قال: وكان محمد بن عبد الله يرون أنه الذي جاء فيه الخبر من أمر المهدي لما وقفوا عليه من العلم والخشوع، وكان يقال له: المهدي، وصريح قريش، وفيه يقول القائل:
لئن يك ظني صادقاً بمحمد .... يكن فيه ما ترجوا الأعاجم في الكتب
وكان يقال: إنه ولد وبين كتفيه كهيئة البيضة، ففيه يقول مسلمة بن علي :
وإن الذي تروي الرواة لبينٌ .... إذا ما ابن عبد الله فيهم تجردا
به خاتم لم يعطه الله غيره .... وفيه علامات من الفضل والهدى
قال أبو زيد: وذكر حديثاً اختصرناه إشفاقاً، وذكرنا منه هذا احتجاجاً على من زعم على أن جعفر بن محمد نظر إلى أبي جعفر وقد دعا إلى بيعة محمد بن عبد الله بن الحسن، فقال: إنا نجد أن هذا المتكلم آنفا يقتله، يعني أبا جعفر أنه يقتل محمداً، فكان هذا من قول من تعلق به يدعو إلى الجلوس عن إقامة الحق والدعاء إليه، وإلى التسليم إلى أهل الباطل إذا لم يظفر بهم، ولكن منع القوم من ذلك خوف الله وإيثار طاعته ظفروا أو ظفر بهم .(1/390)
[مكاتبات بين النفس الزكية والسفاح]
فكتب أبو جعفر إلى محمد بن عبد الله بن الحسن: من عبد الله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله، ?إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ...?الآية[المائدة:33-34].
ولك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسولِه إن تبت ورجعت من قبل أن أقدر عليك أني أُؤمنك وجميع ولدك وإخوانك وأهل بيتك، على دمائكم وأموالكم، وأسوّغكم ما أصبتم من دم وأموال، وأعطيك ألف ألف درهم، ومَا سألت من الحوائج، وأنزلك من البلاد بحيث شئت، وأخلي من في حبسي من أهل بيتك، وأؤمن كل من آواك أو با يعك، أو دخل في شيء من أمرك، «ثم» لا أتبع أحداً منهم بشيء كان منهم أبداً، وإن أحببت أن تتوثق لنفسك فوجه إليّ من أحببت يأخذ لك مني الأمان والعهد والميثاق ما تثق به وتطمئن إليه إن شاء الله. والسلام.
فكتب إليه محمد بن عبد الله بن الحسن: من عبد الله محمد أمير المؤمنين إلى عبد الله بن محمد، ?طسم، تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ...? إلى قوله تعالى: ?مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ?[القصص:1إلى6].(1/391)
وأنا أعرض عليك من الأمان ما عرضت علي، وأنت تعلم أن الحق حقنا وأنكم ادعيتم هذا الأمر بنا، وخرجتم له بشيعتنا، وأن أبانا علياً كان الإمام، فكيف ورثتم ولايته دون ولده، ثم قد علمت أنه لم يطلب هذا الأمر أحد له مثل نسبنا، ولا شرف مثل شرف أبينا، وإنا لسنا من أبناء الطلقاء، ولا العتقاء، ولا اللعناء، ولا الطرداء، وأنه لا يمتّ أحد من بني هاشم بمثل ما نَمَتُّ به من القرابة والسابقة والفضل، فإنا بنو أم رسول الله في الجاهلية، وفي الإسلام بنو ابنته دونكم، وإن الله اختارنا واختار لنا، فوالدنامن النبيين أفضلهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن السلف أولهم إسلاما علي بن أبي طالب عليه السلام ومن الأزواج أفضلهن خديجة بنت خويلد أول من صلى القبلة رحمة الله عليها ومن البنات فاطمة سيدة نساء العالمين رحمة الله عليها ومن المولودين في الإسلام الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وإن هاشماً ولد علياً مرتين، وإن عبد المطلب ولده مرتين ، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولدني مرتين وإني من أوسط هاشم نسباً وأصرحهم أماً وأباً، وأنه لم تعرف فيَّ سجحة العجم ولم تنازع فيّ أمهات الأّولاد، ومازال الله يختار لي الآباء والأمهات في الجاهلية والإسلام حتى اختار لي في النار، فأنا ابن أرفع الناس درجة في الجنة، وأنا ابن أهون أهل النار عذاباً، وأنا ابن خير الأخيار، وأنا ابن خير أهل الجنة، وأنا ابن خير أهل النار.
ولك الله إن دخلت في طاعتي، وأجبت دعوتي أني أؤمنك على نفسك ومالك ودمك، وعلى كل أمر أحدثته إلاّ حداً من حدود الله، أوحقاً لمسلم أومعاهد، وقدعلمت ما يلزمك في ذلك ومن ذلك، وأنا أولى بالأمر منك وأوفى بالعهد والعقد لأنك تعطيني من عهدك ما أعطيته رجالاً من قبلي، فأي أمانك تعطيني: أمان ابن هبيرة، أم أمان عمك عبد الله بن علي، أم أمان أبي مسلم ، والسلام.(1/392)
فأجابه أبو جعفر بالباهتة: من عبد الله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله.
أما بعد: فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه، فجلّ فخرك بقرابة النساء، ولم يجعل الله النساء كالعمومة والأباء، ولا كالعصبة والأولياء، لأن الله تعالى جعل العم أباً وبدأ به على الولد الأدنى، ولو كان اختيار الله لهن على قدر قرابتهن لكانت آمنة أقربهن رحماً وأعظمهن حقاً، وأول من يدخل الجنة غداً، ولكن الله اختار لخلقه على قدر علمه الماضي منهم، فأما ماذكرت من فاطمة أم أبي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وولادتها، فإن الله لم يرزق من ولدها ذكراً ولا أنثى الإسلام، ولو كان أحد من ولدها رزق الإسلام بالقرابة لكان عبد الله بن عبد المطلب أولاهم بكل خير في الدنيا والآخرة، ولكن الأمر إلى الله، يختار لدينه من يشاء، قال الله تعالى: ?إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ الله يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ?[القصص:56].
ولقد بعث الله نبيه محمداً وله عمومة أربعة، وأنزل عليه ?وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ?[الشعراء:214]، فدعاهم فأنذرهم فأجابه اثنان أحدهما أبي، وأبى اثنان أحدهما أبوك، فقطع الله ولا يتهما ولم يجعل بينه وبينهما إلاّ ولا ذمة، ولا ميراثاً.
وزعمت أنك ابن أخف الناس عذاباً، و ابن خير الأشرار، وليس في الكفر بالله صغير ولا في عذاب الله خفيف «ولا قليل»، ولا في الشر خيار، ولا ينبغي لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يفخر بالشر، وسترد فتعلم، ?وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ?[الشعراء:227].
وأما ما فخرت به من أن فاطمة أم علي وأن هاشما ولده مرتين، وأن عبد المطلب ولده مرتين، فخير الأولين والآخرين رسول الله لم يلده هاشم إلامرة، ولا عبد المطلب إلاّ مرة، وزعمت أنك أوسط بني هاشم نسباً وأصرحهم أماً وأباً...إلى آخر ما ذكره.(1/393)
فأجابه محمد بن عبد الله فيما بلغني من غير رواية الحسن بن يحيى بهذه الرسالة وهي التي يقال لها الدامغة.
قال مؤلف الكتاب: وأنا أريد أن أختصر منها فإني لو أثبته على الوجه لطال الكتاب.
بسم الله الرحمن الرحيم. ?إِنَّمَا إِلَهُكُمُ الله الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا..? إلى قوله تعالى: ?وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً?[طه:98-101].
وبعد: فإنك ذكرت أن فخري بالنساء؛ فرأيت أن أوضح من أمرهن ما جهلته، ومن «بعد» حق العم لأب وأم خلاف ما توهمته، أوليس قرابتهن أقرب القرابة؟
أوليس قد ذكر الله الأمهات والأخوات والبنات، ولم يجعل بينهن وبين الآباء والقرابة فرقاً، فقال تعالى: ?لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ?[النساء:7]، وقال تعالى: ?وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ?[النساء:127] فقد ذكر الأمهات، والأخوات والبنات، ولم يذكر العم، ثم فرض على عباده البر بالنساء والرجال إذ يقول تعالى: ?اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ?[لقمان:14]، وقوله تعالى:?وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا?[العنكبوت:8] .(1/394)