عليهم، ثم هذا مع تعطيل الأحكام وتغيير الأقسام وإضاعة الحدود؛ وأخذهم الرشا، واتباعهم الهوى، فالله الله أيها الناس ارجعوا إلى الحق وأجيبوا إليه أهله، لاتغرنكم الآمال فإن الآمال هي الاستدراج، قال الله عز وجل: ?سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ?[الأعراف:182،183][القلم:44،45]، فقد أملي لمن كان قبلكم من الأمم ثم أخذوا وكانوا في إملائهم إذا أحدثوا لله معصية جدد الله لهم عليها نعمة، «فبذلك» اغتروا واجترؤوا، فبغتهم الله بالعذاب من حيث لم يشعروا فما أغنى عنهم كيدهم وما كانوا يجمعون، وقد قص الله عليكم ما ارتكبت بنو إسرائيل وما حل بهم من سخط الله وعذابه، فتوبوا إلى الله أيها المسلمون وأجيبوا إلى الحق دعاتكم، فلسنا نريد بما ندعوكم «إليه» ملكاً نقهركم به، ولا مالاً نستأثر به عليكم ولاندعوكم إلاَّ لإقامة أودكم وإماتة البدع وإحياء السنن وحكم الكتاب، لترجع ألفتكم وتكونوا إخواناً؛ وعلى أمر الله أعوناً؛ فأبصروا رشدكم قبل أن تقول نفس ?يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ الله وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ، أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ?[الزمر:56-58].
وفقنا الله وإياكم لمحابِّه وجنبنا وإياكم معاصيه، انصروا الله ينصركم. والسلام.(1/410)
[مطاردته وسجنه]
فاجتمعت الشيعة إلى الحسن عليه السلام ودعوا الناس إلى مكاتفته على الدعاء إلى الحق، وكان مستتراً بالبصرة، والشيعة تلقى بعضها بعضاً بأسبابه، فسعى به قرين بن يعلى الأزدي إلى أبي جعفر، فأعطاه ثلاثة آلاف درهم، وأرسل معه مرْغيد النصراني في جماعة من الأعوان، وكتب إلى صاحب البصرة في السمع لهم والطاعة، فأقبلوا حتى نزلوا البصرة، وأقبل مرغيد يظهر العبادة والتأله ومذهب الشيعة، ومضى قرين إلى الحسن فأخبره خبره، وعَرَّفَ بينه وبين الشيعة، فجعلت الشيعة تصف نسكه للحسن حتى كان الحسن مشتهياً للقائه، ومرغيد مع ذلك لا يدع صلة الحسن بالأموال، ويقول:استعن بها على أمرك، وكلما كتب إليه الحسن كتاباً وضعه على عينه وأكل ختمه؛ يريه بذلك في رأي العين التبارك...إلى أن قالت له الشيعة يوماً: إن الحسن يشتهي لقاءك، فقال: أخشى أن أشهر نفسي، ولكن أنا في حجرة فلو جاءني مع هذا وأومى إلى قرين رجوت أن يكون أغبى لأمره، فأجابته الشيعة إلى ذلك، وعمد مرغيد فهيأ القيود والرجال، فلما وافاه الحسن قيده وحمله من ساعته إلى أبي جعفر على البريد، فلما وصل إليه الحسن أمر بحبسه وبعث عميراً مولاه، فأخذ قرينا وأخاه فعذبهما حتى قتلهما.
فقال في ذلك بعض الشيعة:
حمدت الله ذا الآلاء لماَّ .... رأيت قرين يحمل في الحديد
ثم إن سليمان بن الجنيد الطحاوي الصيقل عمل في خلاص الحسن بعد وفاة أبي جعفر من السجن، وقد كان الحسن دفع إلى سليمان ابنه وابنته فسماهما بغير اسميهما ورباهما، وكان اسم ابنه عبد الله، «واسم» ابنته خديجة، فلما أفضت الخلافة إلى الملقب بالمهدي أطلق كل من كان في حبوسه غير الحسن ورجل من آل مروان، وقال سليمان للحسن:قد كنت أظن أنك ستطلق، فما أرى القوم مخرجوك ما دمت حياً، ولو كان ذلك في أنفسهم لأخرجوك مع من قد أخرجوا، فهل لك «في» أن أعمل في إخراجك فَتَخْلص إن قدرت على ذلك؟ قال: على اسم الله.(1/411)
قال سليمان: فأتيت يعقوب بن داود فشاورته في ذلك فقال لي: اعمل، فإنها فرصة يمكن فيها العمل.
قال: فخرجت إلى أصحابي الزيدية فيهم أبو الحوراء، وكان فاضلاً وصاح بالمهدي يوماً وهو يخطب:
?يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ الله أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ?[الصف:2، 3].
فأمر به فأدخل عليه، فقال:ما حملك على ما جاء منك؟
قال له: قول الله تعالى: ?وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ?[آل عمران:187] فاتق الله.
قال: ويلك من أنت؟
قال: رجل من المسلمين أمرتك بمعروف فاعرفه، ونهيتك عن منكر فأنكره.
قال: فضربه بعمود كان معه حتى غشي عليه عامة النهار، ودفعه إلى الربيع، وهؤلاء الذين كانوا من الزيدية، فقال لهم سليمان: كونوا على عدة، فإني أريد أن أنقب على هذا الرجل.
فأجابوه بأجمعهم، واحتالوا حتى نقبوا المطبق وانفتح الحصن، وخرج الحسن وعليه كساء أسود، وقد ضرب شعره منكبيه، وكان علاجهم في النقب نصف النهار لما أراد الله من إطلاقه وتسهيل أمره، فبعث موسى بن زياد في «استئجار» حمار، فأبطأ فأقبلت أنا والحسن نمشي ويتعقل لا يستطيع المشي، والناس يستحثونه، فقال: لست أقدر على الخطو.
فقالوا: أجهد نفسك واحمل عليها، ففعل، فلما انتهوا إلى قريب من الجسر أتي بحمارين فركب ومن معه، ومضيا جميعاً حتى دخل إلى منزل كان في خان الشاهين، فنزل وأتي بابنه عبد الله وهو لا يعرفه، فسلم عليه واعتنقا جميعا يبكيان وسليمان يبكي، ثم تَحَمَّلَ بعد إلى الحجاز، فأقام بها على أمان المهدي؛ حتى هلك عليه السلام.(1/412)
[(15) الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن (صاحب فخ)]
(128 - 169 هـ / 745 - 785 م)(1/413)
[إخباره صلى الله عليه وآله وسلم بموضوع قتل الفخي]
[29] أخبرنا أبو العباس الحسني رضي الله عنه بإسناده عن رجالة، عن عبد الله بن نمير رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انتهى إلى موضع فخ ، فنزل عن راحلته، وأمر أصحابه فصفوا خلفه، فصلى بهم صلاة الجنازة، فسألوه عن ذلك، فقال: ((يقتل هاهنا رجل من أهل بيتي في عصبة من المؤمنين، لم يسبقهم أهل بدر)).
[30] أخبرنا أبو العباس الحسني بإسناده عن رجالة -ـروايتينـ عن يعقوب بن نصر بن أوس قال: أكريت من جعفر بن محمد عليه السلام من المدينة إلى مكة، فلما ارتحلنا من بطن مرَّ، قال لي: يا نصر، إذا انتهينا إلى فخ فأعلمني، قال: قلت: أوليس تعرفه؟ قال: بلى، ولكني أخشى أن تغلبني عيني.
قال: فلما انتهينا إلى فخ دنوت من المحمل، فإذا هو نائم فتنحنحت، فلم ينتبه، فحركت المحمل فانتبه، فجلس، فقلت: قد بلغت، فقال: حل محملي، فحللته، ثم قال: حل القطار، قال: فنحيت به عن الجادة، وأنخت بعيره، فقال: ناولني الإدواة والركوة، قال: فتوضأ للصلاة وأقبل ثم دعا، ثم ركب، فقلت: جعلت فداك رأيتك صنعت شيئاً، أفهو من المناسك؟
قال: لا ولكن ((يقتل هاهنا رجل من أهل بيتي، «في عصابة» تسبق أرواحهم أجسادهم إلى الجنة))، وذكر من فضلهم.(1/414)