وروى النوفلي -قال: حدثني شيخ من الشيعة- قال: كنت بمنى جالساً مع موسى بن جعفر بن محمد، فإذا رجلان قد أقبلا أحدهما على برذون أدهم والثاني على برذون أشهب، وفي يد كل واحد منهما رمح على أحد الرمحين رأس الحسين بن علي، والأخر رأس الحسن بن محمد.
وروي: أن حماد التركي كان فيمن حضر وقعة الحسين صاحب فخ؛ فقال للقوم وهم في القتال: أروني حسيناً فأومئوا له إليه، فرماه بسهم فقتله، فوهب له محمد بن سليمان مائة ألف درهم، ومائة ثوب.
وروى بعضهم قال: كنا بالعقيق فمرت بنا جماعة زهاء أربعين فيهم الحسين بن علي متوجهاً نحو مكة، وإذا أصحابه قد خذلوه، وهو على بغلة له على رأسه برطلة من الشمس وأخته بين يديه في قبة وحواليه الجماعة، وعليهم السلاح.
فلما كان من الغد خرج جواري أهل المدينة في العقيق، فإذا هذه قد جاءت بدرع، وهذه ببيضة، وهذه بساعد، و إذا أصحابه قد خذلوه، فلما صاروا إلى العقيق جعلوا ينزعون سلاحهم ويدفنونه في الرمل، وتفرقوا عنه كيلا يعرفوا، وكان شعارهم ذلك اليوم: يا وفاء، جعلوا ذلك علامة بينهم وبين المبيضة الذين عقدوا بينهم ماعقدوا من أهل الكوفة ليعرف كل رجل منهم صاحبه فينصره، فما أتوهم ولا وافوهم ولا وفوا لهم به.(1/430)
[إخبار أمير المؤمنين (ع) بقتل الفخي]
وروي عن سفيان بن عيينة أنه حدث يوماً بحديث علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: يأتيكم صاحب الرعيلة، قد شد حقبها بوضينها، لم يقضِ تفثاً من حج ولا عمرة، يقتلونه فتكون شر حجة حجها الأولون والآخرون .
فقال سفيان: هذا الحسين بن علي بن أبي طالب.
فقال له بعض من حضر: يا أبا محمد على رسلك، حسين بن علي خرج من مكة محلاً غير محرم متوجهاً إلى العراق، وإنما قال:لم يقض تفثاً من حج ولاعمرة معه.
قال: فمن تراه؟
قال: الحسين بن علي صاحب فخ.
قال: فأمسك سفيان ساعة، ثم قال: اضربوا عليه.
ويقال: إنه سُمِع على مياه غطفان كلها ليلة قتل الحسين بن علي هاتف يهتف ويقول :
ألا يالقومي للسواد المصبح .... ومقتل أولاد النبي ببلدح
ليبكي حسيناً كل كهل وأمرد .... من الجن إذلم تبكه الأنس نُوح
وإني لجني وإن معرسي لبـ .... البرقة السوداء من دون زحرح
فسمعها الناس لايدرون ما الخبر حتى أتاهم قتل الحسين.
قال النوفلي: حدثني يعقوب بن إسرئيل مولى المنصور عن الطلحي، قال: سمعت ابن السوداء يقول: تأخر قوم بايعوا الحسين بن علي صاحب فخ، فلما فقدهم في وقت المعركة أنشأ يقول:
وإني لأنوي الخير سراً وجهرة .... وأعرف معروفاً وأنكر منكرا
ويعجبني المرء الكريم نجاره .... ومن حين أدعوه إلى الخير شمرا
يعين على الأمر الجميل وإن يرى .... فواحش لايصبر عليها وغيرا(1/431)
[من خرج معه من أهل بيته]
قال المدائني: وخرج مع حسين من أهل بيته يحيى وسليمان وإدريس بنو عبد الله بن الحسن، وعلي بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن وإبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم طباطبا وحسن بن محمد بن عبد الله وعبد الله وعمر ابنا الحسن بن علي، وهما ابنا الأفطس، ولقيهم في الطريق عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن فصارمعهم، فلما التقوا كان الذين التقوا في المعركة الحسين، وكان الرئيس وسليمان بن عبد الله والحسن بن محمد بن عبد الله، وهو أبو الزفت قتل صبراً، وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم وتفرق الآخرون، وأخذ بعضهم واستؤمن لهم، ومنهم من حبس فأفلت، وممن حبس وأفلت من الحبس عبد الله بن الأفطس وموسى بن عبد الله أفلت من الحبس فدخل على موسى بن عيسى وجلس في أخريات الناس وعن يمينه موسى بن جعفر وعن يساره الحسن بن زيد، فقال موسى بن عيسى: كيف ترى صنع الله بكم؟
فقال موسى بن عبد الله بيت شعر وهو:
فإنَّ الأُولى تثني عليهم تعيبني .... أُولاك بني عمي وعمهم أبي
«إنك» إن تمدح أباهم بمدحة .... تصدق وإن تمدح أباك تكذب
فأمربه موسى فضرب بين العقابين خمسمائة سوط، فما تأوه من ذلك، ثم أمر به فقيد وأتي فطرق كعابه بالمطرقة فمانطق بحرف.(1/432)
فقالوا: لم لا تتكلم؟
فقال:
وإني من القوم الذين يزيدهم .... قَسْواً وبأساً شدة الحدثان
ثم استأمن عبد الله بن الأفطس فأومن واستأمن علي بن إبراهيم فأومن، ولحق يحيى بن عبد الله بالديلم بعد استخفائه بالكوفة، ثم ببغداد، وبعد أن جال البلاد ولحق إدريس بن عبد الله بأقصى المغرب، وأنشد بعضهم يرثي من قتل بفخ:
يا عين بكي بدمع منك منهتن .... فقد رأيت الذي لاقى بنو حسن
صرعى بفخ تجر الريح فوقهم .... أذيالها وغوادي دلج المزن
حتى عفت أعظم لو كان شاهدها .... محمد ذبَّ عنها ثم لم تهن
ماذا يقولون والماضون قبلهم .... على العداوة و الشحناء والإحن
ماذا نقول إذا قال الرسول لنا .... ماذا صنعتم بهم في سالف الزمن
لا الناس من مضر حاموا ولا غضبوا .... ولا ربيعة والأحياء من يمن
ياويحهم كيف لم يرعوا لهم حرماً .... وقد رعى الفيل حق البيت والركن(1/433)
[(16) عيسى بن زيد بن علي بن الحسين (ع)]
(109 - 168 هـ وقيل 196 هـ / ... - 784 م)(1/434)