[جهاده واستشهاده (ع)]
[19] حدثنا أبو العباس بإسناده عن المفضل الضبي قال: خرجت مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن عليهم السلام فلما صار بالمربد وقف على باب سليمان بن علي، فأخرج إليه صبيان من ولده فضمهم إليه، وقال:هؤلاء والله منا ونحن منهم، إلاّ أن آباءهم غصبونا أمرنا، ثم توجه لوجهة وتمثل:
مهلاً بني عمنا ظلامتنا .... إن بِنَا سورة من الغلق
لمثلكم تُحملُ السيوف ولا .... تغمز أحسابا من الرَّقق
إني لأنمي إذا انتسبت إلى .... عزّ عزيز ومعشر صدق
بيض سباط كأن أعينهم .... تكحل يوم الهياج بالعلق
قال المفضل: فقلت له: ما أفحل هذه الأبيات، فلمن هي جعلني الله فداك؟
قال: لضرار بن الخطاب تمثل «بها» يوم جزع الخندق على رسول الله وتمثل بها أمير المومنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه يوم صفين، وتمثل بها الحسين بن علي صلوات الله عليه يوم قتل، وتمثل بها زيد بن علي عليه السلام يوم ظهر يوم السبخة، وتمثل بها يحيى بن زيد يوم الجوزجان، ونحن اليوم نتمثل بها، قال: فتطيرت من تمثله بأبيات ما تمثل بها إلاّ قتيل.
قال: ثم مضى، فلما قَرب من باخمرى اتصل به قتل أخيه محمد صلوات الله عليه فقال:
نبئت أن بني ربيعة أزمعوا .... أمراً «تحلى» لهم لتقتل خالداً
إن يقتلوني لا تصب رماحهم .... ثأري ويسعى القوم سعياً جاهداً
أرمي الطريق وإن رصدت بضيقة .... وأنازل البطل الكمي الحاردا
قال: فقالت له:جعلني الله فداك لمن هذه الأبيات؟
قال: للأحوص بن كلاب ، تمثل بها يوم شعب جبلة ، وهو اليوم الذي لقيت فيه قيس تميماً.
قال المفضل: وأقبلت عساكر أبي جعفر (غضب الله عليه) فقتل من أصحابه، وقتل من القوم، وكاد أن يكون له الظفر، وكشفت ميمنته والقلب فتمثل :
أبى كل ذي وتر يبيت بوتره .... ويمنع منه النوم إذ أنت نائم
أقول لفتيان كرام تروحوا .... على الجرد في أفواههن الشكائم
قفوا وقفة من يحيا لايخز بعدها .... ومن يخترم لا تتبعه الملاوم(1/400)
قال: ثم كر فطعن رجلاً وطعنه آخر، فقلت له: جعلني الله فداك تباشر الحرب بنفسك والعسكر منوط بك؟! فقال لي: إليك عني يأ أخا بني ضبة ، كأن عويفاً أخا بني فزارة كان ينظر إلينا في يومنا هذا، وأنشد:
ألمت سعاد وإلمامها .... أحاديث نفس وأسقامها
يمانية من بني مالك .... تطاول في المجد أعمامها
وإن لنا أصل جرثومة .... ترد الحوادث أيامها
ترد الكتيبة مذمومة .... بها أفنها وبها ذامها
قال: وجاء سهم غائر فشغله عني .
[20] حدثنا أبو العباس الحسني بإسناده عن المفضل الضبي، قال: كنت مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن صلوات الله عليه واقفاً يوم قتل، فقال لي: حرِّكني بشيء، فأنشدته:
ألا أيها الناهي فزارة بعدما .... أجدت بسير إنما أنت حالم
أبى كل ذي وتر يبيت بوتره .... ويمنع منها النوم إذ أنت نائم
قفوا وقفة من يحيا لا يخز بعدها .... ومن يخترم لا تتبعه اللوائم
قال: فقال لي: أعده، فانتبهت وندمت على إنشادي إياها، فقلت: أو غير ذلك، فقال: لا بل أعده، فأعدته، فكان آخر العهد به صلوات الله عليه.
[21] وحدثنا أبو العباس الحسني بإسناده عن المفضل الضبي، قال: جعلت الزيدية تحمل بين يدي إبراهيم بن عبد الله بن الحسن صلوات الله عليه ويقولون:نحن الزيدية وأبناء الزيدية.
قال: فسمعت إبراهيم عليه السلام «يقول لهم»: رحمكم الله اسم هو أحسن من اسم الإسلام؟! ألا فقولوا نحن المسلمون وأبناء المسلمين .
قال المفضل: وأصيب إبراهيم بسهم فطافت به الزيدية، وجعلوا يبكون ويقولون: أردنا أن تكون إماماً أردنا أن تكون ملكاً، وأراد الله أن تكون شهيداً، ويقبلون يديه ورجليه .
[22] حدثنا أبو العباس بإسناده عن مسعدة بن زياد العبدي، قال: لما أصيب إبراهيم بن عبد الله بن الحسن عليه السلام وجاء ذلك «اليوم» إلى أهل المدينة، قال الطالبيون: مضى والله على منهاج آبائه، ونزل منازلهم.(1/401)
قال مسعدة بن زياد: وسمعت جعفر بن محمد عليه السلام وقد قيل له: قتل إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، فقال : مضى شهيداً، أحب الله جل ثناؤه أن يكون شهيداً، الحمدلله الذي بلغه ما أمله في نفسه.
[23] «وحدثنا السيد» الفضل يحيى بن الحسين: وأقام إبراهيم بن عبد الله بالبصرة، فلما كان ليلة الفطر أتاه خبر قتل محمد، فكتمه حتى شاع في الناس، وقدم عليه الحسين و عيسى ابنا زيد بن علي من المدينة فخرج إلى المسجد فصلى بالناس وخطب وقرأ: ?وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ...?الآية[آل عمران:144]، «ثم نزل» وجلس للتعزية، فعزاه الناس.(1/402)
[تجهيز أبي جعفر السفاح جيشاً لقتال صاحب الترجمة]
فلما فرغ أبو جعفر من محمد بن عبد الله جهز جيشاً ينفذه إلى البصرة وضم إليه سلم بن قتيبة، فبلغ إبراهيم انفصالهم، فأجمع للمسير إليهم، فقال له المضاء بن القاسم : لا تفعل، وأقم مكانك ووجه الجنود، فأبى وسار نحوهم بنفسه ، واستخلف ابنه الحسن بن إبراهيم على البصرة.
فلما انتهى إبراهيم يريد عيسى بن موسى، ومع إبراهيم أحد عشر ألفاً وسبعمائة فارس والبقية رجّالة فتأهبوا للقتال، وقاتلوا، وصبر الفريقان واقتتلوا قتالاً شديداً، وانهزموا وقد استعلوا على أصحاب عيسى، أدركهم جعفر بن سليمان من خلفهم وحمل على أصحاب إبراهيم فانهزم أصحاب إبراهيم وأخذوا يمنة ويسرة، فجاء بشير الرحال إلى إبراهيم، فقال: ما ترى؟ قال إبراهيم: قد ذهب الناس، ومن رأيي مصابرة القوم إلى أن يحكم الله فيّ أمره ونادى أصحابه، فاجتمع إليه نفر من أصحابه، فاقتتلوا أشد قتال، فقتل إبراهيم رحمة الله عليه وجماعة معه.(1/403)
[رأي شعبة في صاحب الترجمة والخروج معه]
[24] حدثنا أبو العباس الحسني بإسناده عن نصر بن حماد قال: جاء قوم إلى شعبة فسألوه عن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن عليه السلام وعن القيام معه، فقال: وتسألوني عن إبراهيم صلوات الله عليه وعن القيام معه، تسألوني عن «أمر قام به» إبراهيم بن رسول الله والله لهي عندي بدر الصغرى.
[25] حدثنا أبو العباس الحسني بإسناده عن نصر بن حماد قال: سمعت شعبة يقول حين ظهر إبراهيم بن عبد الله بن الحسن عليهم السلام : قال رسول الله: ((أهل بيتي في أمتي بمنزلة النجوم، كلّما أفل نجم طلع نجم آخر مكانه)).
[26] حدثنا أبو العباس بإسناده عن نصر بن حماد البجلي، عن شعبة أنه قال حين جاء قتل إبراهيم بن عبد الله عليه السلام: لقد بكى أهل السماء على قتل إبراهيم بن عبد الله عليه السلام «فإنه» كان من الدين لبمكان.
[27] حدثنا أبو العباس بإسناده عن عمر بن محمد بن إسحاق قال: سألت الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن عليهم السلام : كم كان بين مقتل عمك محمد بن عبد الله وبين مقتل أبيك صلوات الله عليهما؟
فقال الحسن: قتل أبي عليه السلام بعد عمي بشهرين وأيام، وحز رأسه وحمل إلى أبي الدوانيق لعنه الله ودُفِنَ بدنه الزكي بباخمراء.(1/404)