كتب موسى بن عبد الله إلى زوجته أم سلمة بنت محمد بن طلحة بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة أم ابنه عبد الله بن موسى يستدعيها للخروج إلى العراق:
لا تتركيني بالعراق فإنها ... بلاد بها أس الخيانة والغدر
فإني مليء أن أجيء بضرةٍ ... مقابلة الأجداد طيبة النشر
إذا انتسبت من آل شيبان في الذرا ... ومرة لم تحفل بفضل أبي بكر
قال يحيى بن الحسن والزبير فيما حدثني أحمد بن سعيد، عن يحيى، وحرمي بن أبي العلاء عن الزبير، عن محمد بن إسماعيل الجعفري، ومحمد بن عبد الله البكري: أن موسى بن عبد الله قال:
إني زعيم أن أجيء بضرة ... قراسيةٍ فراسة للضرائر
فتكرم مولاها وترضي خليلها ... وتقطع من أقصى أصول الحناجر
فأجابه الربيع بن سليمان، مولى محمد وإبراهيم بني عبد الله بن الحسن بن الحسن فقال في ذلك:
أبنت أبي بكر تكيد بضرة؟ ... لعمري لقد حاولت إحدى الكبائر
تغط غطيط البكر شد خناقه ... وأنت مقيم بين صوحي عباثر
قال: وعباثر: ماء كان لموسى بن عبد الله.
قال يحيى بن الحسن: فسمعت محمد بن يوسف يقول، ولم يذكر هذا الزبير، قال: أمر موسى بهدايا كان أعطاها ربيعاً فارتجعت منه، فبلغ أم سلمة زوجته ذلك، فحلفت لتضعفن له بيع الهدايا في مال موسى بن عبد الله، فأجاز ذلك موسى.
قال أبو الفرج: وهذا ليس من هذا الباب، ولكن الحديث ذو شجون، والشيء يذكر بالشيء.
حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال: حدثني إسماعيل بن يعقوب، قال: حدثني عبد الله بن موسى، عن أبيه، قال: دخلت مع أبي على أبي العباس السفاح، وأنا غلام حديث السن، فالتفت إلي أبي فقال: لعل ابنك هذا يروي لأمية أبي طالب.
قال له: نعم يا أمير المؤمنين. قال: مره لينشدها. فقال لي: قم فأنشده إياها، فقمت فأنشدته إياها، وأنا قائم.
قال: ودخل موسى يوماً على الرشيد ثم خرج من عنده، فعثر بالبساط فسقط، فضحك الخدم. وضحك الجند، فلما قام التفت إلى هارون فقال: يا أمير المؤمنين، إنه ضعف صوم لا ضعف سكر.
أخبرني عمر بن عبد الله، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: قال عيسى بن عبد الله: وحدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثني يحيى بن الحسن، قال حدثني إسماعيل بن يعقوب: أنا أبا جعفر لما قبض أموال عبد الله بن الحسن، حج فصاحت به عاتكة بنت عبد الملك - وهي أم عيسى، وسليمان، وإدريس بني عبد الله بن الحسن - وهي تطوف في ستارة: يا أمير المؤمنين، أيتامك بنو عبد الله بن الحسن مات أبوهم في حبسك، وأمرت بقبض ضياعهم.
فأمر أبو جعفر بردها عليهم، فجاءت عاتكة إلى الحسن بن زيد فقال لها: لم أسمع فأتيني ببينة، فأتت عيسى بن محمد، ومحمد بن إبراهيم الإمام فشهدوا بذلك، فرد أموالهم، فقال موسى: لا نقسم إلا على ما رسم عبد الله بن الحسن.
فقالت عاتكة: هذا شيء قد كان السلطان قبضه، وإنما رده بمسئلتي.
فقال: لا نحكم فيها - والله - إلا بحكم عبد الله بن الحسن، وكان عبد الله قد فضل بني هند فيها على غيرهم من أخوتهم.
فقيل له: إن هذا إن بلغ السلطان قبض الأموال.
فقال: والله لقبضها أحب إلي من تغيير شروط عبد الله.
فكتب إلى أبي جعفر في ذلك، فأمر أن يرد ويقسم على حكم عبد الله.
أنشدني أحمد بن سعيد، قال: أنشدنا أحمد بن الحسن لموسى بن عبد الله:
لئن طال ليلي بالعراق لقد مضت ... علي ليالٍ بالنظيم قصائر
إذا الحي منداهم معلاة فاللوى ... فمعشر منهم منزل فقراقر
وإذ لا يريم البئر سويقة ... قطين بها والحاضر المتجاور
علي بن الحسن بن زيد
وعلي بن الحسن بن زيد بن علي بن أبي طالب عليه السلام ويكنى أبا الحسن.
وأمه أم ولد تدعى أمة الحميد.
كان أبو جعفر حبسه مع أبيه الحسن بن زيد لما سخط عليه، وصرفه عن المدينة وأقامه للناس، فلم يزل علي محبوساً مع أبيه حتى مات في الحبس.
ولما ولي المهدي أطلق الحسن بن زيد، وله خبر طويل قد وضعناه في موضعه من كتابنا الكبير، إذ كان هذا ليس مما يجري مجرى من قتل في معركة أو غيرها فيذكر خبره ها هنا.(1/106)


حمزة بن إسحاق بن علي
وحمزة بن إسحاق بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وأمه أم ولد.
وجد عليه أبو جعفر فأقامه للناس، وحبسه فمات في حبسه، رضوان الله عليه ورحمته
ذكر أيام المهدي
محمد بن عبد الله
ومن قتل فيها أو حبس أو توارى فمات حال تواريه
علي بن العباس بن الحسن
وعلي بن العباس بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام ويكنى أبا الحسن.
وأمه عائشة بنت محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر.
وكان قدم بغداد، ودعا إلى نفسه سراً، فاستجاب له جماعة من الزيدية وبلغ المهدي خبره فأخذه، فلم يزل في حبسه حتى قدم الحسين بن علي صاحب فخ فكلمه فيه، واستوهبه منه فوهبه له.
فلما أراد إخراجه من حبسه دس إليه شربة سم فعملت فيه، فلم يزل ينتقض عليه في الأيام حتى قدم المدينة فتفسخ لحمه، وتباينت أعضاؤه، فمات بعد دخوله المدينة بثلاثة أيام.
أخبرني بذلك علي بن إبراهيم العلوي قال: حدثنا الحسن بن علي بن هاشم، قال: حدثنا الحسن بن محمد المزني عن أحمد بن الحسن بن مروان الهاشمي، عن عبد العزيز بن عبد الملك، قال الحسن بن محمد المزني. وحدثني محمد بن علي بن إبراهيم، عن بكر بن صالح، عن عبد الله بن إبراهيم الجعفري بهذا.
عيسى بن زيد بن علي
وممن توارى منهم في هذه الأيام فمات متوارياً: عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ويكنى أبا يحيى.
وأمه أم ولد، ولد في الوقت الذي أشخص فيه أبوه زيد بن علي إلى هشام بن عبد الملك، وكانت أم عيسى بن زيد معه في طريقه، فنزل ديراً للنصارى ووافق نزوله إياه ليلة الميلاد، وضربها المخاض هنالك فولدته له تلك الليلة، وسماه أبوه عيسى باسم المسيح عيسى ابن مريم - صلوات الله عليهما - .
حدثني بذلك محمد بن سعيد، قال: حدثنا بذلك محمد بن منصور، عن أحمد بن عيسى بن زيد.
وشهد عيسى مع محمد بن عبد الله بن الحسن وأخيه إبراهيم حربهما.
واختلف في سبب تواريه، فقيل إنه أنكر على إبراهيم بن عبد الله أنه كبر على جنازة أربعاً ففارقه، وقيل بل ثبت معه حتى قتل ثم توارى بعد ذلك.
أخبرنا يحيى بن علي، وأحمد بن عبد العزيز، قالا: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن أبي الكرام، قال: صلى إبراهيم على جنازة بالبصرة وكبر عليها أربعاً، فقال له عيسى بن زيد: لم نقصت واحدة وقد عرفت تكبير أهل بيتك؟.
فقال: هذا أجمع لهم، ونحن إلى اجتماعهم محتاجون، وليس في تكبيرة تركتها ضرر إن شاء الله، ففارقه عيسى واعتزل. وبلغ ذلك أبا جعفر فأرسل إلى عيسى يبذل له ما سأل على أن يخذل الزيدية عن إبراهيم، فلم يتم الأمر بينهما حتى قتل إبراهيم، فاستخفى عيسى، فقيل لأبي جعفر: ألا تطلبه. فقال: لا والله. لا أطلب منهم رجلاً أبداً بعد محمد وإبراهيم، أنا أجعل لهم بعدها ذكراً.
أخبرني علي بن العباس المقانعي، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال: حدثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي: أن عيسى بن زيد كان على ميمنة إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، وكان مع محمد بن عبد الله بن الحسن، على ميمنته أيضاً.
أخبرنا عيسى بن الحسن، قال: حدثنا علي بن محمد النوفلي، عن أبيه، قال: كان عيسى والحسين ابنا زيد بن علي مع محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن في حروبهما من أشد الناس قتالاً وأنفذهم بصيرة، فبلغ ذلك عنهما أبا جعفر فكان يقول: ما لي ولابني زيد وما ينقمان علينا؟ ألم نقتل قتلة أبيهما، ونطلب بثأرهما، ونشفي صدروهما من عدوهما؟.
أخبرني يحيى بن علي، وأحمد بن عبد العزيز وعمر العتكي، قالوا: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، قال: خرج عيسى بن زيد مع محمد بن عبد الله بن الحسن، فكان يقول له: من خالفك أو تخلف عن بيعتك من آل أبي طالب فأمكني منه أن أضرب عنقه.
أخبرني يحيى بن علي، وأحمد بن عبد العزيز الجوهري، قالا: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثني إبراهيم بن سلم بن أبي واصل الحذاء، قال: حدثني أخي علي بن سلم قال:(1/107)


لما انهزمنا صرنا إلى عيسى بن زيد وهو واقف فخففنا به وصبرنا ملياً فقال: ما بعد هذا متلوم، فانحاز وصار إلى قصر خراب ونحن معه، فأزمعنا على أن نبيت عيسى بن موسى، فلما انتصف الليل فقدنا عيسى فانتقض أمرنا.
وكان عيسى أفضل من بقي من أهله ديناً، وعلماً، وورعاً، وزهداً، وتقشفاً، وأشدهم بصيرة في أمره ومذهبه، مع علم كثير، ورواية للحديث وطلب له؛ صغره وكبره، وقد روى عن أبيه، وجعفر بن محمد، وأخيه عبد الله بن محمد، وسفيان بن سعيد الثوري والحسن بن صالح بن حي وشعبة بن الحجاج ويزيد بن أبي زياد، والحسن بن عمارة ومالك بن أنس، وعبد الله بن عمر العمري ونظراء لهم كثير عددهم.
ولما ظهر محمد بن عبد الله بن الحسن، وزحف إليه عيسى بن موسى، جمع إليه وجوه الزيدية وكل من حضر معه من أهل العلم، وعهد إليه أنه أن أصيب في وجهه ذلك، فالأمر إلى أخيه إبراهيم، فإن أصيب إبراهيم، فالأمر إلى عيسى بن زيد.
حدثني بذلك أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال إن عبد الله بن محمد بن عمر ذكر ذلك من وصية محمد إلى أخيه إبراهيم، ثم إلى عيسى بن زيد، فلما أصيبا توارى عيسى بن زيد بالكوفة في دار علي بن صالح بن حي أخي الحسن بن صالح، وتزوج ابنة له، وولدت منه بنتاً ماتت في حياته، وخبره في ذلك يذكر بعد إن شاء الله.
حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد على سبيل المذاكرة فحفظته عنه لم أكتبه من لفظه، والحديث يزيد وينقص والمعنى واحد، قال: حدثني محمد بن المنصور المرادي، قال: قال يحيى بن الحسين بن زيد: قلت لأبي: يا أبة، إني أشتهي أن أرى عمي عيسى بن زيد، فإنه يقبح بمثلي أن لا يلقى مثله من أشياخه، فدافعني عن ذلك مدة وقال: إن هذا أمر يثقل عليه، وأخشى أن ينتقل عن منزله كراهية للقائك إياه فتزعجه، فلم أزل به أداريه وألطف به حتى طابت نفسه لي بذلك، فجهزني إلى الكوفة وقال لي: إذا صرت إليها فاسأل عن دور بني حي، فإذا دللت عليها فاقصدها في السكة الفلانية، وسترى في وسط السكة داراً لها باب صفته كذا وكذا فاعرفه واجلس بعيداً منها في أول السكة، فإنه سيقبل عليك عند المغرب كهل طويل مسنون الوجه، قد أثر السجود في جبهته، عليه جبة صوف، يستقي الماء على جمل، وقد انصرف يسوق الجمل لا يضع قدماً ولا يرفعها إلا ذكر الله - عز وجل - ودموعه تنحدر، فقم وسلم عليه وعانقه، فإنه سيذعر منك كما يذعر الوحش، فعرفه نفسك وانتسب له، فإنه يسكن إليك ويحدثك طويلاً، ويسألك عنا جميعاً ويخبرك بشأنه ولا يضجر بجلوسك معه، ولا تطل عليه وودعه؛ فإنه سوف يستعفيك من العودة إليه، فافعل ما يأمرك به من ذلك؛ فإنك إن عدت إليه توارى عنك، واستوحش منك وانتقل عن موضعه، وعليه في ذلك مشقة.
فقلت: أفعل كما أمرتني. ثم جهزني إلى الكوفة وودعته وخرجت، فلما وردت الكوفة قصدت سكة بني حي بعد العصر، فجلست خارجها بعد أن تعرفت الباب الذي نعته لي، فلما غربت الشمس إذا أنا به قد أقبل يسوق الجمل، وهو كما وصف لي أبي، لا يرفع قدماً ولا يضعها إلا حرك شفتيه بذكر الله، ودموعه ترقرق في عينيه وتذرف أحياناً، فقمت فعانقته، فذعرمني كما يذعر الوحش من الإنس، فقلت: يا عم أنا يحيى بن الحسين بن زيد بن أخيك، فضمني إليه وبكى حتى قلت قد جاءت نفسه، ثم أناخ جمله، وجلس معي، فجعل يسألني عن أهله رجلاً رجلاً، وامرأة امرأة، وصبياً صبياً، وأنا أشرح له أخبارهم وهو يبكي، ثم قال: يا بني، أنا أستقي على هذا الجمل الماء، فأصرف ما أكتسب، يعني من أجرة الجمل. إلى صاحبه، وأتقوت باقيه، وربما عاقني عائق عن استقاء الماء فأخرج إلى البرية، يعني بظهر الكوفة، فألتقط ما يرمي الناس به من البقول فأتقوته.
وقد تزوجت إلى هذا الرجل ابنته، وهو لا يعلم من أنا إلى وقتي هذا، فولدت مني بنتاً، فنشأت وبلغت، وهي أيضاً لا تعرفني، ولا تدري من أنا، فقالت لي أمها: زوج ابنتك بابن فلان السقاء - لرجل من جيراننا يسقي الماء - فإنه أيسر منا وقد خطبها، وألحت علي، فلم أقدر على إخبارها بأن ذلك غير جائز، ولا هو بكفء لها، فيشيع خبري، فجعلت تلح علي فلم أول أستكفي الله أمرها حتى ماتت بعد أيام، فما أجدني آسي على شيء من الدنيا أساي على أنها ماتت ولم تعلم بموضعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: ثم أقسم علي أن أنصرف ولا أعود إليه وودعني.(1/108)


فلما كان بعد ذلك صرت إلى الموضع الذي انتظرته فيه لأراه فلم أره، وكان آخر عهدي به.
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: نسخت من خط هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات، قال: حدثني عتبة بن المنهال، قال: كان جعفر الأحمر، وصباح الزعفراني ممن يقوم بأمر عيسى بن زيد، فلما بذل المهدي لعيسى بن زيد من جهة يعقوب بن داود ما بذل له من المال والصلة نودي بذلك في الأمصار ليبلغ عيسى بن زيد فيأمن، فقال عيسى لجعفر الأحمر وصباح: قد بذل لي من المال ما بذل، ووالله ما أردت حين أتيت الكوفة الخروج عليه، ولأن أبيت خائفاً ليلة واحدة أحب إلي من جميع ما بذل لي، ومن الدنيا بأسرها.
أخبرني عبد الله بن زيدان، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سعيد بن عمر بن جنادة البجلي، قال: حج عيسى بن زيد والحسن بن صالح، فسمعنا منادياً ينادي: ليبلغ الشاهد الغائب أن عيسى بن زيد آمن في ظهوره وتواريه، فرأى عيسى بن زيد الحسن بن صالح قد ظهر فيه سرور بذلك فقال: كأنك قد سررت بما سمعت، فقال: نعم. فقال له عيسى: والله إخافتي إياهم ساعة أحب إلي من كذا وكذا.
حدثني عيسى بن الحسين الوراق، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن مسعود الروقي، قال: حدثني السري بن مسكين الأنصاري المدني، قال: حدثني يعقوب بن داود، قال: دخلت مع الهدي في قبة في بعض الخانات في طريق خراسان، فإذا حائطها عليه أسطر مكتوبة، فدنا ودنوت معه فإذا هي هذه الأبيات:
والله ما أطعم طعم الرقاد ... خوفاً إذا نامت عيون العباد
شردني أهل اعتداء وما ... أذنبت ذنباً غير ذكر المعاد
آمنت بالله ولم يؤمنوا ... فكان زادي عندهم شر زاد
أقول قولاً قاله خائف ... مطرد قلبي كثير السهاد
منخرقٌ الخفين يشكو الوجى ... تنكبه أطراف مرو حداد
شرده الخوف فأزرى به ... كذاك من يكره حر الجلاد
قد كان في الموت له راحةٌ ... والموت خم في رقاب العباد
قال: فجعل المهدي يكتب تحت كل بيت: " لك الأمان من الله ومني فاظهر متى شئت " حتى كتب ذلك تحتها أجمع، فالتفت فإذا دموعه تجري على خده، فقلت له: من ترى قائل هذا الشعر يا أمير المؤمنين.
قال: أتتجاهل علي؟ من عسى أن يقول هذا الشعر إلا عيسى بن زيد.
قال: أبو الفرج الأصبهاني: وقد أنشدني علي بن سليمان الأخفش هذا الشعر عن المنذر لعيسى بن زيد فقال فيه:
شردني فضل ويحيى وما ... أذنبت ذنباً غير ذكر المعاد
أمنت بالله ولم يؤمنا ... فطرداني خيفة في البلاد
والأول أصح، لأن عيسى لم يدرك سلطان آل برمك ومات قبل ذلك.
حدثني أحمد بن محمد، قال: حدثني أحمد بن يحيى الحجري، قال: حدثني الحسن بن الحسين الكندي، عن خصيب الوابشي، وكان من أصحاب زيد بن علي وكان خصيصاً بعيسى بن زيد، قال: كان عيسى بن زيد على ميمنة محمد بن عبد الله بن الحسن يوم قتل، ثم صار إلى إبراهيم فكان معه على ميمنته حتى قتل، ثم استتر بالكوفة في دار علي بن صالح بن حي، فكنا نصير إليه حال خوف، وربما صادفناه في الصحراء يستقي الماء على جمل لرجل من أهل الكوفة، فيجلس معنا ويحدثنا. وكان يقول لنا: والله لوددت أني آمن عليكم هؤلاء فأطيل مجالستكم، فأتزود من محادثتكم والنظر إليكم، فوالله إني لأتشوقكم وأتذكركم في خلوتي وعلى فراشي عند مضجعي، فانصرفوا لا يشهر موضعكم وأمركم فيلحقكم معرة وضرر.
حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثني أحمد بن عبد الحميد، قال حدثني محمد بن عمرو بن عتبة، عن المختار بن عمر، قال: رأيت خصيباً الوابشي قبل يد عيسى بن زيد، فجذب عيسى يده ومنعه من ذلك، فقال له خصيب: قبلت يد عبد الله بن الحسن فلم ينكر ذلك علي.
قال أبو الفرج: وكان خصيب هذا من أصحاب زيد بن علي، وقد شهد معه حربه، وشهد مع محمد وإبراهيم حروبهما، وروى عنهم جميعاً، وروى عن زيد بن علي أيضاً عدة حكايات، ولم أسمع في روايته عنه حديثاً مسنداً.
حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثني أحمد بن يحيى بن المنذر، قال: حدثنا الحسن بن الحسين الكندي، قال حدثنا خصيب الوابشي، قال: كنت إذا رأيت زيد بن علي رأيت أسارير النور تجري في وجهه.(1/109)


حدثنا جعفر بن محمد بن جعفر بن الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، قال: حدثني محمد بن علي بن خلف العطار، قال حدثني محمد بن عمر والفقمي الرازي، قال: سمعت علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب العابد وهو أبو الحسين بن علي صاحب فخ، يقول: لقد رأيتنا ونحن متوفرون وما فينا خير من عيسى بن زيد.
حدثنا جعفر بن محمد العلوي، قال: حدثني محمد بن علي بن خلف، قال: حدثني محمد بن عمرو الفقمي، قال: قرأ عيسى بن زيد علي عبد الله بن جعفر.
قال أبو الفرج: عبد الله بن جعفر هذا والد علي بن عبد الله بن جعفر المدني المحدث، وكان من قراء القرآن، وكبار المحدثين، وخرج مع محمد بن عبد الله، فلم يزل معه حتى قتل محمد وطلبه المنصور فتوارى منه، وقد ذكرت خبره في ذلك في مقتل إبراهيم.
حدثني عبد الله بن زيدان البجلي، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سعيد بن عمر بن جنادة البجلي، قال: كان الحسن بن صالح، وعيسى بن زيد بمنى، فاختلفا في مسألة من السيرة، فبينما هما يتناظران فيها جاءهما رجل فقال: قد قدم سفيان الثوري، فقال الحسن بن صالح: قد جاء الشفاء.
فقال عيسى بن زيد: فأنا أسأله عن هذا الذي اختلفا فيه، وسأل عن موضعه فأخبر به، فقام إليه فمر في طريقه بجناب بن نسطاس العرزمي فسلم عليه، ومضى إلى سفيان فسأله عن المسألة فأبى سفيان أن يجيبه خوفاً على نفسه من الجواب لأنه كان شيء فيه على السلطان، فقال له الحسن بن صالح إنه عيسى بن زيد، فتنبه سفيان واستوفز، ثم نظر إلى عيسى بن زيد كالمستثبت فتقدم إليه فقال له: نعم أنا عيسى بن زيد. فقال: أحتاج إلى من يعرفك.
قال: جناب بن نسطاس أجيئك به.
فقال: افعل. قال: فذهب عيسى فجاءه به، فقال جناب بن نسطاس: نعم يا أبا عبد الله هذا عيسى بن زيد، فبكى سفيان فأكثر البكاء، وقام من مجلسه فأجلسه فيه وجلس بين يديه، وأجابه عن المسألة، ثم ودعه وانصرف.
قال أبو الفرج: وقد حدثني بهذا الحديث أحمد بن محمد بن سعيد، وكنت ذكرت له ما حدثني به ابن زيدان من ذلك فقال: حدثني محمد بن سالم بن عبد الرحمن قال: حدثني المنذر بن جعفر العبدي عن أبيه، قال: خرجت أنا والحسن، وعلي بن صالح ابنا حي، وعبد ربه بن علقمة، وجناب بن نسطاس مع عيسى بن زيد حجاجاً بعد مقتل إبراهيم، وعيسى بيننا يستر نفسه في زي الجمالين، فاجتمعنا بمكة ذات ليلة في المسجد الحرام، فجعل عيسى بن زيد، والحسن بن صالح يتذاكران أشياء من السيرة، فاختلف هو وعيسى في مسألة منها، فلما كان من الغد دخل علينا عبد ربه بن علقمة فقال قدم عليكم الشفاء فيما اختلفتم فيه، هذا سفيان الثوري قد قدم، فقاموا بأجمعهم فخرجوا إليه، فجاءوه وهو في المسجد جالس، فسلموا عليه، ثم سأله عيسى بن زيد عن تلك المسألة، فقال: هذه مسألة لا أقدر على الجواب عنها لأن فيها شيئاً على السلطان.
فقال له الحسن: إنه عيسى بن زيد، فنظر إلى جناب بن نسطاس مسثبتاً، فقال له جناب: نعم هو عيسى بن زيد، فوثب سفيان فجلس بين يدي عيسى وعانقه وبكى بكاء شديداً واعتذر إليه مما خاطبه به من الرد، ثم أجابه عن المسألة وهو يبكي وأقبل علينا فقال: إن حب بني فاطمة والجزع لهم مما هم عليه من الخوف والقتل والتطريد ليبكي من في قلبه شيء من الإيمان، ثم قال لعيسى: قم بأبي أنت فأخف شخصك لا يصيبك من هؤلاء شيء نخافه، فقمنا فتفرقنا.
أخبرني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثني محمد بن سالم بن عبد الرحمن، قال علي بن جعفر الأحمر، حدثني أبي، قال: كنت أجتمع أنا، وعيسى بن زيد، والحسن، وعلي ابنا صالح بن حي، وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، وجناب بن نسطاس، في جماعة من الزيدية في دار بالكوفة، فسعى ساع إلى المهدي بأمرنا ودله على الدار، فكتب إلى عامله بالكوفة بوضع الأرصاد علينا، فإذا بلغه اجتماعنا كبسنا وأخذنا ووجه بنا إليه. فاجتمعنا ليلة في تلك الدار، فبلغه خبرنا فهجم علينا، ونذر القوم به وكانوا في علو الدار، فتفرقوا ونجوا جميعاً غيري، فأخذني وحملني إلى المهدي فأدخلت إليه، فلما رآني شتمني بالزنا وقال لي: يا ابن الفاعلة أنت الذي تجتمع مع عيسى بن زيد وتحثه على الخروج علي وتدعو إليه الناس؟.(1/110)

22 / 36
ع
En
A+
A-