[سبب خروجه]
[39] أخبرنا أبو العباس الحسني قال: حدثنا أبو زيد العلوي عن أبي جعفر أحمد الحسني الكوفي قال: أخبرنا أبو الفضل نصر بن مزاحم المنقري، قال: كان سبب خروج محمد بن إبراهيم أن نصر بن شبيب القيسى خرج حاجاً قبل أن تعظم شوكته ويعلو أمره إلى مكة وذلك في سنة ست وتسعين ومائة فوافاه، وقد شهد الموسم بشر كثير من أهل الكوفة وأهل البصرة وسائر الآفاق والبلدان، فجعل يتعرض فِرَق الناس فرقةً فرقةً فسألهم نصر عن السبب الذي استحق به علي عليه السلام التقدم والأثرة، فنسبوا له ذلك حتى أثبتوا لعلي الوصية، ولولده من بعده.
فقال نصر: فهل في ولده اليوم من يقوم بالولاية؟
قالوا: أكثرهم محتمل، وآيس، ولكن أشدهم احتمالاً لها للفضل ثلاثة: عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن، وأحمد بن عيسى بن زيد بن علي، و محمد بن إبراهيم بن إسماعيل، فأما أحمد وعبد الله فرجلان قد شغلا بالنسك والعبادة وخلعا الدنيا من أعناقهما، وتخليا من الناس فليس أحد يعرف مكانهما، ولا يقدر على الوصول إليهما إلاّ بنوهما.
وأما محمد فملازم بيته مقبل على صلاته وصيامه يحضر الموسم، ويشهد المشاهد ويقضي الحقوق، وهو أخلق أهل بيته للحركة، وقد شهد الموسم، فلما كثر من يغشاه من الناس تخوف الفتنة واستتر.
قال: فمن يصل إليه؟
قالوا: مولى له يلي خدمته، ويختلف في حوائجه، يقال له موفق.(1/460)
[بيعته وبعض من أخباره]
[40] قال أبوالعباس الحسني بإسناده هذا عن نصر بن مزاحم المنقري، عن موفق قال: كنت واقفاً في سوق الكيل «بالسوق» في بعض حوائج محمد عليه السلام إذْ وقف عليَّ فارس حسن اللحية ممتد القامة عليه ثياب ودرع بيضاء وعمامة خز، وكان راكباً على فرس كميت أغر، فسلم فرددت عليه السلام، فقال: يا موفق إنك قد وصفت لي بخير، وقد رجوت أن تكون موضعاً لسري، والصنيعة عندي، فهل أنت مصدق لي ظني ومتلطف لي في حاجتي؟
فقلت: ما أحقك رحمك الله بأن يصان سرك ويرغب في اليد عندك، فأما الحاجة فقد كنت لا أضمنها إلاّ بعد المعرفة فإن قدرت على قضائها قضيت، وإن تكن الأخرى لم أكن عندك في حد أهل الغدر والكذب.
قال: فتبسم، ثم قال: صدقت وبرزت حاجتي أن يستأذن لي على أبي عبد الله لأسلم عليه وأجدد عهداً به وأقضي ما أوجب الله علي من حقه.
قال: فسكت متفكراً في حاجته وارتج علي جوابه ولم أدر ما أقدم عليه إن أذنت له من موافقه محمد، وعظم علي رده لما رأيت من حسن منظره وكمال هيئته ورأى التحير والإفحام في وجهي، فقال لي: أو غير هذا؟
قلت: ومَا هو؟
قال: توصل إليه كتابي، ثم يكون هو بعد يرى رأيه في الإذن لي.
فقلت: ذلك إليك، فدفع إليّ كتاباً فيه هذا الشعر:
عزب المنام فما أذوق مناما
بل كيف أهجع أو ألائم مضجعا
في بحر جورٍ زاخر وعماهة
أمسى يسوس المسلمين عصابة
...إلى آخر القصيدة.
والهم يضرم في الفؤاد ضراما
والدين أمسى أهله عُواما
في فتنةٍ لايعرفون إماما
لايعرفون محللاً وحراما
قال موفق: فأتيت به محمداً فقال: التمس لي هذا الرجل فأدخله علي سراً لا يعلم به أحد، فلما عاد إليَّ نصر أدخلته إليه، فاستخليا ناحية من الدار، فلما أصبحنا قال نصر: يا بن رسول الله إني أريد الموقف، ولست أدري ما أنا عليه منك، ولا ما الذي أنصرف به من عندك، فما الذي تأمرني به؟(1/461)
قال: الخطر عظيم والرأي سقيم، ولابد من مشاورة ومناظرة، فإذا صح الرأي أنفذت العزيمة، وأنا مواقع هذا المصر؛ وأومأ بيده إلى الكوفة؛ فإنه محل شيعتنا ومجمع أنصارنا، فمناظرهم فيما دعوتني إليه، وعارض عليهم ماندبتني له، ثم يأتيك رأيي بالتقدم أو التأخر، فتعمل على قدر ما يأتيك منه إن شاء الله.
[41] [وحدثنا أبو العباس الحسني قال: حدثنا أبو زيد العلوي عن أبي جعفر أحمد بن الحسين الكوفي عن] نصر بن مزاحم قال: حدثني الحسن بن محمد السلمي، قال:خرجت مع عمي حاجاً سنة ثمان وتسعين ومائة، فلما صرنا بالمدينة تطوف عمي بمنازل الطالبيين منزلاً منزلاً ليسلم عليهم، ويقضي من حقوقهم، وحق من حضر المدينة، فلما صار إلى منزل محمد بن إبراهيم وقضى حق السلام عليه قال: إلى كم يا بن رسول الله نوطئ الخسف ونركب بالعسف، إلى كم تغضون أبصار شيعتكم، أما والله لقد تركت بالكوفة سيوفاً حداداً، وسواعداً شداداً، وأنفساً معلقة بكم، وقلوباً نازعة إليكم، ومَا بقي إلاّ قدومكم حتى يقضي الله إحدى الحسنيين إما بفتح عاجل أو بموت مفرج.
قال: فتبسم ثم قال: يرحمك الله أنا على التقدير قبل التدبير، والتفكر قبل العمل، إن أصحابك قول بلاعمل، وإقدام بلاروية، وقيل «له: إن» بالباب قوم من الكوفة، فأمسك عن الكلام وأذن لهم فدخلوا، فعرفت عامتهم، فسلموا عليه ورحب بهم، وأكب بعضهم على عمي يُسَارُّه بشيء لا أدري ماهو.
قال: فأومأ إليَّ أن اخرج، فخرجت إلى صحن الدار، فلم أزل أسمع الصوت يرتفع تارة وينخفض أخرى حتى خرجوا فخرجت معهم، ومضينا إلى مكة فقضينا حجنا ومناسكنا، ثم قدمنا إلى الكوفة، فلم نزل معه نلي خدمته في حله وترحاله حتى وافاها، وأقام بها أياما يكتم أمره ويخفي قدومه، وكان رئيس الرؤساء؛ يختلفون إليه يسألونه الخروج بهم، وأخذ البيعة، وهو يقدم ويؤخر في إجابتهم، وكان يخرج سراً فيطوف في سكك الكوفة.(1/462)
فلما حضرته الزيدية «قام فيهم خطيباً» فقال: الحمد لله الذي لم يتخوف أن يسبق فيعجل، ولم يسرع إلى أحد ممن جهل حقه، وكفر نعمته فيراقب، بل متعهم بالنظرة، وفتنهم بالتأخير...إلى آخر الخطبة.
ثم قالوا: يابن رسول الله منك النداء، ومنا الإجابة، وعليك الإذكار، وعلينا الطاعة، وأنتم ولاة الإسلام وأنصار الدين، وقادة الأمة، وذادة الجور، ونحن شيعتكم وأنصاركم، ومن تطيب أنفسنا بالموت في حقكم، فابسط يدك نبايعك، فإنا نرجوا أن تكون بيعة يعز الله بها «الإسلام» وأهله، ويذل الظلم وولاته، فبسط يده فبايعه من حضره ووافاه ممن لم يحضر منهم، فما وفت الليلة حتى اجتمع له مائة وعشرون رجلاً، ثم توجه نحو الجزيرة.
[42] [وحدثنا أبو العباس الحسني قال: حدثنا أبو زيد العلوي عن أبي جعفر أحمد بن الحسين الكوفي] عن نصر بن مزاحم المنقري قال: حدثني علي بن أحمد الهمداني قال: دخلت على الحسين بن زيد الشاكري بعد أن خرج محمد عليه السلام بأيام وهو عليل، فقلت:كيف تجدك من علتك؟
قال: أجدني في عقال من الدنيا وسير من الآخرة، وحجاب عن الشهادة، وحرمان من الثواب.
قلت له: إن في المرض لخير.
قال: وأي خير يكون في أمر قصَّرني عن أصحابي وبِطَّأني عن نصرة أهل «بيت النبي» محمد صلّى الله عَلَيْهِ وآلَهِ وسَلّم.
ثم تلا هذه الآية: ?يَالَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا?[النساء:73].
قال نصر بن مزاحم: وقدم محمد بن إبراهيم الجزيرة وتلقاه نصر بن شبيب في جماعة من أصحابه فأنزله ومن معه وأكرم مثواه، وعظم قدومه، وقال: يابن رسول الله، أبطأت عنا حتى ساءت الظنون واشتد الإشفاق، وتفرقت القلوب، وامتدت الأعناق، أما إني أرجو أن يجعل الله قدومك عزَّ الحق وظهوره، وإماتة الجور ودفنه.(1/463)
ثم جمع أصحابه، وقال: يا معاشر قيس، إن من غضب لِلَّه غضب الله له، ومن سعى في رضا الله تولى الله ثوابه، ألاّ وإن هذا ابن بنت نبيكم وأوجب الناس حقاً عليكم، فدخل في بلدكم، ونزل بين أظهركم يريد الانتصار لكم بكم، والدفع عنكم بسيوفكم، وهو من لا يطعن عليه في دين، ولا رأي ولا بأس ولا عزم، وقد رضينا إمامته وحمدنا مختبره، فمن كان لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم عليه حق وللإسلام «عنده» صدق ونصرة، فليتقدم في بيعته ونصره.
فتكلم أصحابه فبعضٌ أجاب، وبعض امتنع فاختلفوا حتى تدافعوا وتلاطموا، فأمرهم بالانصراف فانصرفوا، ثم بعث إلى نفر من بني عمه ممن كان يفزع إلى رأيه في حرب إن كانت أو نازلة إن نزلت، فأعلمهم ما جرى بينه وبين محمد بن إبراهيم من المواعدة ووفائِه له، وقدومه عليه وسألهم عن رأيهم في إجابته، فاختلفوا في الرأي وبلغ ابن عم له خبر محمد، فكتب إلىنصر :
يا نصر لا تجرر عليك بلية .... دهياء يخترم النفوس ضرامها
يا نصر إنك إن فعلت وجدتها .... يغشاك في أي البلاد عزامها
يا نصر لا يذهب برأيك عصبة .... تبعوا الغرور حقيقة أحلامها
إلى أبيات أخر.
فلما قرأ كتابه بعث إليه، وقال:ويحك كيف يجوز نسخ هذا الأمر وقد تقدمت في إبرامه أو الرجوع عنه، وقد سعيت في تأكيده؟(1/464)