[تاريخ خروج الإمام زيد عليه السلام]
[200] فأخبرنا علي بن الحسين بن سليمان البجلي بإسناده عن كثير النوّاء: أن زيداً عليه السلام خرج يوم الأربعاء غرة صفر سنة اثنتين وعشرين ومائة، وعلى العراقين يومئذ يوسف بن عمر بن أبي عقيل الثقفي من قبل هشام بن عبد الملك، فخرج على أصحابه على برذون أشهب، في قبا أبيض ودرع تحته، وعمامة وبين يدي قربوسه مصحف منشور، فقال: سلوني، فوالله ما تسألوني عن حلال وحرام، ومحكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، وأمثال وقصص إلاّ أنبأتكم به، والله ما وقِفت هذا الموقف إلاّ وأنا أعلم أهل بيتي بما تحتاج إليه هذه الأمة.
ثم قال: الحمد لله الذي أكمل لي ديني، إني لأستحيي من جدي أن ألقاه ولم آمر في أمته بمعروف، ولم أنهي عن منكر.
ثم قال: أيها الناس أعينوني على أنباط أهل الشام، فوالله لا يعينني عليهم أحد إلاّ جاء يوم القيامة آمناً حتى يجوز الصراط.
ثم قال: نحن الأوصياء والنجباء، والعلماء، ونحن خزان علم الله، وورثة وحي الله، وعترة رسول الله وشيعتنا رعاة الشمس والقمر، والله لا يقبل الله التوبة إلاّ منهم، ولا يخص بالرحمة أحداً سواهم.
فلما خفقت الراية على رأسه قال: اللهم لك خرجت، وإياك أردت، ورضوانك طلبت، ولعدوك نصبت، فانتصر لنفسك ولدينك، ولكتابك ولنبيك، ولأهل بيت نبيك، ولأوليائك من المؤمنين، اللهم هذا الجهد مني، وأنت المستعان.
[201] «أخبرنا علي بن داود بن نصر بإسناده عن أبي الجارود عن زيد بن علي عليهما السلام قال: قال: سلوني قبل أن تفقدوني، فإنكم لن تسألوا مثلي، والله لا تسألوني عن آية من كتاب الله إلا أنبأتكم بها، ولا تسألوني عن حرف من سنة رسول الله إلاّ أنبأتكم به، ولكنكم زدتم ونقصتم وقدمتم وأخرتم فاشتبهت عليكم الأحاديث».(1/355)
[202] أخبرنا علي بن الحسين بن الحارث الهمداني بإسناده عن سعيد بن خثيم: أن زيد بن علي عليه السلام كتَّب كتائبه، فلما خفقت راياته رفع يديه إلى السماء ثم قال: الحمد لله الذي أكمل لي ديني والله ما يسرني أني لقيت محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ولم آمر في أمته بالمعروف، ولم أنههم عن المنكر، والله ما أبالي إن أقمت كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أنه تأججت لي نار ثم قذفت فيها، ثم صرت بعد ذلك إلى رحمة الله، والله لا ينصرني أحد إلاّ كان في الرفيق الأعلى مع محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، ويحكم أما ترون هذا القرآن بين أظهركم، جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونحن بنوه.
يا معشر الفقهاء، ويا أهل الحجى أنا حجة من الله عليكم هذه يدي مع أيديكم على أن نقيم حدود الله ونعمل بكتاب الله، ونقسم بينكم فيئكم بالسوية، فاسألوني عن معالم دينكم، فإن لم أنبئكم بكل ما سألتم فولوا من شئتم ممن علمتم أنه أعلم مني، والله لقد علمت علم أبي علي بن الحسين، وعلم عمي الحسن، وعلم جدي الحسين عليهم السلام وعلم علي بن أبي طالب وصي رسول الله وعيبة علمه، وإني لأعلم أهل بيتي، والله ما كذبت كذبة منذ عرفت يميني من شمالي، ولا انتهكت محرماً منذ عرفت أن الله يؤاخذني، هلموا فسلوني.
قال: ثم سار حتى انتهى إلى الكناسة، فحمل على جماعة من أهل الشام كانوا بها، ثم سار إلى الجبَّانة، ويوسف بن عمر يومئذ مع أصحابه على التل، فشد بالجمع على زيد وأصحابه.
قال أبو معمر: فرأيته عليه السلام شد عليهم كأنه الليث حتى قتلنا منهم أكثر من ألفي رجل ما بين الحيرة والكوفة، وتفرقنا فرقتين، فكنا من أهل الكوفة أشد خوفاً.(1/356)
قال أبو معمر: فلما كان يوم الخميس حاصت حيصة منهم، فقتلنا منهم أكثر من مائتي رجل، فلما جنّ علينا الليل ليلة الجمعة كثر فينا الجراح واستبان فينا الفشل، وجعل زيد عليه السلام يدعوا، وقال: اللهم إن هؤلاء يقاتلون عدوك وعدو رسولك ودينك الذي ارتضيته لعبادك، فاجزهم أفضل ما جازيت أحداً من عبادك المؤمنين.
ثم قال لنا: أحيو ليلتكم هذه بقراءة القرآن والدعاء والتهجد، والتضرع إلى الله تعالى، فلا أعلم والله أنه أمسى على الأرض عصابة أنصح لله ولرسوله وللإسلام منكم.(1/357)
[استشهاد الإمام زيد بن علي عليه السلام]
[203] وحدثنا محمد بن جعفر القرداني بإسناده عن أبي مخنف قال: فلما كان من الغد غداة الجمعة دعا يوسف بن عمر الريان بن سلمة فأتاه في غير سلاح فقال: قبحك الله من صاحب حرب، ثم دعا العباس بن سعد المزني، فبعثه في أهل الشام إلى زيد بن علي في دار الرزق، وخرج زيد بن علي عليه السلام في أصحابه فلما رآهم العباس بن سعد نادى بأهل الشام: الأرض الأرض.
لأنه لم يكن له رجَّالة، فنزل كثير فاقتتلوا قتالاً شديداً.
وقال أبو معمر في حديثه: فشددنا على الصف الأول حتى فضضناه، ثم على الثاني، ثم على الثالث، وهزمناهم، وجعل زيد بن علي عليه السلام يقول: ?وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ?[آل عمران:158] وجعلوا يرمونه فأصابته ثلاث عشرة نشابة.
قال: فبينا نحن نكارّهم إذ رُمي عليه السلام بسهم في جبينه الأيسر، فخالط دماغه حتى خرج من قفاه. فقال: الشهادة في الله و الحمد لله الذي رزقنيها.
ثم قال: ادعوا لي القين، فحملناه على حمار إلى بيت امرأة همدانية.
[204] أخبرنا علي بن الحسين بن سليمان البجلي بإسناده عن أبي معمر قال: كنت جالساً بين يدي زيد بن علي عليه السلام وهو في كرب الموت، فقال لي: أدعوا لي يحيى، فدعوناه، فلما دخل جمع قميصه في كفه، وجعل يمسح ذلك الكرب عن وجه أبيه، وقال: أبشر يابن رسول الله، تقدم على رسول الله وعلي والحسن والحسين وخديجة وفاطمة وهم عنك راضون.
قال: صدقت يابني فما في نفسك؟
قال: أن أجاهد القوم والله إلاّ أن لا أجد أحداً يعينني.
قال: نعم يابني جاهدهم، فوالله إنك لعلى الحق وهم على الباطل، وإن قتلاك في الجنة وقتلاهم في النار.(1/358)
[ما صنع بالجسم والرأس الشريفين بعد استشهاده]
قال أبومخنف في حديثه :حدثني سلمة بن ثابت، وكان مع زيد بن علي عليه السلام: أنه دخل عليه صلوات الله عليه فجاؤه بطبيب يقال له سفيان فانتزع النصل من جبينه؛ وأنا أنظر، فما عدا أن انتزعه حتى قضى نحبه.
فقال له أصحابه: أين ندفنه؟
قال بعضهم: نحتز رأسة، ونطرحه بين القتلى فلا يعرف.
قال ابنه: والله لا أجعل جسد أبي طعاماً للكلاب.
وقال بعضهم: ندفنه بالعباسية، فأشرت عليهم أن ينطلقوا به إلى موضع قد احتفر فيدفنوه فيه، ويجروا عليه الماء، فأخذوا برأيي، فانطلقنا ودفناه وأجرينا عليه الماء، ومعنا سندي فذهب إلى الحكم بن الصامت من الغد يوم السبت، فبعث إلى ذلك الموضع واستخرج زيداً عليه السلام وحز رأسه، وسرح به إلى يوسف بن عمر، فأمر بجثته، فصلبت في الكناسة هو ونصر بن خزيمة ومعاوية بن إسحاق الأنصاري.(1/359)