فلما قتل الحسين دفن رشيد في موضعه الذي كان فيه، وكانت فاطمة بنت الحسين تقول: إنه السقاء، وإن الناس قالوا: هو قبر العباس بن علي وليس كذلك لكنه قبر رشيد.
قال: وزحف عمر بن سعد يومئذ بخيله بعد صلاة العصر نحو الحسين عليه السلام وهو جالس محتبياً، وسمعت زينب بنت علي الصيحة فدنت من الحسين عليه السلام وهو جالس محتبياً بحمائل سيفه، ورأسه على ركبتيه فقالت: يا أخي، فرفع رأسه فقال: إن رسول الله أتاني في نومي هذا وقال: إنك تروح إلينا غداً، فلطمت وجهها وقالت: يا ويلاه، فقال: لا ويل لك يا أخية.
[186] أخبرنا أحمد بن علي بن عافية بإسناده عن أبي جعفر، عن أبيه، علي بن الحسين عليهم السلام قال: إني يومئذ مريض، فدنوت أسمع ما يقول أبي عنده حُوي مولى أبي ذر وهو يعالج سيفه ويصلحه وأبي يقول:
يادهر أفٍ لكِ من خليل .... كم بك بالإشراق والأصيل
من طالب وصاحب قتيل .... والدهر لا يقنع بالبديل
وإنما الأمر إلى الجليل .... وكل حي سالك سبيلي
فكررها ثلاثاً وفهمت ما قال، فخنقتني العبرة، فرددت دمعي ولزمت السكوت وعلمت أن البلاء قد نزل.
وأما عمتي فسمعتها؛ وهي امرأة ومن شأن النساء الرقة والجزع، فلم تملك نفسها أن وثبت تجر ثوبها حتى انتهت إليه وقالت: واثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة اليوم ماتت فاطمة أمي وعلي أبي والحسن أخي يا خليفة الماضين وثمال الباقين، فنظر إليها الحسين عليه السلام فقال: يا أخية، لا يذهبن بحلمك الشيطان.
فقالت: بأبي وأمي أبا عبد الله أمُسْتَقْتِلٌ أنت نفسي فداؤك، فازدادت غصته وترقرقت عيناه ثم قال: لو ترك القطا لنام.(1/334)


فلطمت وجهها وأهوت إلى جيبها فشقته وخرت مغشياً عليها، فقام إليها الحسين فصب على وجهها الماء وقال: يا أخية، اتقي الله وتعزي بعزاء الله، فإن أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون، وكل شيء هالك إلاّ وجه الله وحده ولي ولكل مسلم برسول الله أسوة حسنة، فعزاها بنحو هذا وقال: أقسم عليك يأخية لا تشقي عليّ جيباً ولا تخمشيّ علي وجهاً، ولا تدعي علي بالويل والثبور.
ثم جاء حتى أجلسها عندي، ثم أمر أصحابه أن يقربوا بيوتهم بعضاً من بعض ويداخلوا الأطناب بعضها ببعض ويكونوا بينها، فيستقبلوا القوم من وجه واحد.
[187] وأخبرنا محمد بن عبد الله بن أيوب البجلي بإسناده عن زيد بن علي عن أبيه عليهم السلام أن الحسين (صلوات الله عليه) خطبهم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أيها الناس خُطَّ الموت على ابن آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، ما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف وأخيه، وإن لي لمصرعاً أنا لا قيه، كأني أنظر إلى أوصالي تقطعها عسْلان الفلوات، غُبراً عُفراً بين كربلاء وبراريس قد ملأت مني أكراشاً جوفاً رضا الله رضانا أهل البيت، فصبراً علىبلائه ليوفينا أجر الصابرين، لن تشذ عن رسول الله حرمته وعترته، ولن تفارقه أعضاؤه وهي مجموعة له في حظيرة القدس، تقر بهم عينه، وينجز لهم عدته، من كان فينا باذلاً مهجته فليرحل فإني راحل غداً إن شاء الله عزَّ وجل، ثم نهض إلى عدوه فاستشهد (صلوات الله عليه).(1/335)


[188] أخبرنا ابن عافية بإسناده عن عبد الله بن الحسن عليه السلام أن علي بن الحسين عليه السلام قال: صبحتنا الخيل يوم الجمعة، فدعا الحسين بفرس رسول الله وهو المرتجز، فركبه ثم رفع يده، فقال: اللهم أنت ثقتي في كل كرب ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة، كم من هَمٍ يضعف به الفؤاد، وتقل فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدو، أنزلتُه بك، وشكوته إليك، رغبةً فيه إليك عمن سواك، ففرَّجته وكشفته، أنت ولي كل نعمة، وصاحب كل حسنة، ومنتهى كل رغبة، يا أرحم الراحمين.
ثم عبأ أصحابه وعبأ عمر بن سعد كذلك، فكان أول من رمى ابن سعد، ثم أصحابه حتى غلب الحسين عليه السلام على عسكره، فركب المُسَنَّاة يريد الفرات، فقال شمر بن ذي الجوشن (لعنه الله): ويلكم حولوا بينه وبين الماء.
ودنا ليشرب، فرماه حصين بن تميم -لعنه الله- بسهم فوقع في فمه، فجعل يتلقى الدم، ويرمي به إلى السماء، ويقول: اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تذر على الأرض منهم أحداً.
ثم إن شمراً أقبل في الرَّجالة نحوه، فجعل الحسين يشد عليهم، فينكشفون عنه، وعليه قميص خز، وكان عبد الله بن عمار بن عبد يغوث يقول: والله ما رأيت مكثوراً قط قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً منه، ولا أمضى جناناً، ما رأيت قبله ولا بعده مثله، إن كانت الرجال تنكشف عن يمينه وعن يساره انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب.
قال: ومكث طويلاً من النهار وكل يتقي أن يقتله، فإذا شمر يقول: ثكلتكم أمهاتكم ما تنتظرون بالرجل؟ اقتلوه، فحَمَل عليه سِنَان بن أنس بن عمر النخعي في تلك الساعة، فطعنه بالرمح فوقع، ثم قال لخَولّي بن يزيد بن الأصبحي: حز رأسه، فأراد ذلك فضعف وارتعد. فقال له سنان: فتّ الله عضدك وأبان يدك، فنزل إليه فذبحه، ورفع رأسه إلى خولي بن يزيد.
«وروي أنه لما قتل الحسين عليه السلام سُمِعَ هاتفٌ في الجو يقول:
أترجو أمةٌ قَتَلت حسيناً
شفاعةَ جدهِ يومَ الحسابِ»(1/336)


[ذكر من استشهدوا مع الحسين (ع)]
عبد الله بن عمير الكلبي، ويزيد بن حصين، وعمرو بن قريضة الأنصاري، ونافع بن هلال، ومسلم بن عوشجة، وحر بن يزيد الرياحي الذي كان يجعجع به، وحبيب بن مطهر، وأبو ثمامة الصايدي، وسعيد بن عبد الله الحنفي، وزهير بن القين، وَحَوَيُّ مولى أبي ذر الغفاري، وبشر بن عمرو الحضرمي، وعبد الرحمن بن عبد الله الكوفي، وسويد بن عمرو بن أبي المطاع، وعبد الله، وعبد الرحمن ابنا أبي عذرة الغفاري، وسيف بن حارث بن سريع، ومالك بن عيدوس، وحنظلة بن أسعد الشيباني، وشوذب مولى شاكر، وعباس بن أبي شبيب الشاكري، ويزيد بن يزيد أبو الشعثاء الكندي، وأنس بن الحارث الكاهلي، وعمرو بن خالد الصدأي، وخباب بن حارث السلماني، وسعد مولى عمرو بن خالد، ومجمع بن عبد الله الصايدي، والحجاج بن مسروق الجعفي، و ابن عمه زيد بن معقل الجعفي.(1/338)


[من استشهد من أهل بيته عليه السلام]
ومن أهل بيته عليه السلام علي بن الحسين بن علي عليه السلام الأكبر، وكان أول من خرج فَشَدَّ على الناس بسيفه وهو يقول:
أنا علي بن الحسين بن علي .... نحن ورب الناس أولى بالنبي
تا الله لا يحكم فينا ابن الدعي
فاعترضه مُرَّة بن منقذ فطعنه فصرع وقطعوه بأسيا فهم، ثم عبد الله بن مسلم بن عقيل، ثم عون ومحمد ابنا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ثم عبد الرحمن، وجعفر ابنا عقيل، ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل، والقاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب ضربه عمرو بن سعيد بن نقيل بالسيف على رأسه فوقع الغلام، وقال: يا عماه، فوقف عليه الحسين عليه السلام قتيلا، فقال: عزَّ والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك.
ثم عبد الله بن الحسين بن علي، وكان صغيراً في حجر الحسين عليه السلام فرماه رجل من بني أسد بسهم فذبحه به، فتلقى الحسين عليه السلام دمه فملأ كفيه، فلما خرج المختار أخذ هذا الأسدي الذي رماه فذبحه بالسهم ونصبه، وأمر أن يرمى بالسهام فرمي حتى مات.
ثم أبو بكر بن الحسين بن علي بن أبي طالب رماه عبد الله بن عقبة الغنوي بسهم فقتله فلذلك قيل:
وعِندَ غنِّي قطرُةُ من دمائنا .... وفي أسد أخرى تعد وتذكر
ثم عبد الله وجعفر وعثمان ومحمد بنو علي بن أبي طالب عليه السلام ثم غلام من آل الحسين بن علي بن أبي طالب في أذنه درَّتان يقال: إن هانئ بن الحضرمي قطعه بالسيف، ثم العباس بن علي بن أبي طالب، وكان يقاتل قتالاً شديداً، فاعتوره الرجالة برماحهم فقتلوه، فبقي الحسين عليه السلام وحده ليس معه أحد.
[189] أخبرنا إسماعيل بن سنبذا، بإسناده عن الشعبي قال: قال الحسين بن علي عليه السلام: إني رأيت كأن كلاباً تنبح عليّ، وكأن أشدها عليّ كلب أبقع، وكان شمر بن ذي الجوشن (لعنه الله) أبرص.(1/339)

67 / 118
ع
En
A+
A-