم.
الحسن بن محمد
والحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وأمه أم سلمة بنت محمد بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن لأبي طالب عليهم السلام.
ضربت عنقه صبراً بعد وقعة فخ.
عبد الله بن إسحاق
وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وأمه رقية بنت عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام.(1/114)


وهو الذي يقال له الجدي قتل في الوقعة.
ثم نرجع الخبر الآن إلى أخبار الحسين بن علي بن الحسن صاحب الفخ حدثني علي بن إبراهيم بن محمد بن الحسن بن محمد بن عبيد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأحمد بن محمد بن سعيد، قالا: حدثنا الحسين بن الحكم، وقال: حدثنا الحسن بن الحسن، قال: حدثنا الحكم بن جامع الثمالي، عن الحسين بن زيد، قال: حدثتني أمي ريطة بنت عبد الله بن محمد الحنفية عن زيد، قال: وكان الحسين بن زيد يسميها أمي ولم تكن أمه، إنما كانت أم أخيه يحيى بن زيد، عن زيد بن علي، قال: انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى موضع فخ فصلى بأصحابه صلاة الجنازة ثم قال: يقتل ها هنا رجل من أهل بيتي في عصابة من المؤمنين، ينزل لهم بأكفان وحنوط من الجنة، تسبق أرواحهم أجسادهم إلى الجنة.
وذكر من فضلهم أشياء لم تحفظها ريطة.
أخبرني علي بن العباس المقانعي: قال: حدثني علي بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم المقري، قال: حدثنا الحسن بن علي الأسدي.
قال: حدثنا الحسن بن عبد الواحد، قال: حدثني عبد الرحمن بن القاسم بن إسماعيل، قال: حدثنا الحسين بن المفضل العطار، قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن محمد بن إسحاق، عن أبي جعفر محمد بن علي، قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بفخ فنزل فصلى ركعة، فلما صلى الثانية بكى وهو في الصلاة، فلما رأى الناس النبي صلى الله عليه وسلم يبكي بكوا، فلما انصرف قال: ما يبكيكم؟ قالوا: لما رأيناك تبكي بكينا يا رسول الله، قال: نزل علي جبريل لما صليت الركعة الأولى فقال: يا محمد إن رجلاً من ولدم يقتل في هذا المكان، وأجر الشهيد معه أجر شهيدين.
حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، وعلي بن إبراهيم العلوي، قالا: حدثنا الحسين بن الحكم، قال: حدثنا الحسن بن الحسين، قال: حدثنا النضر بن قرواش، قال: أكريت جعفر بن محمد من المدينة إلى مكة، فلما ارتحلنا من بطن مر، قال لي: يا نضر إذا انتهيت إلى فخ فأعلمني، قلت: أولست تعرفه؟ قال: بلى! ولكن أخشى أن تغلبني عيني. فلما انتهينا إلى فخ دنوت من المحمل، فإذا هو نائم فتنحنحت فلم ينتبه، فحركت المحمل فجلس، فقلت: فقد بلغت، فقال. حل محملي، فحللته ثم قال: صل القطار، فوصلته ثم تنحيت به عن الجادة؛ فأنخت بعيره فقال: ناولني الإداوة والركوة، فتوضأ وصلى ثم ركب فقلت له: جعلت فداك، رأيتك قد صنعت شيئاً أفهو من مناسك الحج؟ قال: لا، ولكن يقتل ها هنا رجل من أهل بيتي في عصابة تسبق أرواحهم أجسادهم إلى الجنة.
حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا الحسين بن الحكم، قال: حدثنا الحسن بن الحسين بن جامع عن موسى بن عبد الله بن الحسن، قال: حججت مع أبي فلما انتهينا إلى فخ أناخ محمد بن عبد الله بعيره فقال لي أبي: قل له يثير بعيره، فقلت له، فأثاره ثم قلت لأبي: يا أبة لم كرهت له هذا؟ قال: إنه يقتل في هذا الموضع رجل من أهل بيتي يتعاوى عليه الحاج، فنسفت أن يكون هو.
حدثني علي بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا علي بن صاعد، قال: حدثنا حسن بن محمد المولى.
قال: حدثنا علي بن الحسين الحضرمي، قال: سمعت الحسن بن هذيل، يقول: بعت لحسين بن علي صاحب فخ حائطاً بأربعين ألف دينار، فنثرها على بابه، فما دخل إلى أهله منها حبة، كان يعطيني كفاً كفاً فأذهب به إلى فقراء أهل المدينة.
حدثني علي بن إبراهيم الجواني قال: حدثنا الحسن بن علي بن هاشم قال: حدثنا علي بن إبراهيم مؤذن مسجد الأشتر، قال: حدثني الحسن بن هذيل، قال: قال لي الحسين صاحب فخ: اقترض لي أربعة آلاف درهم، فذهبت إلى صديق لي فأعطاني ألفين وقال لي: إذا كان غد فتعال حتى أعطيك ألفين، فجئت فوضعتهما تحت حصير كان يصلي عليه، فلما كان من الغد أخذت الألفين الأخريين ثم جئت أطلب الذي وضعته تحت الحصير فلم أجده، فقلت له: يابن رسول الله، ما فعل الألفان؟ قال: لا تسأل عنهما، فأعدت فقال: تبعني رجل أصفر من أهل المدينة فقلت: ألك حاجة؟ فقال: لا ولكني أحببت أن أصل جناحك فأعطيته إياها، أما أني أحسبني ما أجرت على ذلك لأني لم أجد لها حباً، وقال الله عز وجل: " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون " .(1/115)

23 / 36
ع
En
A+
A-