قال: فكأني أنظر إلى شيخ ضخم قد جاء براية فركزها، ثم نادى: يا أيها الناس، إن الأمير عمرو بن زرارة يدعوكم إلى الأمان وهذه راية الأمان، فمن جاءه فهو آمن.
قال: وكنت في آخرهم فأضرط به الذي كان بين أيدينا.
قال: فوالله ما أعلم إلاّ أني قد سمعتها.
قال: ثم لحقنا يحيى بن زيد عليه السلام وأرسل إلى عمرو بن زرارة أن انصرف عني فإني لست أريدك ولا أريد شيئاً من عملك، وإنما أريد بلخاً وناحيتها ولا أريد مرواً فتنح عني.
فقال عمرو بن زرارة: لا والله لايكون ذلك أبداً إلاّ أن تعطي بيدك وتدخل في الأمان، وإلا قاتلتك.
قال: فكأني أنظر إلى يحيى عليه السلام وأسمع صوته من خلفي وهو ينادي: الجنة.. الجنة.. يامعشر المسلمين الحقوا بسلفكم الشهداء المرزوقين (رحمكم الله).
قال: ثم تحمَّل عليهم حملة رجل واحد فانكشفوا.
قال: واستقبلنا عمرو بن زرارة يصيح بأصحابه. قال: فما كانت إلاّ إياها حتى قتل عمرو بن زرارة، وانكشف أصحابه وأخذوا الطريق حتى أتى يحيى بن زيد عليه السلام الجوزجان ، ثم لحق بعدُ قومٌ من الزيدية بيحيى عليه السلام، قال: وكانوا قريباً من خمسين ومائة رجل.(1/375)


[حثه (ع) لأصحابه على الجهاد]
[5] حدثنا أبو العباس عن ابن محمد التنوخي، بإسناده عن سلمة بن عامر الهمداني، قال: لما وافق سلم بن أحوز (غضب الله عليه) يحيى بن زيد عليهما السلام أقبل يحيى على أصحابه، فقال: يا عباد الله، إن الأجل محضره الموت، وإن الموت طالب حثيث لا يفوته الهارب، ولا يعجزه المقيم، فاقدموا (رحمكم الله) على عدوكم والحقوا بسلفكم، الجنة.. الجنة، اقدموا ولا تنكلوا، فإنه لا شرف أشرف من الشهادة، فإن أشرف الموت قتل في سبيل الله، فلتقر بالشهادة أعينكم، ولتنشرح للقاء الله صدوركم، ثم نهد إلى القوم فكان والله أرغب أصحابه في القتل في سبيل الله جل ثناؤه.(1/376)


[استشهاد يحيى بن زيد عليهما السلام]
[6] حدثنا أبو العباس رحمه الله، بإسناده عن أبي القاسم، وعن جابر بن عون قالا: قتل يحيى بن زيد بن علي عليهم السلام ، بالجوزجان، قتله سلم بن أحوز (غضب الله عليه) وكان مع يحيى بن زيد عليهما السلام يومئذ مائة وخمسون رجلاً، وكان مع سلم بن أحوز عشرة آلاف رجل، فقتل يحيى بن زيد عليه السلام وأصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم.
قال جابر بن عون : استشهد يحيى بن زيد عليه السلام يوم الجمعة بعد الصلاة، فَأُخِذَ رأسه فَبُعِثَ به إلى نصر بن سيار، وبعث به نصر إلى الوليد بن يزيد، وصلب يحيى عليه السلام على باب مدينة الجوزجان، بقرية يقال لها أرعوى، قال: وذلك في سنة خمس وعشرين ومائة.
قال جابر: فلم يزل يحيى مصلوباً حتى ظهرت المسودة بخراسان، فأتوه فأنزلوه من خشبته فغسلوه وحنطوه وكفنوه ودفنوه، وولي ذلك منه خالد بن إبراهيم بن داود البكري وحازم بن خزيمة التميمي وعيسى بن ماهان.
قال: وكان أبو مسلم يتتبع قتلة يحيى بن زيد بن علي عليهم السلام فقيل له: إن أردت ذلك فعليك بالديوان، فدعا أبو مسلم بالجرائد، فنظر من شهد قتل يحيى بن زيد عليه السلام فلم يدع أحداً منهم إلاّ قتله، وأبو مسلم هو صاحب الدولة الذي كان زوال ملك بني أمية على يديه.(1/377)


[(11) الإمام محمد بن عبد الله بن الحسن (النفس الزكية)]
(93 - 145 هـ / 712 - 762 م)(1/378)


[فضله وزهده وشجاعته (ع)]
[7] حدثنا أبو العباس رحمه الله بإسناده عن غالب بن حفص الأسدي، قال: سمعت عيسى بن زيد بن علي عليهم السلام يقول: لو أن الله جل ثناؤه أخبرنا في كتابه أنه يكون من بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبي لقلنا: إن ذلك محمد بن عبد الله بن الحسن صلوات الله عليه.
[8] حدثنا أبو العباس بإسناده عن أبي خالد، قال: كنت أنا والقاسم بن مسلم السلمي «نسير» حتى انتهينا إلى أرض ينبع ، ونحن نريد محمد بن عبد الله بن الحسن صلوات الله عليه فهجمنا عليه وعليه كساءان قد اتزر بواحد والتحف بالآخر.
فقال له القاسم: جعلت فداءك يا أبا عبد الله، إن الناس يقولون: إن صاحبكم حدث السن ليس له ذلك الفقه.
قال: فرأيته تناول سوطاً من الأرض ثم قال: يا قاسم بن مسلم، ما يسرني أن الأمة اجتمعت علي فكانت كعلاقة سوطي هذا، وأني سئلت عن باب حلال أو حرام لم آتي بالمخرج منه، يا قاسم بن مسلم إن أضل الناس من ادعى أمر هذه الأمة ثم يسأل عن باب حلال أو حرام لم يأتِ بالمخرج منه.
وكان محمد بن عبد الله أيْداً قوياً، إذا صعد المنبر يتقَعْقع عنه المنبر، وأنه أقل صخرة إلى منكبيه فحزروها ألف رطل.
[9] حدثنا أبو العباس بإسناده عن علي بن عثمان قال:حدثني أبي، قال: كان من قصة محمد بن عبد الله بن الحسن عليه السلام أنه لما ولد سماه أبوه محمداً [إذ] تباشربه آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، موافقاً اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم واسم أبيه فأملوه ورجوه وسروا به ووقعت عليه المحبة، وجعلوا يتذاكرونه في المجالس، فقال في ذلك شاعرهم:
ليهنكم المولود من آل أحمد
يسوم أميَّ الذل من بعد عزها
فيقتلهم قتلاً ذريعاً وهذه
هما أنبآنا أن ذلك كائن
أُميَّ فصبراً طال ما اصطبرت لكم

إمام هدًى هادي الطريقة مهتدي
وآل بني العاص الطريد المشرد
بشارة جدية علي وأحمد
برغم أنوف من عداةٍ وحسد
بنو هاشم آل النبي محمد(1/379)

75 / 118
ع
En
A+
A-