ثم أخذ بيد محمد بن محمد فقال: هذا شبيهه ونظيره المقتفي أثره، والمحيي سنته قد تقلد القيام بأمركم بعده، وندب نفسه لما نكل عنه غيره من أهل بيته محتسباً للأجر ملتمساً للثواب لدين الله والذب عن عباد الله، والدعاء إلى أوليائه، فمن كان منكم مقيماً على نيته راغباً في الوفاء لله بعهده فليبايع له، وليسارع إلى طاعته وإجابته، فبكى الناس حتى ارتفعت أصواتهم، وعلا نحيبهم، وجزعوا حتى تخوف عليهم الفتنة.(1/475)
[خطبته بعد مبايعته]
فقام محمد بن محمد، فقال: الحمد لله الذي كتب على خلقه الفناء، ولم يخلقهم للبقاء والخلود، ولم يجعل الموت عقاباً عاقب به أهل معصيته، ولا الحياة ثواباً أثاب به أهل طاعته، أحمده على سراء الأمور وضرائها، ومحبوبها ومكروهها.
أما بعد: فإن أبا عبد الله محمداً عليه السلام كان لكم كهفاً حصيناً، وحرزاً منيعاً جمع الله به أمركم، وأعز على طاعته نصركم، فعمره الله ما أحب أن يعمره، ثم قبضه إليه بالأجل الذي قدرله، فإنا لله وإنا إليه راجعون على المصيبة، ونسأل الله أن يحسن الخلافة علينا وعليكم بعده، ولا يحرمنا وإياكم الأجر والثواب، وإني قد قمت مقامه، وتحملت حمله، من غير مشاورة مني لملئكم، ولا معرفة بما اجتمعت عليه في أمري أهواؤكم، طلباً لِلَمِّ شعثكم، وتسكين نفرتكم، وجمع شتيتكم، فمن كان راضياً بي وولايتي فرضاه التمست، وإلى ما وافقه وأصلحه أسرعت، ومن كان كارهاً فليظهر كراهته، ويجعلني على علم من ذات نفسه، لأجتنب مساءته، وأعتزل عنه، فإنه لاحاجة لي في أمر اختلف فيه مختلف، ونقمه ناقم، وأنا أسأل الله خير القضاء، وحسن عواقب الأمور، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم، وصلى الله على محمد وآله أجمعين.
فقال محمد بن علي الأنصاري: فيما كان من ذلك من أمورهم:(1/476)
أبت السكون فما تجف مدامعي .... عينٌ تفيض بدمعها المتتابع
لما تذكرت الحسين وبعده .... زيداً تحرك حزن قلب جازع
صلى الإله على الحسين وفتية .... في كربلاء تتابعوا بمصارع
وعلى قتيل بالكناسة مفرد .... نائي المحل عن الأحبة شاسع
وجزى ابن إبراهيم عن أشياعه .... خيراً وأكرمه بصنع الصانع
نعم الخليفة والإمام المرتضى .... ذا الدين كان ومستقر ودايع
وجزى الإله أبا السرايا خير ما .... يجزي وصولاً من مطيع سامع
حاط الإمام بسيفه وبنفسه .... بلسان ذي صدق وفعل نافع
في فتية جعلوا السيوف حصونهم .... مع كل سلهبة وطرف رائع
فتلقين يابن النبي فما لها .... أحد سواك برغم أنف الطامع
فلقد رأيت بها عليك طلاوة .... وضياء نور في جبينك ساطع
قال نصر بن مزاحم: دخلت عليه في« اليوم» الذي بويع فيه مع رجل من المحبين والمهنئين فعزاه أكثر الناس ودخل رجل من الزيدية، فقال: يابن رسول الله، لم يمت من قمت مقامه، ولم يعدم من سددت مكانه، فأنت خير خلف من أفضل سلف، كشف الله بك الكربة، ودمل بك كلوم الرزية، وراجع بك آمال الشيعة، وقطع بقيامك ظنون الأعداء والحسدة، فرحم الله أبا عبد الله قد قضى حق الله عليه، وخرج من الدنيا سالماً بدينه، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ثم بكى، فقال له: اقعد رحمك الله فقعد، وسألت بعض من حضر: من هذا؟ فقال: هذا محمد بن علي الأنصاري.(1/477)
[بعض أخباره]
[48] [أخبرنا أبو العباس الحسني قال: حدثنا أبو زيد العلوي عن الكوفي] عن نصر بن مزاحم قال:لما قعد محمد للناس دخل عليه أشراف الكوفة ورؤساء الزيدية، ووفد عليه الأعراب من القرى، والبوادي، وقدم عليه مسافر الطائي، وموسى النهروي، ومنصور المحلمي، وركضة التميمي، ويعقوب بن حمران العجلي، ورستم الغنوي، ولم تبق قبيلة من قبائل العرب إلاّ أجابته، وسارعت إليه، إلاّ بني ضبة فإنها قعدت عن نصرته «وخذلت الناس عنه»، فغلظ ذلك قلوب أهل الكوفة عليهم، وأغراهم باللعنة لهم.
قال نصر: لما مضت لمحمد بن محمد ثالثة يوم بويع له فرّق عماله وعقد ألويته، فولى إسماعيل بن علي خلافته على الكوفة، وولّى روح بن الحجاج العجلي شرطته، وأحمد بن السري الأنصاري ديوانه، وأقر عاصم بن عامر على القضاء، وولّى نصر بن مزاحم السوق، وعقد لإبراهيم بن موسى بن جعفر على اليمن، ولزيد أخيه على الأهواز، وللعباس بن محمد على البصرة، وولّى جرير بن الحصين على السنين وسورا، وولّى علي بن الفهد بالبداة، وعمير بن جعفر العطاردي تستر، ويحيى بن فزعة الساحلين ونهر يوسف وناروشا ونهر الملك وكسور الرواي، وولى الفلوجتين عبد الملك بن شاه والنهرين وعين التمر الصقر بن برزة، وعقد لابن الأفطس على مكة، وفرض للولاة الفروض، وقواهم بالرجال، وأقام أبو السرايا رحمه الله بالكوفة حتى سكنت روعة الناس، واندملت مصيبتهم، ثم توجه بهم إلى القصر.
قال نصر: حدثني رجل من أهل الكوفة ممن سكن القصر، قال:وافى زهير القصر في اليوم الذي هزم فيه فأقام به أياماً، حتى سكن قلبه ووافى من كان تفرق عليه بالهزيمة من أصحابه، ثم نادى فيمن كان بالقصر من الكوفيين: برأت الذمة ممن أقام بعد ثلاث، فكان الكوفيون يلقى ببعضهم بعضاً، ويقولون: ما ترون ما أصبنا به من ظلم هذا الرجل إيانا، وتحامله علينا، إن تركنا القصر وخرجنا عنه أضعنا معايشنا، وإن أقمنا بعد ندائه فينا عَرَّضنا نفسنا.(1/478)
قال: فما وفت الثلاث حتى رأينا أعلام أبي السرايا قد أقبلت من جسر سوراء، فكبرنا سروراً بها، وسمع زهير التكبير فخرج هارباً، ودخلت خيل أبي السرايا القصر فأقاموا بها حتى أراحوا «خيولهم» ودوابهم، وودعوا أنفسهم، ثم رجع إلى سوق أسد.
[49] حدثنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني بإسناده عن نصر بن مزاحم، عن رجل من أهل الجامع قال: نزل عبدوس بن أبي خالد الجامع فيمن كان معه من خيول أهل بغداد ورجالهم، فلما بلغه هزيمة زهير ودخول أبي السرايا سوق أسد خندق حوله، وحصن عسكره، وعمد إلى ما كان في البيادر من الأطعمة فاحتازه، وجمعه، ثم فرقه في أهل الجامع وأمرهم أن يطحنوه لأصحابه، وتهيأ للقتال، واستعد للحرب، قال: فتقاعد أهل الجامع به، انتظاراً لقدوم أبي السرايا فنادى فيهم وعاقب بعضهم، فما قطع المنادي نداءه حتى وافى أبو السرايا سوراء فيمن معه.
عن نصر بن مزاحم عن عبد الله بن محمد قال: وقف أبو السرايا على شاطئ سوراء مما يلي الكوفة، ونادى عبدوس في أصحابه، فركبوا دوابهم ولبسوا أسلحتهم، ووقف حياله، وقال:يا أبا السرايا على من تُجَاهِلُ وإلى كم تُمَادِي في غيك، وتتابع في ضلالك مرة شارد تحارب جنود أمير المؤمنين وتقتل رعيته، ومرة لص تقطع الطريق وتخيف السابلة، ومرة تستنهض السفهاء إلى خلع الطاعة ونكث البيعة، أما آن لك أن ترجع إلى حظك، ويفارقك شيطانك، أترجو أن تزيل الدولة وتغير الخلافة بغوغاء الكوفة ويهود الحيرة؟ هيهات.. هيهات دون ذلك سيوف خراسان ورماحها، وفرسان الأنبار وحماتها، أما والله إن الأمان لأودع وأعود عليك، وأحقن لدمك، فالنهضة قبل الصرعة والرجعة قبل الندامة.(1/479)