يغار علينا واترين فيشتفى ... بنا إن أصبنا. أو نغير على وتر
بذاك قسمنا الدهر شطرين بيننا ... فما ينقضي إلا ونحن على شطر
قال: ثم ظهرت لنا جيوش أبي جعفر مثل الجراد، فتمثل إبراهيم بهذه الأبيات:
نبئت أن بني خزيمة أجمعوا ... أمراً خلالهم لتقتل خالداً
إن يقتلوني لا تصب أرماحهم ... ناري ويسعى القوم سعياً جاهدا
أرمي الطريق وإن رصدت بضيقه ... وأنازل البطل الكمي الحاردا
فقلت: من يقول هذا الشعر يا ابن رسول الله؟.
فقال: يقوله خالد بن جعفر بن كلاب في يوم شعب جبلة، وهو اليوم الذي لقيت فيه قيس تميماً.
قال: وأقبلت عساكر أبي جعفر، فطعن رجلاً، وطعنه آخر، فقلت له: أتباشر الحرب بنفسك وإنما العسكر منوط بك؟.
فقال: إليك عني يا أخا بني ضبة كأن عويفاً أخا بني فزارة كان ينظر إلينا في يومنا هذا:
ألمت خناس وإلمامها ... أحاديث نفس وأحلامها
يمانية من بني مالك ... تطاول في المجد أعمامها
وإن لنا أصل جرثومة ... ترد الحوادث أيامها
نرد الكتيبة مفلولة ... بها أفنها وبها ذامها
والتحمت الحرب، واشتدت، فقال لي: يا مفضل: حركني بشيء، فذكرت أبياتاً لعويف القوافي لما تقدم بشعره، فأنشدته قوله:
ألا أيها الناهي فزارة بعدما ... أجدت بسير إنما أنت حالم
أبى كل حر أن يبيت بوتره ... وتمنع منه النوم إذ أنت نائم
أقول لفتيان كرام تروحوا ... على الجرد في أفواههن الشكائم
قفوا وقفةً من يحي لا يخز بعدها ... ومن يخترم لا تتبعه اللوائم
وهل أنت إن باعدت نفسك عنهم ... لتسلم فيما بعد ذلك سالم؟
فقال: أعد، وتبينت في وجهه أن سيقتل، فتنبهت وندمت فقلت: أو غير ذلك؟.
قال: لا بل أعد الأبيات، فأعدتها، فتمطى على ركابيه فقطعمها، وحمل فغاب عني، وأتاه سهم عائر فقتله، وكان آخر عهدي به.
حدثنا محمد بن محمد بن سليمان الباغندي. قال: سمعت إسحاق بن شاهين الواسطي يقول: كان خالد بن عبد الله الواسطي، من أهل السنة والجماعة، خرج الناس مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن غيره، فإنه لزم بيته.
قال أبو الفرج علي بن الحسين: حدثني بهذه الحكاية أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثني داود بن يحيى، قال: سمعت إسحاق بن شاهين يوماً، ذكر خالد بن عبد الله الطحان، مثله، وزاد فيه: ولكن أصحاب الحديث خرجوا معه جميعاً: شعبة بن الحجاج، وهشيم بن بشير، وعباد بن العوام، ويزيد بن هارون.
حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن هشام، قال: حدثنا محمد بن حفص بن راشد، قال: حدثنا أبي، قال: خرج هشيم بن بشير مع إبراهيم بن عبد الله، وقتل معه ابن له.
قال أحمد بن سعيد، وحدثني أحمد بن محمد بن بشر، قال حدثنا أيوب بن الحسن، قال: حدثني سليمان الشاذكوني، قال: خرج هشيم مع إبراهيم بن عبد الله، وقتل معه ابنه معاوية، فقال له رجل: يا أبا معاوية، رأيتك مع إبراهيم والرايات تخفق على رأسه.
حدثنا أحمد بن سعيد، قال حدثنا يحيى بن زكريا بن شيبان، قال: حدثنا يحيى بن صالح الجريري، قال: سمعت يونس بن أرقم العنزي، وكان من أصحاب إبراهيم بن عبد الله، يقول: كان المفضل بن محمد الضبي له غاشية على التشيع، وكان إبراهيم بن عبد الله بن الحسن إذا اجتمعنا إليه يجمعنا عند المفضل.
حدثنا أحمد بن سعيد، قال: حدثنا عبد الملك بن محمد الرقاشي، قال: حدثنا أبي قال: سمعت يزيد بن ذريع يقول: وأما المفضل الضبي فكان أكثر إقامة إبراهيم عنده حتى خرج، فكان لا يزال يدس ويحتال لكل من أمكنه أن يحوزه إلى مذهبه.
حدثني أحمد، قال: حدثنا يعقوب بن يوسف بن زكريا الضبي، قال: حدثنا قاسم بن الضحاك، قال حدثني معاوية بن سفيان المازني، قال حدثني إبراهيم بن سويد الحنفي، قال: سألت أبا حنيفة، وكان لي مكرماً أيام إبراهيم، قلت: أيهما أحب إليك بعد حجة الإسلام: الخروج إلى هذا أو الحج؟.
فقال: غزوة بعد حجة الإسلام أفضل من خمسين حجة.(1/101)
حدثني أحمد، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن إسحاق الراشدي، قال: حدثنا محمد بن عديس، قال: حدثني الحسين بن سلمة الأرحبي، قال: جاءت امرأة إلى أبي حنيفة أيام إبراهيم فقالت: إن ابني يريد هذا الرجل، وأنا أمنعه، فقال: لا تمنعيه.
حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن عمر بن سميع الأزدي قال: حدثنا محمد بن عديس الأزدي. قال: سمعت حماد بن أعين يقول: كان أبو حنيفة يحض الناس على الخروج مع إبراهيم ويأمرهم باتباعه.
أخبرني جعفر بن محمد الوراق، قال: حدثنا أحمد بن يوسف الجعفي، قال: حدثنا محمد بن خالد البرقي، قال: كان أبو حنيفة يقول في أيام إبراهيم ليبلغه ذلك! إنما أمر علي عليه السلام ألا يجهز على جريح، ولا يقتل مدبر في قوم لم يكن لهم فئة يوم الجمل، ولم يفعل ذلك بصفين، لأن القوم كانت لهم فئة.
حدثنا يحيى بن علي، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثني سليمان بن أبي شيخ قال: خرج معي هارون بن سعد لما ولاه إبراهيم واسطاً، وبرز إلى القتال عامر بن عباد بن العوام، ويزيد بن هارون، والعلاء بن راشد.
أخبرنا يحيى بن علي، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثني جناب ابن الشخشاخ، قال: لما خرج إبراهيم اتبعه معاذ بن نصر العنبري.
حدثنا يحيى بن علي، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا عمر بن عون، قال: ما زال عباد مستخفياً بالبصرة حتى مات أبو جعفر.
حدثنا يحيى، قال: حدثنا أبو زيد، قال: حدثنا عاصم بن علي، قال: قتل في تلك المعركة الحجاج أخو هشيم، ومعاوية ابنه.
حدثنا يحيى، قال: حدثنا عمر، قال: حدثنا عثمان بن الهيثم المؤذن والقحذمي، ويونس بن نجدة: أن إبراهيم استقضى عباد بن منصور على البصرة.
حدثنا يحيى، قال: حدثنا عمر، قال: حدثنا القاسم بن أبي شيبة، قال: خرج مع إبراهيم أبو خالد الأحمر.حدثنا عمر بن عبد الله، ويحيى بن علي، قالا: حدثنا أبو زيد، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن حكيم، قال: حدثني نصر بن مزاحم المنقري، قال: خرج مع إبراهيم أبو داود الطهوي. وأبو داود هذا ثقة قد روى عنه أبو نعيم والحسن بن الحسين السعدي، وغيرهما من المحدثين.
أخبرنا عمر ويحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، حدثنا عبد الله بن محمد بن حكيم، قال: حدثني عباد بن حكيم قال: خرج مع إبراهيم بن عبد الله جنادة بن سويد فقوده على ثلثمائة وشهد معه باخمري، وشهد معه المفضل بن محمد الضبي الراوية.
أخبرنا عمر بن عبد الله، ويحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، قال: حدثنا عقيل بن عمرو الثقفي، قال: خرج مع إبراهيم الأزرق بن تمة الصريمي متقلداً، وكان من أصحاب عمرو بن عبيد.
أخبرنا عمر بن عبد الله، ويحيى بن علي، قالا: حدثنا أبو زيد قال حدثني إبراهيم بن سالم، قال: كان إبراهيم الأسدي ممن سار بإبراهيم وأتى به أبو جعفر فحقره. فقال: أنت بريده؟ قال: نعم. قال: فاحلف لئن رأيت إبراهيم لتأتيني به، فحلف فخلاه، فلما ظهر إبراهيم أتاه، فقال: إن أبا جعفر أحلفني إن رأيتك لآتينه بك، فاشخص بنا إليه.
أخبرنا عمر، ويحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، قال: حدثني الحسين بن جعفر بن سليمان الضبي، قال: سمعت أخي داود يقول: أحصى ديوان إبراهيم من أهل البصرة مائة ألف.
أخبرنا عمر، ويحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، قال: حدثني عبد الله بن عبد الوارث قال: حدثني هاشم بن قاسم يكنى أبا النضر، وقد روى عن سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، ونضر ابنهما وهو من ثقات المحدثين.
أخبرنا عمر، ويحيى، قالا: حدثنا عمر بن شبة عن سلم بن فرقد.
أن عمر بن عون شهد مع إبراهيم باخمري، وكان من أصحاب هشام، روى عنه الحديث.
أخبرنا عمر ويحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، قال: حدثنا القاسم بن أبي شيبة قال حدثنا محمد بن بشر، قال: كنت عند سفيان الثوري أيام إبراهيم فجعل يقول: واعجباً لأقوام يريدون الخروج لمن يخرج، وقد خرج قوم لم يكونوا يرون الخروج.
قال: وخرج مع إبراهيم من أصحاب سفيان مؤمل، وحنبص.
ومؤمل هذا يقال له: مؤمل بن إسماعيل.
حدثنا عمر ويحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، قال: سألت أبا نعيم عن حنبص هذا فقال: كان خليلاً من أصحاب سفيان، وفيه يقول الشاعر:
يا ليت قومي كلهم حنابصا
قال أبو زيد: وحدثني إبراهيم بن سلم، قال: حدثني ابن هراسة، قال:(1/102)
قتل مع إبراهيم بن عبد الله صاحبان كانا لسفيان الثوري، كانا من خاصته.
أخبرنا عمر ويحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، قال: حدثني عبد الله بن محمد بن حكيم قال: خرج مع إبراهيم داود بن المبارك الهمداني عم أبي حيي فقتل في المعركة.
أخبرنا عمر ويحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، قال: حدثني خلاد الأرقط، قال: حدثني عمر بن النضر، قال: قتل إبراهيم وأنا بالكوفة، فأتيت الأعمش بعد قتله، فقال: أها هنا أحد تنكرونه؟ قلنا لا: قال: فإن كان ها هنا أحد تنكرونه فأخرجوه إلى نار الله، ثم قال: أما والله لو أصبح أهل الكوفة على مثل ما أرى لسرنا حتى نتزل بعقوته - يعني أبا جعفر - فإذا قال لي: ما جاء بك يا أعمش؟ قلت: جئت لأبيد خضراءك، أو تبيد خضرائي؛ كما فعلت بابن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدثني أبو عباد الصيرفي، قال: سمعت محمد بن علي بن خلف العطار، يقول: لما قتل إبراهيم بن عبد الله، قال سفيان الثوري: ما أظن الصلاة تقبل، إلا أن الصلاة خير من تركها.
أخبرني علي بن العباس المقانعي قال: حدثنا علي بن أحمد البناني، قال: سمعت محمد بن خلف العطار، يقول: لما قتل إبراهيم بن عبد الله، قال سفيان صاحب أبي السرايا لعامر بن كثير السراج: خرجت مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن؟ قال: نعم.
قال أبو الفرج: وجدت في كتابي الذي دفعه إلى عيسى بن الحسين، عن أحمد بن الحرث الخراز عن المدائني: خرج أبو محمد البريدي المؤدب مع إبراهيم بن عبد الله، وانهزم فيمن انهزم.
ومن مختار ما رثي به إبراهيم بن عبد الله قول غالب بن عثمان الهمداني:
وقتيل باخمري الذي ... نادى فأسمع كل شاهد
قاد الجنود إلى الجنو ... د توحف الأسد الحوارد
بالمرهفات وربالقنا ... والمبرقات وبالرواعد
فدعا لدين محمد ... ودعوا إلى دين بن صايد
فرماهم بلبان أب ... لق سابق للخيل سائد
بالسيف يفري مصلتاً ... هاماتهم بأشد ساعد
فأتيح سهم قاصدٌ ... لفؤاده بيمين جاحد
فهوى صريعاً للجبي ... ن وليس مخلوق بخالد
وتبددت أنصاره ... وثوى بأكرم دار واحد
نفسي فداؤك من صري ... ع غير ممهود الوسائد
وفدتك نفسي من غري ... ب الدار في القوم الأباعد
أي امرئ ظفرت به ... أبناء أبناء الولائد
فأولئك الشهداء والص ... بر الكرام لدى الشدائد
ونجار يثرب والأبا ... طح حيث معتلج العقائد
أقوت منازل ذي طوى ... فبطاح مكة فالمشاهد
والخيف منهم فالجما ... ر بموقف الظعن الرواشد
فحياض زمزم فالمقا ... م فصادر عنها ووارد
فسويقتان فينبع ... فبقيع يثرب ذي اللحائد
أمست بلاقع من بني ال ... حسن بن فاطمة الأراشد
قال أبو زيد: وقال غالب أيضاً:
كيف بعد المهدي أو بعد إبرا ... هيم نومي على الفراش الوثير
وهم الذائدون عن حرم الإس ... لام والجابرون عظم الكسير
حاكموهم لما تولوا إلى الل ... ه لمصقولة الشفار الذكور
وأشاحوا للموت محتبسي الأن ... فس لله ذي الجلال الكبير
أفردوني أمشي بأعضب مجبو ... باً سنامي والحرب ذات زفير
غيل فيها فوارسي ورجالي ... بعد عز وذل فيها نصير
ليتني كنت قبل وقعة باخم ... ري توفيت عدتي من شهور
وليالي من سني البواقي ... وتكلمت عدة التعمير
كنت فيمن ثوى ثويت تعود الط ... ير لحمي مبين التعفير
ومجال الخيلين منا ومنهم ... وأكف تطير كل مطير
قول مستبسل يرى الموت في ... الله رباحاً رئبال غابٍ عقير
قد تلبثت بالمقادير عنهم ... ملبث الرائحين عن ذي البكور(1/103)
إذ هم يعثرون، في حلق الأو ... داج حولي في قسطلٍ مستدير
آخر مقتله صلوات الله عليه ولعن قاتله.
الحسين بن زيد بن علي
وممن توارى منهم من شهد مع محمد وإبراهيم عليهما السلام توارياً طويلاً فلم يطلب وأمن فظهر الحسين بن زيد بن علي عليه السلام.
ويكنى أبا عبد الله.
حدثني علي بن العباس، قال: حدثني أحمد بن حازم، قال: حدثنا محول بن إبراهيم، قال: شهد الحسين بن زيد حرب محمد وإبراهيم بني عبد الله بن الحسن بن الحسن ثم توارى. وكان مقيماً في منزل جعفر بن محمد. وكان جعفر رباه، ونشأ في حجره منذ قتل أبوه، وأخذ عنه علماً كثيراً. فلما بم يذكر فيمن طلب ظهر لمن يأنس به من أهله وإخوانه.
وكان أخوه محمد بن زيد مع أبي جعفر مسوداً لم يشهد مع محمداً وإبراهيم حربهما فكان يكاتبه بما يسكن منه، ثم ظهر بعد ذلك بالمدينة ظهوراً تاماً إلا أنه كان لا يجالس أحداً ولا يدخل إليه إلا من يثق به.
حدثني علي بن العباس، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال: كان الحسين بن زيد يلقب ذا الدمعة لكثرة بكائه.
حدثني علي بن أحمد بن حاتم، قال: حدثنا الحسن بن عبد الواحد، قال: حدثنا يحيى بن الحسين بن زيد، قال: قالت أمي لأبي: ما أكثر بكاءك!. فقال: وهل ترك السهمان والنار سروراً يمنعني من البكاء - تعني السهمين الذين قتل بهما أبوه زيد وأخوه يحيى.
حدثني علي بن العباس، قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق الراشدي قال: حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل الهندي، عن الحسين بن زيد، قال: مررت على عبد الله بن الحسن وهو يصلي فأشار إلي فجلست، فلما صلى قال لي: يا ابن أخي، إن الله - عز وجل - وضعك في موضع لم يضع فيه أحداً إلا من هو مثلك، وإنك قد أصبحت في حداثة سنك وشبابك يبتدرك الخير والشر كلاهما يسرعان إليك، فإن تعش حتى نرى منك ما يشبه سلفك فتلك السعادة الثانية. والله لقد توالى لك آباء ما رأيت فينا ولا في غيرنا مثلهم، إن أدنى آبائك الذي لم يكن فينا مثله: أبوك زيد بن علي، لا والله ما كان فينا مثله، ثم كلما رفعت أنا فهو أفضل.
حدثني محمد بن الحسين الخثعمي، وعلي بن العباس جميعاً، قالا: حدثنا عباد بن يعقوب، قال: حدثنا الحسين بن زيد، قال: مررت بعبد الله بن الحسن وهو يصلي في مصلى النبي صلى الله عليه وسلم فأشار إلي بيده وهو قائم يصلي فأتيته فلما انصرف قال لي: رأيتك مختاراً فأردت أن أعظك لعل الله ينفعك بها. إن الله قد وضعك موضعاً لم يضع به أحداً إلا من هو مثلك، وإنك قد أصبحت في حداثة سن، وإن الناس يبتدرونك بأبصارهم، والخير والشر يبتدران إليك، فإن تأت بما يشبه سلفك فما نرى شيئاً أسرع إليك من الخير، وإن تأت بما يخالف ذلك فوالله لا ترى شيئاً أسرع إليك من الشر، وإنه قد توالى لك آباء، وإن أدنى آبائك زيد بن علي الذي لم أر فينا ولا في غيرنا مثله، فلا ترفع إلا أخذت الفضل، فعلي، فحسين، فعلي عليهم السلام.
حدثني علي بن العباس، قال: أنبأنا بكار بن أحمد، قال: حدثنا الحسن بن الحسين، عن الحسين بن زيد، قال: شهد مع محمد بن عبد الله بن الحسن من ولد الحسين بن علي أربعة: أنا، وأخي عيسى، وموسى، وعبد الله ابنا جعفر بن محمد عليهما السلام.
موسى بن عبد الله بن الحسن
خبر موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب حين ضربه المنصور بالسياط ويكنى أبا الحسن.
وأمه هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى.
ولدته هند ولها ستون سنة.
قال حرمي بن أبي العلاء: حدثني الزبير، قال: حدثني عمي مصعب: أن هنداً ولدت موسى ولها ستون سنة. قال: ولا تلد لستين إلا قرشية، ولخمسين إلا عربية.
ولموسى تقول أمه هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله وهو صغير ترقصه:
إنك إن تكون جوناً أنزعا ... أجدر أن تضرهم وتنفعا
وتسلك العيش طريقاً مهيعا ... فرداً من الأصحاب أو مشيعا
أخبرني بقصته وضرب المنصور إياه في الدفعة الأولى، عمر بن عبد الله بن جميل العتكي، قال: حدثنا عمر بن شبة عن رجاله، ونسخت من كتاب أحمد بن الحرث الخراز ذلك ولم أسمعه، إلا أن عيسى بن الحسين دفع الكتاب الذي نسخت هذا منه إلي وقال لي: هذا كتاب أحمد بن الحرث.(1/104)
وحدثني بقصته في المرة الأخيرة أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثني محمد بن أبي الأزهر، قال: أخبرنا عمر بن خلف الضرير، قال: حدثتني بثينة الشيبانية، وقد دخل الحديث في بعض وسقت خبره فيه قال عمر بن شبة في حديثه: حدثني موسى بن عبد الله بن موسى، عن أبيه، عن جده، قال: لما صرنا بالربذة، أرسل أبو جعفر إلى أبي أن أرسل إلي أحدكم، واعلم أنه غير عائد إليكم أبداً، فابتدره بنو أخوته يعرضون أنفسهم عليه، فجزاهم خيراً وقال لهم: أنا أكره أن أفجعهم بكم، ولكن اذهب أنت يا موسى.
قال: فذهبت وأنا يومئذٍ حديث السن، فلما نظر إلي قال: لا أنعم الله بك عيناً، السياط يا غلام، قال: فضربت - والله - حتى غشي علي، فما أردي بالضرب، ثم رفعت السياط عني واستدناني، فقربت منه، فقال: أتدري ما هذا؟ هذا فيض فاض مني، فأفرغت عليك منه سجلاً، لم أستطع رده، ومن ورائه والله الموت أو تفتدي منه.
قال: قلت: والله يا أمير المؤمنين إن كان ذنب، فإني لبمعزل عن هذا الأمر.
قال: فانطلق فأتني بأخويك.
قال: فقلت: يا أمير المؤمنين تبعثني إلى رياح بن عثمان فيضع علي العيون والرصد، فلا أسلك طريقاً إلا اتبعني له رسول، ويعلم أخواي فيهربان مني.
قال: فكتب إلى رياح: لا سلطان لك على موسى.
قال: فأرسل معي حرساً أمرهم أن يكتبوا إليه بخبري. فقدمت المدينة فنزلت في دار ابن هشام بالبلاط، فأقمت بها شهوراً.
قال أحمد بن الحرث في حديثه عن المدائني: فكتب رياح إلى أبي جعفر: إن موسى مقيم يتربص بك الدوائر، وليس عنده شيء مما تحب، فأمره أن يحمله إليه، فحمله، وبلغ محمداً خبره فخرج من وقته.
قال: ووجه محمد موسى إلى الشام يدعو إليه فقتل محمد قبل أن يصل وقيل: إنه رجع إليه فشهد معه مقتله، ثم هرب حتى أتى البصرة مستتراً فأقام بها: فحدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: حدثني محمد بن الأزهر، قال: حدثنا عمر بن خلف الضرير، قال: حدثتني بثينة الشيبانية، وكانت أرضعت أحمد بن عيسى بن زيد، والفضل بن جعفر بن سليمان: أن موسى لما قدم من الشام إلى البصرة أتاها فنزل عندها في منزلها ببني غبر. قالت: فقلت له: بأبي أنت، قد قتل أخواك، وولى البصرة محمد بن سليمان، وأنت خاله، وليس عليك بأس. قالت فأرسل رسولاً ليشتري له طعاماً، فحمله على حمال أسود صغير من الغلمان الذين يحملون حوائج الناس، فقالوا له: كم كراء ما حملت؟ قال: أربعة دوانيق، فأعطوه فلم يرض فازداد حتى أعطوه أربعة دراهم، فرضي وانصرف.
قالت: فوالله ما غسل يده من طعامه حتى أحاطت الخيل بالدار، فلما أحس موسى بذلك جزع، وأشرفت أنظر وقلت: ليست هذه الخيل إليكم، هؤلاء يطلبون قوماً من الدعار من جيراننا، فوالله ما أتممت الكلام حتى وافتنا الخيل في الدار. وكان مع موسى ابنه عبد الله، ومولى له، ورجل آخر من شيعته، فدخل الجند الدار، ومع بعضهم شيء ملفوف في كساء على كفل دابة من دوابهم فكشفوا الكساء فإذا الأسود الحمال، فقال لهم: هذا موسى بن عبد الله، وهذا ابنه عبد الله، وهذا مولاه، وهذا لا أعرفه.
فوالله لكأنه صحبهم من الشام. وأخذوهم حتى صاروا بهم إلى محمد بن سليمان فقال لهم: لا قرب الله قرابتكم، ولا حيى وجوهكم، تركتم كل بلد في الأرض إلا بلداً أنا فيه. فإن وصلت أرحامكم عصيت أمير المؤمنين، وإن أطعت أمير المؤمنين قطعت أرحامكم، وهو والله أولى بكم مني.
قال: فحملهم إلى المنصور، فضرب موسى بن عبد الله خمسمائة سوط فصبر، فقال المنصور لعيسى بن علي: عذرت أهل الباطل في صبرهم - يعني الشطار - ما بال هذا الغلام المنعم الذي لم تره الشمس.
فقال موسى: يا أمير المؤمنين، إذا صبر أهل الباطل على باطلهم، فأهل الحق أولى.
فلما فرغوا من ضربه أخرجوه، فقال له الربيع: يا فتى، قد كان بلغني أنك من نجباء أهلك، وقد رأيت خلاف ما بلغني.
فقال له موسى: وما ذاك؟ قال: رأيتك بين يدي عدوك تحب أن تبلغ في مكروهك وتزيد في مساءتك. وأنت تماحكه في جلدك، كأنك تصبر على جلد غيرك.
فقال موسى:
إني من القوم الذين تزيدهم ... قسواً وصبراً شدة الحدثان
وقد قيل: إن موسى لم يزل محبوساً حتى أطلقه المهدي، وقيل إنه توارى بعد ذلك حتى مات.
وكان موسى يقول شيئاً من الشعر، فحدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال:(1/105)