فشاع ذلك من أمر محمد بن عبد الله عليه السلام وسرَّ به آل محمد، ونشأ مأمولاً في حالاته، محموداً في منشئه، فَهِيماً في رأيه، لبيباً في عقله، مكرماً في أهله، معظماً في الناس، وأبوه عليه السلام حيّ، واستقام حاله وحديثه وسموه المهدي فكان لا يمر بملأ من الناس إلاّ أظهروا له التعظيم والإكرام والتبجيل، وفَضَّلَه عبد الله بن الحسن وأجَلَّه.
وجعل زوار المدينة من أهل العراق يأتونه للنظر إليه، ويتحدثون فيه بأمره، فقال فيه بعض شعرائهم:
إن المهديّ قام لنا وفينا .... أتانا الخير وارتفع البلاء
وقام به عمود الدين حقاً .... وولىَّ الجور وانكشف الغطاء
بنفسي يثرب من دار هاد .... عليها من شواهده بهاء
نرى عزَّ البهاء عليه فيها .... ونور الحق يسطع والضياء(1/380)


[خروجه (ع)]
ولما ظهر محمد بن عبد الله يدعو [إلى نفسه] أقام منتظراً، وبايعه أهل بيته الأكابر والأصاغر، والهاشميون كلهم، وكان أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ممن يعظمه من قبل أن يكون الأمر منه ما كان من إفضاء الأمر والدولة «إليه»، وتداعي الناس والقبائل وأهل الشرف واسْتَخْلَفَ أخاه إبراهيم بن عبد الله عليه السلام وجعله على من هو دونه من الهاشميين واتسق الأمر وتلاءمت الدعوة، وكان يكاتب الناس، فكتب كتاباً إليهم يدعوهم إلى نصرة الحق. قال: وهذه نسخة الكتاب على اختصاره.(1/381)


[مكاتباته ودعوته]
بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فإن الله جل ثناؤه جعل في كل زمان خِيرةً، ومن كل خِيرةٍ منتجباً، والله أعلم حيث يجعل رسالاته، فلم تزل الخيرة من خلقه تتناسخ أحوالاً بعد أحوال حتى كان منها صفوة الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم سيد المرسلين، وخاتم النبيين؛ اختصه الله بكرامته وأخرجه من خير خلقه قرناً فقرناً، وحالا بعد حالٍ محفوظاً مجنباً سوء الولادات، متّسقاً بأكرم الآباء والأمهات، فلو أن أحدنا في منزلته، وعند الله في مثل حاله لاصطفاه ولأخرجه من مخرجه تبارك وتعالى، ولكن نظر إليه برحمته، واختاره لرسالته، واستحفطه مكنون حكمته وأرسله بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه «وقائداً إلى الله» وسراجاً منيراً.
ثم قبضه الله إليه حميداً صلى الله عليه وآله وسلم ، فخلف كتابه الذي هو هدي واهتداء، وأمر بالعمل بمافيه، وقد نجم الجور وخولف الكتاب الذي به هَدَي واهْتداء، وأميتت السنة، وأحييت البدعة، ونحن ندعوكم أيها الناس إلى: الحكم بكتاب الله، وإلى العمل بما فيه، وإلى إنكار المنكر وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونستعينكم على ما أمر الله به في كتابه، من المعاونة على البر والتقوى.(1/382)


واعلموا أيها الناس أنكم غير مصيبي الرشد بخلافكم لذرية نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم ، ووضعكم الأمر في غير محله، فعازت لأحدكم بعد جماحها، وتفرقت جماعتكم بعد اتساقها، وشاركتم الظالمين في أوزارها لترككم التغيير على أُمرائها، ودفع الحق من الأمر إلى أوليائه، فلا سَهْمَنَا وُفِينَاهُ، ولا تراثنا أُعْطِينَاه، وما زال يولد مولودنا في الخوف، وينشأ ناشئنا في القهر ويموت ميتنا بالذل والقهر والقتل بمنزلة بني اسرائيل، تذبح أبناؤهم وتستحيا نساؤهم، ويولد مولودهم في المخافة، وينشأ ناشئهم في العبودية، وإنما فخرت قريش على سائر الأحياء بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ودانت العجم للعرب بادعائها لحقنا، والفخر بأبينا صلى الله عليه وآله وسلم ثم منعنا حقه، ودفعنا عن مقامه، أما والله لو رجوا التمكين في البلاد والظهور على الأديان، وتناول الملك بخلاف إظهار التوحيد، وبخلاف الدعوة إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإذعان منهم بالقرآن، لاتخذوا أساطير مختلقة بأهوائهم، وعبدوا الأوثان بآرائهم، ولاتخذوا من أنفسهم زعيماً.
فاتقوا الله عباد الله، وأجيبوا إلى الحق، وكونوا عليه أعواناً لمن دعاكم إليه، ولا تأخذوا بسنة بني إسرائل إذكذبوا أنبياءهم، وقتلوا ذريتهم على أنها سنة كسنة تركبونها وعروة بعد عروة تنكثونها وقد قال الله جل ثناؤه في كتابه: ?لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ?[الانشقاق:19].
فاعرفوا فضل ما هداكم الله به وتمسكوا بوثائقه، واعتصموا بعروته من قبل هرج الأهواء، واختلاف الأحزاب، وتنكب الصواب، فإن كتابي حجة على من بلغه، ورحمة على من قبله. والسلام.
[10] حدثنا أبو العباس رحمه الله بإسناده عن خالد بن مختار الثمالي قال الحسن بن الحسين: وكان خالد بن مختار خرج مع إبراهيم بن عبد الله وذهب بصره.
قال خالد بن مختار: جاء كتاب من محمد بن عبد الله بن الحسن إلى خواص أصحابه، وأمرهم أن يقرؤوه وهو:(1/383)


[كتابه إلى خواص أصحابه]
بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد:
فإن الله جل ثناؤه بعظمته ألزم نفسه علم الغيوب عن خلقه لعلمه أنها لا تصلح إلاّ له، ثم أنشأ خلقه بلا عون، ودبر أمره بلا ظهير، ابتدع ما أنشأ على غير مثال من معبود كان قبله، ثم اختار لتفضيله بعلمه من ملائكته ورسله من ائتمنه على أسرار غيوبه، لم تلاحظه في الملكوت عين ناظرة، ولا يد لامسة، متفرد بما دبر، ذلكم الله رب العالمين .
إلى أن أخرج محمداً صلى الله عليه وآله وسلم من خير نسله ذوي العزم من الرسل تناسخه دوارج الأصلاب، وَتَحِفُهُ طواهر الأرحام، مبرأ من كل عهر، مطهراً من كل سفاح، تؤديه زواكي الأصلاب إلى مُطَهِرَاتِ الأرحام، حتى استخرجه خير جنين، وأصحبه خير قرين، أرسله بنور الضياء إلى أهل الظلم والكفر.
وقد نسكوا وذبحوا للأصنام واستقسموا بالأزلام، مترددون في حيرة الضلالة، كلما ازدادوا «في ضلالهم جهلاً» وفي عبادتهم جهداً ازدادوا من الله بعداً، حتى تصرمت عنهم مدة البلاء بقيام محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيهم يدعوهم إلى النجاة، ويضمن لهم الظفر في الدنيا الماضية وحسن المثوبة في الآخرة، ويخبرهم عن القرون الماضيةكيف نجا من نجا منهم بالاستجابة لرسلهم، وكيف بعث العذاب على من تولى منهم، وسألهم أن ينظروا إلى آثارهم وديارهم خاوية على عروشها، كيف تركوها ومَا فيها؟ فقال: يا قوم احذروا مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود، فأبوا إلاّ التكذيب بالتوحيد، واستعظموا أن يجعلوا الآلهة إلهاً واحداً.(1/384)

76 / 118
ع
En
A+
A-