عن نصر بن مزاحم عن عبد الله بن محمد النهشلي قال: إنه لما كان يوم السبت لست بقين من ذي الحجة أقبل هرثمة في جماعة كثيرة من أصحابه، فخرج إليه أبو السرايا وأهل الكوفة، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فقتل من أهل الكوفة ثلاثون رجلاً «وأسر مثلهم»، وقتل من أصحاب هرثمة سبعة نفر، ثم انصرفوا وعاد يوم الثلاثاء لخمس خلون من المحرم وقد احتشد واحتفل فخرج أبو السرايا إليه في أهل الكوفة، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وصبر كِلاَ الفريقين وامتدت بهم الحرب حتى انتصف النهار، وحميت الشمس عليهم، وكثر النداء في جانب الكوفة بالسلاح، فلم يبق متخلف إلاّ لحق بهم، ولا متقاعد إلاّ نهض للمعونة، وخرج النساء، والصبيان يرمون بالحجارة، ويستقبلون الناس بالماء والسويق.
قال بعض الناس: رأيت أبا السرايا في ذلك اليوم يشد على الميمنة فيخالطهم فيضرب ويطعن، ثم يرجز بالرماح فيشد على الميسرة، فيفعل فِعْلَه بالميمنة حتى أكْثَرَ القتلى، وتخضبت كفاه بالدم، وهو يقول:
وجهي مجني والحسام حصني .... والرمح ينبي بالضمير عني
واليوم أبدي ما أقول مني
عن نصر بن مزاحم عن عبد الله بن محمد قال: طرق هرثمة الكوفة يوم السبت لسبع خلون من المحرم، فخرج إليه أبو السرايا بالناس «فاقتتلوا قتالاً شديداًملياً من النهار، ثم انصرف وقد ظهر على أهل الكوفة وقتل منهم وأسر»، فلما أن كان يوم الخميس لأربع عشرة «ليلة» خلت من المحرم أقبل وقد «استعدوا» حتى وقف بالرصافة، وعبأ خيله تعبئة الحرب.
قال عبد الله: وقد كنت ممن وقف بالميسرة، فخرج علينا رجل كأطول الرجال وأكملهم على فرس وفي يده درقة وسيف، وهو يقول:
هل بارز للبطل المفارس .... «وراغب» في نصره منافس
فبرز إليه رجل من الأعراب وهو يقول:
أتاك يا داعي إلى البراز .... مجرب في ا لحرب ذو ارتجاز
نختطف القرن اختطاف الباز
فاختلفا طعنتين فقتل الرجل الأعرابي.
قال: فخرج رجل من الحربتين من أصحاب هرثمة، وهو يقول:(1/485)
صبراً فناديت به سميعاً .... أغر يروي سيفه نجيعا
يترك من بارزه صريعا
فاختلفا بينهما ضربتين فقتل الحربي الرجل وأخذ رأسه، ونادى البراز، فخرج إليه رجل من أهل الكوفة فضربه الحربي فقتله، ثم نادى البراز، فخرج إليه أبو السرايا وهو يقول:
أتاحك الدهر وأسباب الحين .... لليث غاب عطل من شبلين
لتفقدن العيش بعد الاثنين
فاختلفا بينهما ضربتان فضربه أبو السرايا فقتله، ثم نادى هل من مبارز؟ فبرز إليه رجل، وهو يقول:
إني لمن بارزني قرم خشن .... من غمرات الحرب مكلوم البدن
فضربه أبوالسرايا فقتله، فنادى ثالثة، فخرج إليه رجل، وهو يقول:
«من هاب من روع فلست هائبا» .... بثأر اثنين نهضت طالبا
أنج لك الويلات مني هاربا
فضربه أبو السرايا فقتله، وحملت عليه خيل هرثمة، وكثرت القتلى والأسرى منهم، ولقد رأيت أبا السرايا في ذلك اليوم وإن الدم لينصب من قبا حفناته.
وعن عبد الله بن محمد قال:لما خرج أبو السرايا من الكوفة خرج أشراف أهل الكوفة، ووجوهها إلى عسكر هرثمة فأعلموه بخروج أبي السرايا، وسألوهم أمانهم ولم يلبث أن لحق بأبي السرايا قوم من الأعراب، وقالوا: والله ما رأينا كاليوم قط أحسن بدءاً، ولا أقبح منصرفاً فما الذي أخرجك مما أنت فيه، فوالله ما أنت برعش الجنان، وإن هذا الحي من شيبان وسائر الأحياء من ربيعة لتقر لك بالفضل، فحمد الله أبو السرايا وأثنى عليه، ثم قال: أما والله يابن عمي مافعلت ذلك من جبن ولاخوف، ولكني بليت بثلاث لم يبل أحد بمثلهن: مكر هرثمة بن أعين، وقرب بغداد من الكوفة، ومخالفة الناس إياي، والله ماخرجت مما كنت فيه حتى أعياني الدواء، وحتى ساءت النيات، ونكلوا عن الحرب وأحبوا الراحة، ومَا أشك أن الله قد صنع فإن عادته حسنة وإيادته جميلة، ثم قال: أين تريدون؟(1/486)
قالوا: نحن قوم من بني شيبان ننزل بعين التمر فسمعنا بارتحالك وطعن القوم بالكوفة فأتيناك لأن نصير إلى قولك، ونصرتك، فدعا لهم أبو السرايا، ثم سرنا وساروا حتى إذا شارفنا واسط لقينا رجل على راحلة فسأله أبو السرايا من أنت؟
قال: أنا رجل من أهل اليمامة، وقعت إلى البصرة وأريد الوقوع إلى واسط.
فقال: كيف خلفت الناس بالبصرة؟
قال: هم ساكنون هادئون.
قال: فكيف رأيتهم في نصرتي؟
قال: ومن أنت؟
قال: أبو السرايا السري بن منصور الشيباني، فنزل الرجل فقبل يده، فقال: ما رأيت بها اثنين يجتمعان على مودتك، والنصرة لك، فعدل أبو السرايا عن واسط فعبر الدجلة، ثم توجه نحو الأهواز.
[51] [وأخبرنا السيد أبو العباس بإسناده] عن نصر بن مزاحم، عن محمد بن يحيى قال:كنت فيمن خرج مع أبي السرايا «إلىالأهواز» فانتهينا إلى مدينة من مدائنها يقال لها السوس، فتخوف أهل السوس على أنفسهم وأغلقوا أبوابهم، وأحرزوا أمتعتهم، فنادى فيهم أبو السرايا بالأمان فرجعوا وأطمأنوا، وبلغ الباذ غيسي وكان عامل الأهواز نزول أبي السرايا فكتب إليه «كتابا» يسأله الخروج «عن عمله» إلى بلاد فارس والجبال فإنه كاره لقتاله، ومحاربته، ويسأله الموادعة، فأبى أبو السرايا ذلك.
فكتب إليه: أما بعد، فقد فهمت كتابك ومَا أحببت من الموادعة، وكرهت لقائي وقد وادعتك، وأمنتك إلى أن ترحل من بلاد الأهواز، وتخليها إلي، فإن ارتحلت وإلا فلا أمان لك عندي. والسلام.(1/487)
فلما وصل الكتاب إلى الباذ غيسي جمع جنوده وأصحابه، ثم توجه نحو أبي السرايا فلم يشعر أبو السرايا إلاّ بأصحاب الطبول وأصواتها، وتكبير الجند، فنادى أبو السرايا فينا فاجتمعنا فحرضنا وذكرنا وخوفنا العواقب، ثم نهض بنا إليه، فلما صرنا إليه صير مدينة السوس وراء ظهورنا وواقفنا القوم، فلم نر عسكراً كان أكثر عدة وكراعاً منه، ومن ذلك العسكر، وأمسك أبو السرايا عن الحمل والقتال لما رأى من كثرتهم وعدتهم فدنا منه رجل من الأعراب فقال:والله ما هؤلاء القوم بأكثر ممن لقينا ولا بأشجع ممن هزمنا وقتلنا، فازحف بنا فإنا نرجوا أن يغلب الله بقلتنا كثرتهم، ثم ترجل وأنشأ يقول:
ما ذا ألوناَ كُرَّ بقلب صادق .... قد حصحص الحق إلى الحقائق
صبراً لهم بالسمر والبوارق
قال: ودنا رجل من العلويين، فقال:ما الذي تنتظر، أترجو أن يرجعوا عنك، وقد اطلعوا على وهننا، فلف القوم بالقوم، وألْحِم الخيل بالخيل، فإما أعطاك الله الظفر، وإما رزقنا الشهادة فقتلنا محامين عن ديننا.(1/488)
فترجل وترجل الناس، وزحف بعضهم إلى بعض بالسيوف، فما سمعنا إلاّ وقع السيوف على الهام، تقصف القنا، وأحدق الخيل على محمد بن محمد فقتل بين يديه بشر كثير، وصبر الفريقان جميعا، وخرج أهل السوس فعلوا البيوت والجدر ورموا بالحجارة والنيران، وكبروا من خلفنا، فانحاز إليهم أبو الشوك في جماعة من الأعراب و«جماعة» من أهل الكوفة فرآه الناس حين رجع فظنوا أنها هزيمة، ووضع أصحاب الباذغيسى فيهم السيوف فقتلوا وأسروا حتى حجزهم الليل وتفرق الناس في القرى والجبال، وركب أبو السرايا وجهه ومحمد بن محمد وأبو الشوك وجماعة من الأعراب وجوههم راجعين إلى الجبل، فلم يزل الناس يتفرقون عنهم حتى ما بقي معه من أصحابه أحد، وتقطعت بهم أفراسهم، فانحازوا إلى قرية من قرى حلوان، فوجد أبو السرايا بها رجلاً من «بني» شيبان فاستضافه وأقام عنده ليلته تلك، وأصبح الشيباني فأتى الكيدعوس، وكان على طريق الجبل فأخبره أن أبا السرايا في منزله، فلم يشعر أبو السرايا إلاّ بالخيل قد أحاطت بالقرية فخرج من الدار التى كان فيها فعلا جبلا كان قريبا منه «من القرية»، ونذربه الكيدعوس فأحاط بالجبل وصعدت إليه الرجال من كل ناحية، فكان يشد عليهم عند رأس كل شعب وهو يقول:
يا نفس صبراً قد أتاك الموت .... ما بعد ما عُمرت إلاَّ الفوت
فقاتل حتى أوجعته الرماح، وأثخنته السيوف، وضعف حتى كاد يسقط يميناً وشمالاً وناداه الكيدعوس: يا أبا السرايا، إنك مأسور فانزل تاركا فإنك آمن، فاستوثق منه أبو السرايا بالأمان ثم نزل، فلما صار في يده أخذ سيفه وأوثق كتافه، وقيده، فقال له أبو السرايا: فأين أمانكم؟
فقيل: ليس عليك بأس.
فقال له الكيدعوس: ادن مني، فدنا منه.
فقال: ويلك ياكيدعوس ويلك أنت أمنتني فقبلت أمانك وصدقتُ قولك ولست أشك في القتل، وأنا أكلفك حاجة تقضي بها حقي، وتكون عوضا من غدرك بي.
قال له كيدعوس: نعم.(1/489)