وكان يحيى بن عبد الله عليه السلام لم يزل يعرض عليه الإسلام والتوحيد، ويرغبه فيما عند الله في السر والعلانية، فأسلم سراً، وقال له:لا أجسر أن أظهر الإسلام خوفاً على نفسي من أصحابي وقوادي وأهل مملكتي، فإنهم إما أن يقتلوني أو يزول هذا الملك عني من يدي.
فخرج يحيى بن عبد الله من عنده وصار إلى قومس، ودخل إلى جبال طبرستان التي كان يملكها شروين بن سرحان، ثم خرج إلى ملك الديلم.
ووقع الخبر إلى العراق بمصيره إلى هناك، فأنفذ هارون في طلبه الفضل بن يحيى البرمكي وأنفذ معه ثمانين ألف رجل، وقاضيه، وهو أبو البحتري، فنزلوا الري، وكاتبوا ملك الديلم وخدعوه بالأموال الخطيرة حتى انخدع.
قال أبو الحسن النوفلي: قال:إني قلت ليحيى بن عبد الله لما قدم العراق، وقد أعطي الأمان:كيف كانت حالتك بالديلم، ولم قبلت الأمان؟
فقال: أما صاحب الديلم فكانت زوجته غالبة على أمره، فلم تكن أموره تورد ولا تصدر إلاّ عن رأيها، فلم تزل به حتى تقاعد عن معونتي، وحتى انخذل عني وكره مقامي عنده حتى خفته على نفسي واختلف علي أصحابي.(1/440)


[أمان الرشيد لصاحب الترجمة]
فكتب له الرشيد أماناً محكماً وحلف له بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك والأيمان المغلظة أن لا يناله منه مكروه، وكتب له نسختين نسخة عنده ونسخة عند يحيى.
فلما خرج إليه أظهر بره وإكرامه وأعطاه مالاً وهو ألف ألف درهم، ولم يزل آمنا إلى أن سعى به إلى الرشيد الزبيري وأصحابه.
قال النوفلي: وحدثني أحمد بن سليمان عن أبيه أنه حج في السنة التي قدم فيها يحيى بن عبد الله بعد الأمان، وقد أذن له في الحج، قال:فرأيته جالساً في الحجر وبإزائه بعض مواليه وموالي أبيه، ونعليه بين يديه، وأنا لا أعرفه غير أني ظننت أنه من ولد فاطمة رضوان الله عليها، وهو أسمر نحيف خفيف العارضين، فشغل قلبي الفكر فيه، وأنا في ذلك الطواف إذ مرت بي عجوز من عجائز أهل المدينة تطوف، فلما وقعت عينها عليه أتته، فقالت:بأبي أنت وأمي يابن رسول الله، الحمد لله الذي أرانيك في هذا الموضع آمناً.
فلما عرفه الناس ازدحموا عليه فمد يده إلى نعله فانتعلهما، وخرج من المسجد إلى منزله.
قال أبو إسحاق إبراهيم بن رباح في حديثه: سمعت عبد الله بن محمد بن الزبير، وكان أبوه خاصة الرشيد، وذلك أنه كان صاحب رقيق بالمدينة، وكان الرشيد يبتاع منه الجواري، فصار عدة منهن أمهات أولاد، وكان الفضل بن الربيع يأنس به.
قال إبراهيم: فحدثني عبد الله، عن أبيه قال:دخلت مع الفضل يوماً إلى الرشيد، فرأيت يحيى بن عبد الله بين يديه، والرشيد يقرعه ويعتد عليه بأشياء، وفي كم يحيى بن عبد الله كتب، فجعل يحيى يدخل يده فيخرج كتاباً، ثم يناوله الرشيد، ويأخذ بطرفه، ويقول: اقرأ هذا يا أمير المؤمنين فإذا أتى على قراءته أدخله كمه، وأخرج كتاباً آخر ففعل مثل ذلك، قال: واعلم أن تلك الكتب حجج ليحيى، فعرض لي أن تمثلت بقول الشاعر:
أنا أتيحت له حرباء تنضبة

لايرسل الساق إلاّ ممسكاً ساقا

قال: فأقبل عليَّ الرشيد مغضباً، فقال: تؤيده وتلقنه وتؤازره؟(1/441)


فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين ما هكذا أنا و لا كنت على هذا قط، ولكني رأيته فعل شيئاً في هذه الكتب أذكرني هذا الشعر، يناول الكتاب فلا يخليه في يدك، ويمسك طرفه بيده، ثم يرده إلى كمه، ويخرج غيره، فأذكرني هذا البيت.
فلما فرغ من قراءة تلك الكتب قال له:دعني من هذا، أينا أحسن وجهاً، وأنصع لوناً، «وأتم قامة وأحسن خلقة»، أنا أو أنت ؟
فقال: أنت والله يا أمير المؤمنين أحسن وجهاً وأنصع لوناً وأتم قامةً وأحسن خلقةً، ومَا أنا من هذه الطريق في شيء.
قال الرشيد: فدع ذا، أينا أسخى، أنا أو أنت؟
فقال يحيى: يا أمير المؤمنين في الأول أجبتك بما قد علمه الله وعلمه كل مستمع وناظر، فأما في هذه فأنا رجل أهتم بمعاشي أكثر السنة التي تأتي علي، وأتقوت مايصير إليّ على حسب السعة والضيق وأنت يا أميرالمؤمنين يجيء إليك خراج الأرض، والله ما أدري ما أجيب به، في هذا.
قال: لتجيبني ومَا بهذا عليك خفاء.
قال: وقد والله صدقتك يا أمير المؤمنين ما أدري كيف ذاك.
قال: فندع هذا، فأينا أقرب إلى رسول الله؟
قال يحيى: يا أمير المؤمنين النسب واحد والأصل واحد والطينة واحدة، وأنا أسألك يا أمير المؤمنين لما أعفيتني من الجواب في هذا، فحلف له بالطلاق والعتاق والصدقة أن لا يعفيه.
فقال يحيى عليه السلام: يا أمير المؤمنين بحق الله وبحق رسوله وقرابتك منه لما أعفيتني.
قال: قد حلفت بماقد علمت فهبني أحتال بكفارة في اليمين بالمال والرقيق، كيف الحيلة في الطلاق وبيع أمهات الأولاد.
فقال يحيى عليه السلام إن في نظر أمير المؤمنين وتفضله علي ما يصلح هذا.
قال: لا والله لا أعفيك.
قال: أما إذ لابد يا أمير المؤمنين فأنا أنشدك الله لو بعث فينا رسول الله الساعة، أكان له أن يتزوج فيكم؟
قال الرشيد: نعم.
قال يحيى عليه السلام: أفكان له أن يتزوج فينا؟
قال الرشيد: لا.
قال يحيى عليه السلام: فهذه حسب.(1/442)


قال: فوثب الرشيد ومضى، فقعد غير ذلك المجلس وخرج الفضل وخرجنا معه وهو ينفخ غماً.
فسكت ملياً ثم قال:ويحك سمعت شيئاً أعجب مما كنا فيه قط، والله لوددت أني فديت هذا المجلس بشطر ما أملك.
وذكر في غير هذه الرواية: أنه لما انقضت مناظرة الرشيد يحيى عليه السلام سأل الرشيد الفقهاء عن أمانه وأمرهم بالنظر فيه.
فقال محمد بن الحسن الفقيه: بعث إليَّ أبو البحتري وإلى عدة من الفقهاء فيهم عبد الله بن صخر قاضي الرقة، فأتيناه، فقال:إن أمير المؤمنين باعث إليكم أمان يحيى بن عبد الله فاتقوا الله وانظروا لأنفسكم وقولوا الحق.
قال فغدونا فبدأ بنا في الإذن، فلما سلمنا وجلسنا ألقي الأمان إلينا فنظرنا فيه، فقلنا جميعاً: ما نري فيه شيئاً يخرجه من أمانه، فأخذه أبو البحتري ونظر فيه ثم قال: ما أراه إلاّ خارجاً من أمانه، فأمرنا بالقيام فقمنا وانصرفنا، فلما كان من الغد بعث الرشيد بالأمان مع مسرور الخادم إلى أبي البحتري، فأتاه، فقال:إن أمير المومنين يقول لك إني ظننت أنك قلت في أمان يحيى بعض ما ظننته يقرب من موافقتي ولست أريد فيه إلاّ الحق، فأعد النظر فيه فإن رأيته جائزاً فاردده، وإن لم تره جائزاً فخزِّقه.
قال مسرور: فأبلغته الرسالة.
فقال: أنا على مثل قولي بالأمس.
فقلت له: هذا الأمان معي فنظر فيه ثم قال: ما أرى فيه إلاّ مثل ماقد قلته.
فقلت له: فخزِّقه إذن.(1/443)


فقال: يا غلام هات المدية.
فقلت لغلام كان معي يقال له محبوب: يامحبوب هات سكيناً، فأخرجها من خفه فدفعها إلى أبي البحتري، فشق بها الأمان ويده تضطرب حتى جعله سيوراً، فأخذته ووضعته في كمي، و أتيت به هارون.
فقال لي: ما وراءك؟ فأخرجته إليه.
فقال لي: يا مبارك.
قال: ثم حبس يحيى بعد ذلك بأيام.
قال محمد بن الحسن الفقيه: لما ورد الرشيد الرقة؛ وكنت قلدت القضاء؛ دخلت أنا إليه والحسن بن زياد اللؤلؤي وأبو البحتري وهب بن وهب، فأخرج إلينا الأمان الذي كتبه ليحيى بن عبد الله بن الحسن فدفعه إليَّ فقرأته، وقد علمت الأمر الذي أحضرنا له، وعلمت ما ينالني من موجدة الرشيد إن لم أطعن فيه، فآثرت أمر الله والدار الآخرة، فقلت:هذا أمان مؤكد لاحيلة في نقضه، فانتزع الصك من يدي ودفعه إلى اللؤلؤي فقرأه، فقال كلمة ضعيفة، لا أدري سُمِعَتْ أو لم تُسْمَع:هو أمان.
فانْتُزِعَ من يده ودُفِعَ إلى أبي البحتري، فقرأه وقال : ما أوجبها لله ومَا أمضاه، هذا رجل قد شق العصا وسفك دماء المسلمين وفعل ما فعل لا أمان له، ثم ضرب بيده إلى خفه؛ وأنا أراه؛ فاستخرج منه سكيناً فشق الكتاب نصفين ثم دفعه إلى الخادم، ثم التفت إلى الرشيد وقال:اقتله ودمه في عنقي يا أمير المؤمنين.
قال: فنهضنا عن المجلس، وأتاني رسول الرشيد أن لا أفتي أحداً، ولا أحكم، فلم أزل على ذلك إلى أن أرادت أم جعفر أن تقف وقفاً، فوجهت إليَّ في ذلك فعرفتها أن قد نهيت عن الفتيا وغيرها، فكلمت الرشيد، فأذن لي.(1/444)

88 / 118
ع
En
A+
A-