فقال له: قد تكنى من هو خير منك أبو بكر وعمر، وكانا يكرهان أن يدعيا بالولاية، وأنت تكره كنيتك وهي الكنية التي اختارها لك أبوك.
قال يحيى بن عبد الله لما بايعناه: خرجت على دابتي ركضاً مسرعاً حتى أتيت حدباً وهو على ميلين من المدينة وبها موسى بن جعفر، وكان موسى شديد الغيرة، فكان يأمر بإغلاق أبوابه والاستيثاق منها، فدققت بابه فأطلت حتى أجبت، وخبرت باسمي فأخبر الغلمان بعضهم بعضاً من وراء الأبواب وهي مقفلة حتى فتحت وأذن لي، فدخلت، فقال: أي أخي في هذه الساعة؟!
قلت: نعم حتى متى لايقام لله بحق وحتى متى نضطهد ونستذل؟
فقال: ما هذا الكلام!؟
قلت: خرج الحسين وبايعناه، فاسترجع، قلت:جعلت فداك في أمرنا هذا شيء؟ وانصرفت إلى الحسين، فلما أصبح جاء إلى مسجد رسول الله فصلى بالناس الصبح، وبلغ العمري خبره، فزعم بعض أهل المدينة عنه أنه قال وقد نحب قلبه: أطعموني ماء واردموا البغلة بالباب وهرب. وروي أنه حج من أهل واسط شيخ تلك السنة.(1/420)
[نماذج من كلامه]
قال: فلما قدمت المدينة رأيت للناس حركة أنكرتها، وأتيت مسجد رسول الله وهو غاص بالناس، والحسين على المنبر يخطب، وهو يقول: أيها الناس، أنا ابن رسول الله على منبر رسول الله أدعوكم إلى سنة رسول الله فقلت قولاً أسره: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما يصنع هذا الرجل بنفسه، وبالقرب مني عجوز من عجائز أهل المدينة، فنهرتني وقالت: تقول هذا لابن رسول الله! فقلت: يرحمك الله، والله ما قلت هذا إلاّ للإشفاق عليه.
وروى النوفلي قال: حدثني محمد بن عباد البشري؛ وكان رجلاً من خزاعة؛ فقال: صليت صلاة الصبح في مسجد رسول الله خلف الحسين، فلما فرغ من صلاته صعد المنبر وقعد على مقعد رسول الله وعليه قميص أبيض وعمامة بيضاء قد سدلها من بين يديه ومن خلفه، وسيفه مسلول قد وضعه بين رجليه، وكان أهل الزيارة قد كثروا في ذلك العام، وقد ملئوا المسجد، فتكلم وقال في كلامه: أيها الناس، أنا ابن رسول الله وعلى منبره، أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه.
وفي غير هذه الرواية أنه قال في خطبته: أيها الناس، أتطلبون آثار رسول الله في الحجر والمدر والعود وتمسحون بذلك، وتضيعون بضعة رسول الله.
[33] أخبرنا أبو العباس الحسني قال: أخبرنا ابن عافية، قال: حدثنا يحيى بن الحسين العلوي، عن أحمد بن عثمان بن حكيم، قال: حدثنا عمي دينار بن حكيم، قال: رأيت الحسين بن علي صاحب فخ عليه السلام على منبر رسول الله يقول بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم : يا أيها الناس أنا ابن رسول الله في مسجد رسول الله على منبر رسول الله أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه والاستنفاذ مما تعلمون، ومد بها صوته.(1/421)
قال ابن عباد: وأقبل خالد البربري، -وكان مسلحة للسلطان بالمدينة- في السلاح معه أصحابه حتى وافوا باب المسجد الذي يقال له:باب جبريل، فنظرت إلى يحيى بن عبد الله قد قصده في يده السيف، فأراد خالد أن ينزل فبَادَره يحيى بالسيف فضربه على جبينه وعليه البيضة والمغفر والقلنسوة، فقطع ذلك كله حتى أطار قحف رأسه وسقط عن دابته، وشد على أصحابه فتفرقوا، وانهزموا.
قال أبو الحسن النوفلي: قال أبي: وكان محمد بن سليمان بن علي خرج في ذلك العام حاجاً، وكان الطريق مخوفاً فاستعد بالرجال والسلاح، قال: وحج في ذلك العام العباس بن محمد وسليمان بن أبي جعفر وموسى بن عيسى وهو على الموسم وولاية مكة إليه، وحج فيمن حج مبارك التركي، فقصد المدينة ليبدأ بالزيارة، ومعه جمع كثير، فلما قرب من المدينة دس إلى الحسين: أني والله ما أحب أن أبلى بك، فابعث إلي جماعة من أصحابك ولو عشرة أناس يبيتون عسكري فإني أنهزم، وستر الرسالة إليه بذلك وأعطاه على قوله عهوداً، فأرسل إليه نفراً فطوقوا عسكره وجعجعوا به وبأصحابه وصيحوا به، فخرج هارباً وابتغى دليلاً يعدل به عن المدينة حتى يصير بين مكة والمدينة، فورد على موسى بن عيسى فاعتذر إليه في انهزامه بالبيات، ثم اجتمعوا في عسكر واحد.(1/422)
[خروجه إلى مكة]
وتهيأ الحسين في من بايعه، ودفع مالاً إلى مولى لآل الحسين يقال له يوسف، وكانت جدته مولاة فاطمة بنت الحسين، فأمره أن يكتري له ولأصحابه وهو يريد في تقديره أن يسبق الجيوش إلى مكة، فأقام أياماً ويوسف يخبره أن قد اكترى له، ثم توارى، وذهب بالمال.
قال أبو الحسن النوفلي: فلما وقف الحسين على ما صنع يوسف طلب الكريّ فلم يجده لضيق الوقت، فلم يزل يحتال للمال والإبل حتى وجد من ذلك ما وجد وقد فاته الوقت، وتقدمت الجيوش مكة ممن خرج من الكوفة والبصرة وبغداد وخرج ومعه ممن تبعه ومن أهل بيته زهاء ثلاثمائة رجل، فلما قربوا من مكة وصاروا إلى فخ وبلدح تلقته الجيوش.(1/423)
[رواية أخرى]
رجعنا إلى رواية غيره فأتاهم إدريس بن عبد الله بن الحسن وأخوه سليمان وعبد الله بن الحسن الأفطس وعلي بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن فباتوا ليلتهم، فلما كان من السحر خرجوا إلى المسجد وقد أذن من المؤذنين مؤذن واحد، فحين أذن الثاني وبلغ التشهد أحسّ بهم فقطع الأذان لما سمع الأصوات، وتوافوا في المسجد وهم خمسة وسبعون رجلاً، الفاطميون منهم سبعة والباقون ثمانية وستون.
فلما طلع الفجر دخل الناس المسجد من كل ناحية، فأقام يحيى بن عبد الله الصلاة، وتقدم الحسين فصلى بالناس ثم انصرف إلى المنبر فخطب الناس ودعاهم إلى البيعة فتفرقوا عنه ولم يعرج عليه أحد من أهل المدينة، ودخل ناس من أهل خراسان وغيرهم فسمعوا مقالته، فمنهم من تقدم فبايعه ومنهم من لم يفعل.
قال: وتصايح الناس، واعتزل أجناد آل العباس واجتمعوا إلى خالد البربري وهو يومئذ قائد الجند الذي بالمدينة، وكانوا مائتي رجل، وصار إليه وزير ابن إسحاق الأزرق وكان على صوافي الخاصة، و محمد بن واقد مولى أمير المؤمنين، وكان شريكاً للعمري في الأعمال، وإليه ديوان العطاء، فأقبل خالد البربري فيمن معه وخرج معه حسن بن جعفر بن حسن بن حسن على حمار له حتى دخل المسجد وأتى من موضع ناحية الجنائز، فحمل عليه أولئك المبيضة، فأمرهم الحسين بالكف عنه وإخراجه من المسجد -يعني الحسن بن جعفر- وأقبل خالد البربري ومن معه من ناحية بلاط الفاكهة، فخرج الحسين وأصحابه إلى رحبة دار القضاء، فجلس فيها وجلس معه أصحابه إلاّ من تقدم منهم للقتال وهم زهاء ثلاثين رجلاً، فإنهم تقدموا في نحور أصحاب خالد فرموهم بالنشاب، وأقبل خالد راجلاً سالاً سيفه يصيح بالحسين ويشتمه، ويقول: قتلني الله إن لم أقتلك.(1/424)