[خبره وبيعته]
وذكر أن عيسى بن زيد حضر مع محمد بن عبد الله النفس الزكية، وكان خليفته على جيشه وأكرم رجاله عليه من أهل بيته، فلما قتل محمد بن عبد الله بالمدينة وجاء عيسى بن زيد مجروحاً مع أخيه الحسين بن زيد في جماعة وخرجا إلى إبراهيم بن عبد الله، وذكر أنه أوصى إليه محمد بن عبد الله بذلك إن قتل هو، وإن قتل إبراهيم أيضاً، فقدما علي إبراهيم وكانا معه في أيامه وحروبه، وكان عيسى بن زيد أعلمهم بعد محمد و إبراهيم وكان مع الحسين بن علي الفخي، فنجا من الحرب وتوارى في سواد الكوفة، وقتل إبراهيم بن عبد الله في سنة خمس وأربعين ومائة، وبايع الناس الحسن بن إبراهيم بن عبد الله سراً، وتوارى هو ولم يتم أمره وبيعته، فلما دخلت سنة ست وخمسين ومائه وقعت بيعة عيسى بن زيد عليه السلام بايعه الناس بالإمامة، وهو متوار بالعراق، بايعه أهل الكوفة والسواد والبصرة والأهواز وواسط وورد عليه بيعة أهل الحجاز ومكة والمدينة وتهامة.
واشتد الطلب من أبي الدوانيق، وأخذ الناس على الظنة والتهمة وحبسهم ودس إليه الرجال سراً، وبذل الأموال الكثيرة لهم، وأنفذ إليه إذا أظهرت نفسك أعطيتك من الدنيا في كلام نحو هذا.
فأجابه عيسى بن زيد فإذاً أنا لئيم الأصل ودنيء الهمة أبيع آخرتي بالدنيا الفانية، وأكون للظالمين ظهيراً، والعجب منك ومن فعلك تطمع فيّ وأنت تعرفني.
وكان عليه السلام يقول: ما أحب أن أبيت ليلة وأنا آمن منهم وهم آمنون مني.
وكان عليه السلام يروي الناس الأحاديث ويفتيهم وابنه الحسين بن عيسى بن زيد أحد العلماء يروي عن أبيه، وأحمد بن عيسى كان صغيراً لم يرو عن أبيه شيئاً، وهو من أحد الفاضلين.(1/435)


وكان لعيسى بن زيد دعاة في جميع الآفاق في كور العراقين والحجاز وتهامة والجبال، ووجه إلى مصر والشام دعاته، وطار صوته في الآفاق، وهمَّ بالخروج غير مرة، فلم يتيسر له ذلك، إلى أن مات أبو الدوانيق في سنة مائة وتسع وخمسين، فهمَّ عيسى بن زيد بالخروج، واشتد الطلب له بالكوفة والبصرة من ابن أبي الدوانيق، وبذل الأموال الكثيرة، ودس إليه الرجال وحبس خلقاً كثيراً منهم.
وهمَّ عيسى بن زيد بالخروج إلى أرض خراسان فوافى الري فلم يتهيأ له وانصرف إلى الأهواز، وكان أكثر مقامه بها، وانصرفت دعاته ببيعة الناس من كل بلد، وكان له جميع الآلة من الأسلحة والدواب، وأخذ من أصحابه الميعاد ليوم كذا وكذا فدس إليه ابن أبي الدوانيق رجلاً من أصحابه، وبذل له سني الأموال مقدار مائتي ألف درهم، وضمن له نفيس الضياع، وعجل المال، فأنفذ إليه شربة سم فجعله في طعامه وهو بسواد الكوفة مما يلي البصرة، فسقاه، فمات من ذلك صلوات الله عليه في اليوم الثالث ودفن سراً لا يُعْلَمُ قبره، وذلك في سنة ست وستين ومائة في شهر شعبان.
وكان عزمه عليه السلام على الخروج في غرة شهر رمضان، وهو يومئذ ابن خمس وأربعين سنة، وكان قد بويع وهو ابن ثلاثين سنة، وقد خالطه الشيب، وكان لا يختضب، وكان مربوعاً من الرجال عريض ما بين المنكبين صبيح الوجه، أعلم رجل كان في زمانه، وأزهدهم، وأورعهم، وأفقههم وأسخاهم، وأشجعهم، وكان من أئمة الهدى صلوات الله عليه.
ومات ابن أبي الدوانيق لعنه الله في سنة سبع وستين ومائه بعده بأقل من سنة.
وكان الأمر من بعده إلى من هو شر منه موسى أطبق، وقتل موسى هذا جماعة من بني الحسن والحسين من العلماء والأخيار زيادة على عشرين رجلاً، فقتلهم جميعاً في أيام ولايته لعنه الله.(1/436)


[(17) يحيى بن عبد الله بن الحسن (أبو الحسن)]
(... نحو 180 هـ / ... نحو 796 م)
وأمه [قريبة] بنت محمد بن أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة، تزوجها عبد الله بن الحسن بعد هند بنت أبي عبيدة عمتها، فهند أم محمد و إبراهيم وموسى وزنيب وفاطمة بني عبد الله بن الحسن وأم يحيى بنت أخيها.
وذكر أبو إسحاق إبراهيم بن محمد المثلى، بإسناده عن محمد بن القاسم بن إبراهيم عن مشائخ أهله من آل الحسن والحسين خبر يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام .
قالوا : خرج يحيى بن عبد الله في سنة سبعين ومائة في ولاية موسى أطبق، وبايعه أهل الحرمين وجميع أهل الحجاز وتهامة وأرض اليمن وأرض مصر والعراقين وبث دعاته في جميع الآفاق.(1/437)


[من أجابه من العلماء]
وصحت إمامته ووردت الكتب بإجابته من أهل المشرق والمغرب من الفقهاء والعلماء والوجوه والقواد والعامة.
[34] قال أبو ا لعباس الحسني: فمن العلماء عبد ربه بن علقمة، و محمد بن إدريس الشافعي، و محمد بن عامر ومخول بن إبراهيم، والحسن بن الحسن العرني، وإبراهيم بن إسحاق، وسليمان بن جرير، وعبد العزيز بن يحيى الكناني، وبشربن المعتمر، وفليت بن إسماعيل، ومحمد بن أبي نعيم، ويونس بن إبراهيم، ويونس البجلي، وسعيد بن خثيم وغيرهم من الفقهاء.
قال غيره: والحسن بن صالح بن جبير.(1/438)


[طوافه الأقطار وموقف هارون منه]
وصار يحيى بن عبد الله بنفسه إلى اليمن وأقام بها مدة، ثم صار إلى مصر وأرض المغرب، ونواحيها، فاشتد له الطلب من موسى أطبق، ومات موسى سنة إحدى وسبعين ومائة، واستخلف هارون بن محمد أخوه، وهو شر منه فأنفذ في طلب يحيى بن عبد الله ودس إليه الرجال وبذل لهم الأموال، وانصرف يحيى بن عبد الله إلى العراق، ودخل بغداد، وعلم به هارون فأخذ عليه الطرق والمراصد وفتش المنازل والقصور والأسواق والسكك «المحَلات» بجميع بغداد فنجا منه.
وخرج إلى الري فأقام بها شهراً وزيادة ثم صار إلى خراسان، ثم صار إلى ناحية جوزجان وبلخ فاشتد به الطلب من هارون، وكان صاحب خراسان حينئذ هرثمة بن أعين قريباً من ثلاث سنين.
وصار يحيى إلى وراء النهر، ووردت كتب هارون إلى صاحب خراسان يطلبه.
فصار إلى خاقان ملك الترك ومعه من شيعته وأوليائه ودعاته من أهل المدينة والبصرة والكوفة وأهل خراسان مقدار مائة وسبعين رجلاً، فأكرمه خاقان ملك الترك وأنزله أفضل منازله، وقال له:مماليكي كلها لك وأنا بين يديك، وأوسع عليه وعلى أصحابه من الخيرات والمعونة بكل ما يحتاجون إليه، حتى اتصل الخبر بهارون بمكانه عند خاقان، فأنفذ إلى خاقان ملك الترك رسولاً يقال له النوفلي ، وسأل خاقان أن يسلم إليه يحيى بن عبد الله فأبى ملك الترك ذلك، وقال له : لا أفعل ولا أرى في ديني الغدر والمكر وهو رجل من ولد نبيكم شيخ عالم زاهد قد أتاني والتجأ إلي وهرب منكم وهو عندي عزيز مكرم.
فأقام يحيى بن عبد الله عنده سنتين وسته أشهر، ثم خرج وقال له ملك الترك: لا تخرج فلك عندي ما تريد.
فقال يحيى بن عبد الله: لا يسعني المقام في ديني، «وقد رجع اليّ دعاتي وثقاتي»، وقد بايعني أهل المشرقين والعراقين وخراسان، ووردت كتبهم عليّ وجزاه خيراً.(1/439)

87 / 118
ع
En
A+
A-