[صفته وفضله]
[31] حدثنا أبو العباس الحسني بإسناده عن أحمد بن عبيد بن سليمان الموصلي، قال: حدثني أبي، قال:كان علي بن الحسن بن الحسن أبوالحسين صاحب فخ مجتهداً، حبس مع عمه عبد الله بن الحسن بن الحسن، فكانوا في محبس لا يرون ضوءاً ولا يسمعون نداءً، فلم تكن معرفتهم أوقات الصلاة إلاّ بانقطاع تسبيح علي وقراءته فيما بين كل صلاتين، فإنه كان فراغه منها عند وجوب كل صلاة.
فنشأ ابنه الحسين أحسن نشوء، له فضل في نفسه وصلاح وسخاء وشجاعة، فقدم على المهدي فرعى حرمته وحفظ قرابته، ووهب له عشرين ألف دينار، ففرقها ببغداد والكوفة على قرابته ومواليه ومحبيه.(1/415)
[خروجه من الكوفة وسفره إلى المدينة وبيعته]
وما خرج من الكوفة إلاّ بقرض، ومَا كسوته إلاّ جبة عليه وإزار كان لفراشه، ثم قدم المدينة وأقام بها حتى ولي موسى الهادي، فَأمَّرَ على المدينة رجلاً من ولد عمر بن الخطاب، فأساء إلى الطالبيين وسامهم خسفاً فأستأذنه فتىً منهم في الخروج إلى موضع لبعض أمره، فأجله أجلاً وأخذ به كفالة الحسين بن علي، فلما مضى الأجل طالبه به فسأله النظرة فأبى، وغلظ عليه، وأمر بحبسه وأسمعه، فلما أمسى قال: أُأَجلك هذه الليلة وأخلي سبيلك وآخذ عليك يميناً مؤكدة لتأتينى به غداً، فحلف له على ذلك ليأتينه حتى يلقاه، وأضمر الخروج، فلما أعتم خرج إلى البقيع، وجمع أهله وأعلمهم بما عزم عليه، فبايعوه.
قال أبو الحسن المدايني: كان مخرج الحسين بن علي صاحب فخ يوم السبت لبضع عشرة من ذي القعدة، سنة تسع وستين ومائة، وكان رجلاً سخيا متوسعاً، لا يَكبُر شيء تسأله إياه، وكان يأتيه ناس كثير، وكان يحمل على نفسه المؤن حتى أجحف ذلك به، فصار إلى أن باع مواريثه في كل وجه كان له فيه شيء، وكان له عين ذي النخيل، وكان ذو النخيل منزلاً ينزله من خرج من المدينة إلى العراق، ومن قدم من العراق إلى المدينة من الحاج وغيرهم، وكانوا يشربون من عين الحسين، فتنافسها الناس وحرصوا عليها، فكان حسين يَدَّان عليها، فلم ينزع عن الدين فيها حتى صار عليه سبعون ألف دينار، وفي رواية أخرى تسعون ألف دينار، وأمسك عنه عنده، فلم يكن يبايع، فبعث المعلا مولى المهدي فاشتراها منه بسبعين ألف دينار، وكان غرماؤه قد وعدوه الصلح والوضيعة، فكتب صاحب البريد بمكة والمدينة، فدعا المهدي بالمعلا فسأله عن العين وشرائه إياها، فأقر له به.
فقال الربيع: يا أمير المؤمنين هذه قوة الحسين بن علي على الإفساد، وهو من لايؤمن على حدث يحدثه.(1/416)
فقال المهدي للمعلا:لا تحدث فيها حدثاً، فدعا بشار البرقي فأتاه فأنفذه إلى الحسين، فقدم به عليه، فلما وصل إلى المهدي سأله عن أمر العين وشراء المعلا إياها، فأقر له به، ولم يختلف قوله وقول المعلا في أمرها.
وقال الحسين: يا أمير المؤمنين، والله ما بقيت لي خضراء ولا عذق غيرها إلاّ صدقات علي والحسن والحسين، وإن عليَّ الثمن الذي بعتها به، ولولا إلحاح الغرماء ما بعتها.
فقال له المهدي: أتَدَّان بسبعين ألف دينار، أما تتقي الله قد أهلكت نفسك.
فقال الحسين - وكان بليغاً منطيقاً: ومَا سبعون ألف دينار يا أمير المؤمنين وأنا ابن رسول الله وابن عم أمير المؤمنين وشريكه في نسبه وشرفه؟
فقال له المهدي: رَدَّ الله عليك عينك، وقضى عنك ديْنك.
ثم أقبل على عمر بن بزيغ فقال: يا عمر ادفع إليه سبعين ألف دينار، وأمره بالانصراف إلى منزله، فلما خرج من عنده أقبل الربيع على المهدي فقال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تثير على المسلمين من قبل هذا شراً، أما تسمع كلامه، فمتى يملأ جوفه شيء، والله لئن وصل إليه هذا المال ليثورن عليك به، فرجع عن ذلك وأمر له بمعونة عشرين ألف درهم.
وبلغ الخبر حسيناً فكتب به إلى صديق له بالكوفة من جُعفٍ وإلى أخيه الحسن وأهل بيته وعدة من غرمائه ووكلائه لما لم يتم ذلك البيع، وأعطاهم خمسة آلاف درهم صلة لهم يتحملون بها، وعوضاً من سفرهم، فانصرفوا إلى المدينة.(1/417)
قال: وأقام الحسين وكان ابن عمه علي بن العباس بن الحسن محبوساً عند المهدي، وكان وجده ببغداد قد أوعد وبايع بها بشراً كثيراً، فوعد المهدي حسيناً أن يدفع ابن عمه إليه فأقام على وعده، وتوفي المهدي والحسين بن علي مقيماً ببغداد نازلاً في دار محمد بن إبراهيم، فلما جاء نعي المهدي وضع الربيع على الحسن الحرس والرُّصَدْ، فلم يزل على ذلك حتى قدم أمير المؤمنين موسى من جرجان فذكر له الربيع حسيناً ومكانه، فدعا به فلما دخل إليه أذن له في الانصراف، فكلمه في علي بن العباس، فأمر بتخليته، فشخص الحسين ولم يؤمر له بدرهم فما فوقه فقدم الكوفة، فجاءه عدة من الشيعة في جماعة كثيرة، فبايعوه ووعدوه الموسم للوثوب بأهل مكة، وكتبوا بذلك إلى ثقاتهم بخراسان والجيل وسائِر النواحي، وقدم الحسين المدينة ومعه ابن عمه علي بن العباس، وأمير المدينة عمر بن عبد العزيز العمري من ولد عمر بن الخطاب، وكان إسحاق بن عيسى بن علي استخلفه على المدينة حين شخص إلى موسى ليعزيه عن المهدي.(1/418)
[سخاءه (ع)]
[32] «حدثنا أبو العباس الحسني قال: حدثنا أبو زيد العلوي» قال: حدثنا الحسين بن القاسم بن إبراهيم عليه السلام عن أبيه قال: قال لي أبي: عوتب الحسين بن علي الفخي فيما يعطي، وكان من أسخى الناس العرب والعجم، فقال:والله ما أظن أن لي فيما أعطي أجراً، وذلك أن الله تعالى يقول: ?لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ?[آل عمران:92] ووالله ما هي عندي وهذا الحصى إلاّ بمنزلة، يعني الأموال.
قال المدائني: وأخذ العمري الطالبيين بالعرض وضَمّن بعضهم بعضاً، فضمن يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي والحسين بن علي الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام فكانوا يعترضون عرضاً دائماً واشتد عليهم العُمري.
فلما أفطر الناس من رمضان ألح عليهم إلحاحاً شديداً بالعرض على ذلك حتى أَهلّوا هلال ذي القعدة، وقدم أوائل الحاج من المشاة وأصحاب الحمير، فنزلوا بالبقيع، وقدم عدة من الشيعة الكوفيين نحواً من تسعين رجلاً فنزلوا على دار ابن أفلح بالبقيع، فأقاموا بها أياماً فأنكرهم بعض الناس، ولقوا حسيناً وغيره، وبلغ ذلك العمري، فأنكره وأمر بعرضهم غدوة وعشية، وأن الحسن بن محمد غاب عن العرض يومين، فلما انصرفوا من الجمعة دعا بهم للعرض، فلما دخلوا المقصورة أمر بها فأغلقت عليهم، فلم يخرج منهم أحد حتى صلوا العصر ثم عرضهم، فلما دعا باسم حسن بن محمد فلم يحضر قال ليحيى بن عبد الله والحسين بن علي: لتأتياني به أو لأحبسنكما، فإن له ثلاثة أيام لم يحضر العرض، ولقد خرج أو تغيب، فرادّاه بعض المرادة، وكان الحسين أبقاهما في الرد عليه، وأما يحيى فإنه شتمه، فخرج حتى دخل على العمري، فأعطاه الخبر فدعا بهما العمري، فوبّخهما وتهدّدهما، فتضاحك الحسين في وجهه وقال: أنت مغضب يا أبا حفص؟
فقال له العمري: وتهزأ بي أيضاً وتخاطبني بكنيتي؟(1/419)