قال محمد بن الحسن: فكنا وكل من كان في دار الرشيد يتعجب من أبي البحتري وهوحاكم وفتياه بما أفتى به، وتقلده دم رجل من المسلمين، ثم من حمله في خفه سكينا.
قال: ولم يقتل الرشيد يحيى في ذلك الوقت، وإنما مات في الحبس بعد مدة.
قال محمد بن سماعة: وقرب الرشد محمد بن الحسن بعد ذلك وتقدم عنده وأحضره ليوليه قضاء القضاة، قال:وأشخصه معه إلى الري واعتل، وتوفي هو والكسائي، فماتا في يوم واحد.
فكان الرشيد يقول: دفنت الفقه والنحو بالري.
وذكر أن محمد بن الحسن لما أفتى بصحة الأمان، ثم أفتى أبو البحتري بنقضه وأطلق له دمه، قال له يحيى: يا أمير ا لمؤمنين يفتيك محمد بن الحسن؛ وموضعه من الفقه موضعه بصحة أماني فيفتيك هذا بنقضه، ومَا لهذا والفتيا إنما كان أبوهذا طبالاً بالمدينة.(1/445)
[استشهاده (ع)]
قال النوفلي: حدثني زيد بن موسى، قال: سمعت مسرور الكبير يقول: إن لآل أبي طالب أنفساً عجيبة، أرسلني الرشيد إلى عبد الملك بن صالح، حين أمره بحبسه فجئته فقلت له: أجب، فقال: يا أبا هاشم، ومَاذا؛ وأظهر خوفاً وجزعاً شديداً؟
فقلت له: لا علم لي.
قال: فدعني أدخل أجدد طهوري.
قلت: لا.
قال: فدعني أوصي.
قلت: لا.
قال: فدعا بثياب يلبسها.
فقلت: لا إلاّ ثيابك التي عليك.
قال: فحملته معي على دابة، وقَنَّعْتُ رأسه بردائه ومضيت به سريعاً، فآذاني طوال طريقى :يا أبا هاشم ناشدتك الله لما أخبرتني لم دعي بي؟
فأعرضت عنه، ثم أحضرته الباب فأمر الرشيد بدفعه إلى الفضل بن الربيع فحبسه عنده.
قال مسرور: أمرني بإتيان يحيى بن عبد الله في اليوم الذي حبسه فيه فجئته فقلت له:أجب، فوالله ما سألني عن شيء، ولا قال: أجدد طهوراً ولا ألبس قميصاً حتى نهض فركب معي، فما كلمني في طريقه بكلمة حتى صرت به إلى الباب، وأمرني الرشيد بحبسه عندي في سرداب، ووكلت به، وكنت أدخل إليه في كل يوم قوته، فبينما الرشيد يوماً قد دعا بغدائه إذ أقبل علي فقال: يامسرور، اذهب فانظر إلى أي شيء يصنع يحيى بن عبد الله واعجل إليَّ.
فمضيت ففتحت عنه السرداب فوجدته يطبخ قدرة عدسية ببصل مع لحيم أدخلناه إليه مما كنا نقوته به.
قال: فأعرضت عنه وخرجت إلى الرشيد فأخبرته؛ فقال: اذهب فقل له أطعمنا من قدرك.
فجئته فقلت له ذلك، فتناول جويماً كان بين يديه فأفرغ القدر فيه، قال: فغطيته ودفعته إلى خادم فركض به حتى وضعه بين يدي الرشيد على مائدته.
قال: فتشاغل والله الرشيد بأكله عن الأطعمة كلها، وأكل ما كان في الجام أجمع، حتى لقد رأيته يمسح بلقمته بصلاً قد لصق بجانب الجام فيأكله، ثم أقبل عليَّ، وقال: يا مسرور أحضرني الساعة مائة خلعة من خاص ثيابي في مائة منديل، ولتكن من أصناف الثياب كلها من ثيابي المقطعة المخيطة، وائتني بمائة وصيف، فأعجلت ذلك عليه.(1/446)
قال: ليحمل كل وصيف منديلاً وائتي بها يحيى، وقل له أطعمتنا من طعامك، ونكسوك من كسوتنا.
قال: فإن أبى أن يقبل منها شيئاً فاعرضها عليه منديلاً منديلاً وثوباً ثوباً.
قال: فمضيت بها إليه وأبلغته الرسالة.
فقال يحيى: قل لأمير المؤمنين، هذا من لباس أهل العافية، ولست من أهلها، فليس بي إليها حاجة فاردده إلى موضعه.
قلت: فإنه قد أحب أن تنظر إلى هذه الثياب.
قال: اصنع مابدا لك.
قال: فجعلت أعرضها عليه ثوباً ثوباً، فما ينظر إليها ولا يحفل بها حتى فرغت منها.
فأقبل علي، فقال: يا أبا هاشم أرى أمير المؤمنين قد ذكرني، فإن رأيت أن تخبره بما أنا فيه من الضيق، وتسأله الصفح والتفضل فافعل.
فقلت له: لا ولا كرامة لك، لست لذلك بأهل مع خروجك على أمير المومنين، وتمنيك ماليس لك، ورجعت إلى الرشيد فخبرته بعرضي الثياب عليه، وبما قال لي.
قال: فرآها كلها؟
قلت: نعم. فبكى حتى رأيت الدموع تتحدر على خديه.
فقلت له: إنه قال كذا وكذا، فرأيته وقد غضب وذهبت الرقة وقلصت الدموع من خديه، وارتفعت، ثم نهرني وقال:فما قلت له؟ فخبرته بما قلت، فسكن، وقال:أحسنت بارك الله عليك.
قال النوفلي: فخبرني أبي وغيره أن يحيى بن عبد الله أقام في الحبس حتى بعث الرشيد إليه من خنقه فمات.(1/447)
قال إبراهيم بن رباح : أخبرني جماعة من القواد منهم سلم الأحدب، وكان يقول: إنه مولى المهدي، وكان مع طاهر بالرقة، قال:لما صار طاهر إلى الرافقة احتاج إلى مرمة المنازل السلطانية التي سكنها وأن يهدم بعضها فيوسع ما كان ضيقاً، فأمر بذلك، فكان فيما أمر بهدمه منارة مرتفعة من الأرض بجص وآجر لم يُرى لها معنىً في وسط ذلك البناء، فلماَّ هُدِمَتْ أتاه القيم وهو مذكور، فقال:إني هدمت هذه المنارة فهجمت على رجل أقيم فيها، ثم بنيت عليه، فقام طاهر حتى صار إلى الموضع وأشرف عليه، فلما نظر إليه قال:نعم هذا يحيى بن عبد الله بن الحسن بلغنا أنه صبر أيام الرشيد هاهنا بالرافقة وأمر بدفنه رحمة الله عليه.
قال الأمير أبو الفضل بن الداعي رحمه الله: هذا الفعل من هارون يدل على حمقه وقلة تمييزه، وهب أنه قتل ابن عمه لأنه خاف على نفسه وملكه ولم يراقب الله عزوجل، فأية فائدة كانت في بناء منارة عليه.
[35] رَوَى أبو العباس الحسني رضي الله عنه بإسناده عن يحيى بن خالد البرمكي، قال: بعث إليَّ هارون ذات ليلة بعد العتمة فصرت إليه، فقيل لي: إنه على السطح؛ فصعدت فإذا هو على كرسي جديد قاعد، وجهه نحو المشرق وظهره إلى المغرب، فوقفت بين يديه وسلمت فرد علي السلام ثم قال لي: صر إلى ذلك الموضع، فصرت إلى الموضع الذي أومأ إليه، فمارأيت إلاّ خيال بياض في صحن الدار فانصرفت إليه فقال:ماذا رأيت؟
فقلت : ما رأيت إلاّ خيال بياض في صحن الدار.
فقال لي: اجلس، فجلست بين يديه فمازلت أسامره ويجيبني عن كلامي حتى قال: إن هذا الصبح قد تنفس.
فقلت: يا أمير المؤمنين هذا العمود الأول، فقال لي: سر إلى ذلك الموضع فتطلع إلى الصحن فانظر ماذا ترى. قال: فعدت إلى الموضع فلم أر إلاَّ خيال ذلك البياض قائماً في صحن الدار.
فقال: أتدري ماذلك؟
قلت: لا.(1/448)
قال: ذلك يحيى بن عبد الله بن الحسن إذا صلى العتمة سجد فلا يزال ساجداً حتى يقوم لصلاة الغداة، يقطع ليله بسجدة واحدة.
فقلت في نفسي: ويلك! انظر ويلك! أن لا تكون المبتلى به.
فقال لي: إذا كان كل يوم عند الغداء فَمُرِ الطباخ أن يجمع على مائدته من كل شيء في المطبخ، ومر من يحملها إليه وكن معه حتى يأكل بحضرتك، ففعلت ذلك أياماً، فقال لي يحيى بن عبد الله يوماً من الأيام: يا أبا علي.
قلت: لبيك جعلت فداك.
قال: إن لصاحبك هذا قبلنا إرادة، وهذه أمانة الله بيني وبينك علي أن تكتم على هذه القرطاس حتى يمضي إرادته فينا، فإذا كان ذلك كذلك فناولها إياه.
قال: فأخذتها منه فإذا قرطاس قدر إصبع مختومة.
ثم قال: حرجت عليك بوقوفك بين يدي الله تعالى لما كتمتها عليّ إلى ذلك الوقت.
قال: فكتمتها وأحرزتها.
قال: فما مضى لذلك أيام حتى رفعت جنازة من الدار، وقيل: جنازة يحيى بن عبد الله، فلما فرغ من دفنها حملت القرطاس إليه وأخبرته الخبر ففكها، فإذا فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم. يا هارون المستعدي قد تقدم، والخصم في الأثر، والقاضي لا يحتاج إلى بينة.
فبكى حتى بل طَرَفَ ثوبه، ثم قال لي: أَناولتنيها في حياته.
فقلت له: إنه حرج عليّ بالعظيم من الأيمان.
قال زيد بن الحسين أبو أحمد: حدثت صالح بن هامان بهذا الحديث كاتب عبد الله بن طاهر، فقال لي: رُفِعت الجنازة يا أبا أحمد لا والله ما كانت جنازة يحيى بن عبد الله.
فقلت: فكيف ذلك؟
قال: لما قدمنا مع المأمون بعد إذ أمر بخراب الخلد والقرار قَصْرَي أم جعفر فوكلت بخرابهما فيما خربت، فكان فيما خربت مجلساً، فإذا يحيى بن عبد الله في جوف بعض الأساطين، مصحفة معلق من عنقه.(1/449)