[اجتماعه بأحمد بن عيسى وعبد الله بن موسى]
[54] [أخبرنا السيد أبو العباس الحسني] عن محمد بن يزيد المهلبي قال: حدثنا العلائي قال: صرت إلى أحمد بن عيسى وهو متوار بالبصرة فسألته أن يحدثني بأحاديث، فقال: لما طلبنا هارون خرجت أنا والقاسم بن إبراهيم، وعبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن، فتفرقنا في البلاد، فوقعت في ناحية الري، ووقع عبد الله بن موسى بالشام، وخرج القاسم بن إبراهيم إلى اليمن، فلما توفي هارون اجتمعنا بالموسم فتشاكينا ما مرَّ علينا ونالنا، فقال القاسم عليه السلام: أشد ما مرَّ بي أني لما خرجت من مكة أريد اليمن صرت إلى مفازة لا ماء فيها، ومعي زوجتي ابنة عمي، وبها حَمْلٌ فجاءها المخاض في ذلك الموضع فحفرت لها حفرة لتتولى أمر نفسها، وضربت في الأرض أطلب لها ماء، فرجعت وقد ولدت غلاما وجهدها العطش، وألحت في طلب الماء فرجعت إليها وقد ما تت والصبي حي، فكان بقاء الغلام أشد علي من وفاة أمه، فصليت ركعتين ودعوت الله أن يقبضه، فما فرغت من دعائي حتى مات.
وشكا عبد الله بن موسى أنه خرج في بعض قرى الشام وقد جد به الطلب وأنه صار إلى بعض المسالح، وقد تزيا بزي الأكَرَة، والملاحين فسخره بعض الجند وحمل على ظهره، وأنه كان إذا أعيا وضع ما على ظهره للاستراحة ضربه ضربا مبرحا، وقال: لعنك الله ولعن من أنت منه.(1/495)
وقال أحمد بن عيسى: وكان من غليظ ما نالني أني صرت إلى ورزنين ومعي ابني محمد فتزوجت من بعض الحاكة هناك، واكتنيت بأبي جعفر الجصاص، فكنت أغدو وأقعد مع بعض من آنس به من الشيعة ثم أروح إلى منزلي، كأني قد عملت يومي، وأولدت المرأة بنتا، وتزوج ابني محمد إلى بعض موالي عبد قيس هناك، وأظهر مثل الذي أظهرت، فلما صار لابنتي نحو عشر سنين طالبني أخوالها بتزويجها من رجل من الحاكة له فيهم قدر، فضقت له ذرعاً لما دفعت إليه، وخفت إظهار نسبي وألح القوم علي في تزويجها ففزعت إلى الله وتضرعت إليه في أن يختار لها ويقبضها ويحسن علي الخلف «والعوض»، فأصبحت والصبية عليلة، ثم ماتت من يومها، فخرجت مبادراً إلى ابني محمد أبشره فلقيني في الطريق وأعلمني أنه ولد له ابن فسميته علياً وهو بناحية ورزنين لا أعرف له خبرا للاستتار الذي أنا فيه.(1/496)
[خروجه (ع)]
[55] [أخبرنا أبو العباس الحسني قال: أخبرنا] علي بن الحسين بن شقير الكوفي بالكوفة، في شعبان سنة ست وخمسين وثلاثمائة، قال: حدثني محمد بن منصور المرادي بالكوفة، سنة تسعين ومائتين، قال: كنت في منزلي بالكوفة سنة عشرين ومائتين كئيباً حزيناً لما فيه آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومَا فيه شيعتهم، حتى استأذن علي أبو عبد الله أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي عليهم السلام فاستقبلته، وأدخلته منزلي، ورحبت به، وسرتني سلامته من البصرة، ثم ما شعرت بشيء وأنا في الحديث معه والتوجع لما فيه أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى استأذن إلي أبو محمد القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل الرسي عليه السلام فاستقبلته وأدخلته، ورحبت به، وسررت بسلامته من الحجاز، وجعلنا نتحدث، ونذكر ما فيه الناس من الظلم والتعدي، ومَا تغلب عليه الجائرون، حتى استأذن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن عليه السلام فغدوت فاستقبلته، وأدخلته الدار، وهنأت له بسلامته، وقدومه من الشام سالما؛ لأنه كان بجبل لكام ؛ وأقبل عليه أحمد بن عيسى والقاسم بن إبراهيم يسألانه عن حاله وأمره.
قال: ورآهم أبو محمد الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد عليهم السلام فجاءنا ودق علينا الباب فقمت ففتحت له فسلم على القوم ودعالهم بالسلامة، وقال: الحمد لله الذي جمعنا وإياكم في دار ولي من أوليائنا.
قال محمد بن منصور: وهؤلاء هم الذين كان يشار إليهم ويفزع السلطان منهم، وقد امتنعوا عن الحضور عندهم وفي مجالسهم، وأخذ عطاياهم.
قال محمد بن منصور: فورد علي من السرور ما لا أحسن أن أصفه، ودهشت وأردت أن أخرج فآخذ ما يأكلون، فقالوا: إلى أين تمضي زرناك وتتركنا وتخرج؟
فقلت: يا سادتي، آخذ لكم ما يصلح من المأكول.
فقالوا: ومَا عندك شيء؟.
قلت: بلى، ولكن أستزيد.
قالوا: ومَا عندك؟
فقلت: عندي خبز وملح ولبن وتمر «سابري» .(1/497)
فقالوا: أقسمنا عليك لا تزيد على هذا شيئاً، وأغلق الباب لنأمن، فقمت واستوثقت من الباب وأغلقته، وقدمت إليهم طبقاً عليه خبز وملح، وخل ولبن وتمر، فاجتمعوا وسموا الله عزَّ وجل، وجعلوا يأكلون من غير حشمة حتى استوفوا وشربوا من ماء الفرات الذي كان عندي، وقاموا فتوضئوا للصلاة فصلوا صلاة الأولى فرادى، ووحدانا، فلما انقلبوا مدوا أرجلهم كل واحد على سجادته يتحدثون ويغتمون لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومَا هم فيه من الجور، والظلم، فقمت وقعدت على عتبة الصفة ليراني جماعتهم، وبكيت، وقلت: ياسادة أنتم الأئمة، وأنتم أولاد رسول الله وأولاد علي وفاطمة صلوات الله عليهم أجمعين «وأنتم المشار إليكم»، وأنتم أهل العقد والحل، وأنتم العلماء، والأئمة من ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وولد الوصي عليه السلام قد اجتمعتم وجمع الله بينكم، ونحن بلا إمام، ولا لنا جمعة ولا جماعة، ولا عيد، فارحموا كبر سني، واعملوا فيما يقربكم إلى الله عز وجل، وبايعوا واحدا منكم، أعلمكم وأقواكم حتى يكون الرضا منكم، ترضون به «لي ولأمثالي وللمسلمين، ولا نموت ميتة جاهلية بلا إمام، ويكون لنا إمام نطيعه ونعرفه ونموت بإمام».
فقالوا صدقت: أيها الشيخ، ما أحسن ما قلت، وإن لك ملتنا، ولحمنا ودمنا، وأنت منا أهل البيت، ومَا نطقت فهو الصواب، ونحن نفعله بإذن الله إن شاء الله.
قال: فقلت: فرحوني، ولا تبرحوا حتى تبرموه ولا تؤخروه إلى مجلس آخر، فإنا لا نأمن من الحوادث.(1/498)
فبرز أبو محمد القاسم إبراهيم، وأقبل على أبي عبد الله أحمد بن عيسى وقال: إن شيخنا وولينا قد قال قولاً صادقاً متفقاً، وقد اخترتك لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنت العالم القوي تقوى على هذا الأمر، فقد رضيتك، ورضي أصحابنا فَتَوَلَّ هذا الأمر، فمد يدك أبا يعك على كتاب الله وسنة رسوله، فأنت الرضا لنا، ما تقولون يا أصحابنا؟ قالوا جميعاً: رضا رضا، فقال أحمد بن عيسى: لا والله وأنت يا أبا محمد حاضر، إذا حضرت فلا يجب لأحد أن يتقدمك، ويختار عليك، وأنت أولى بالبيعة مني، فقال القاسم: اللهم [غفرا]، اللهم غفرا، أرضاك وأسألك أن تقوم بأمر أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فتحيله علي، فقال: لا يكون ذلك وأنت حاضر.
قال: ثم أقبل القاسم على عبد الله بن موسى، فقال: يا أبا محمد قد سمعت ما جرى وقد امتنع أبو عبد الله أن يقبل ما أشرت به، وأنت لنا رضا، وقد رضيتك لعلمك وزهدك.
فقال: يا أبا محمد نحن لا نختار عليك أحداً، وقد أصاب أبو عبد الله فيما قال، فأنت الرضا لنا جميعاً.
فقال القاسم: اللهم غفراً أحلت علي أنت أيضاً، لم تزهدون في النظر لأمة أبيكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وللناس عامة؟
ثم أقبل على الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد، فقال: فأنت يا أبا محمد اقبل هذا الأمر فإنك أهل له، وأنت قوي على النظر فيه، والبلد بلدك، وتعرف من أمر الناس مالا نعرف.
فقال: يا أبا محمد والله لايتقدم بين يديك أحد إلاّ وهو مخطئ، أنت الإمام، وأنت الرضا، وقد رضيناك جميعاً.
فقال القاسم: اللهم غفراً اللهم غفراً.
قال: ثم إن أحمد بن عيسى أقبل على القوم، فقال: إن أبا محمد لنا رضا وقد رضيت به.
قال عبد الله بن موسى والحسن بن يحيى: صدقت أيها الشيخ.(1/499)