[قدوم الحسين (ع) الكوفة ومواقف النعمان بن بشير وغيره]
فخرج حتى قدم الكوفة، ونزل دار المختار بن أبي عبيد الثقفي وبايعه من أهلها ثمانية عشر ألفا سوى أهل البصرة، وحلفوا بأيمان مغلظة ليجاهدون معه بأموالهم وأنفسهم.
فكتب مسلم إلى الحسين يستقدمه ويستحثه فدخل، رجل ممن يهوى يزيد يقال له عبد الله بن مسلم الحضرمي على النعمان بن بشير وهو والي الكوفة فأخبره خبره.
وقال: إنك لضعيف.
فقال النعمان: لأن أكون ضعيفاً في طاعة الله خير من أن أكون قوياً في معصيته.
فكتب بشأنه إلى يزيد، فاستشار مولى لهم كان لا يخالفه يقال له سرجون.(1/329)
[اختيار ابن زياد لتولي الكوفة]
فقال: مالها إلاّ عبيد الله بن زياد، وكان عامل البصرة، وكان يزيد واجداً عليه وهَّمَ بعزله، فكتب إليه بولايته على الكوفة مع البصرة، وأمره أن يدس إلى مسلم حتى يأخذه، فخرج عبيد الله بن زياد حتى أتى الكوفة فدخلها متلثماً، فجعل يمر بمجالسهم يسلم عليهم فيردون عليه وعليك السلام يا بن رسول الله، وهم يرون أنه الحسين بن علي عليهما السلام، فنزل القصر ودفع إلى حمصيّ أربعة آلاف درهم وقال: تعرف موضع مسلم بن عقيل، فإذ لقيته فادفع إليه هذا المال وقل له تستعين به على أمرك.
فخرج وفعل ورجع إلى ابن زياد فأخبره بتحول مسلم إلى منزل هانئ بن عروة المرادي، ودخل على ابن زياد وجوه أهل الكوفة ومعهم عمر بن حريث ومحمد بن الأشعث وشريح بن هانئ، فلما صاروا عنده قال لهم: أين هانئ بن عروة، فخرج ابن حريث ومحمد بن الأشعث وشريح حتى أتوا هانئاً وقالوا: إن الأمير قد ذكرك.
قال: مالي وللأمير، فلم يزل به حتى ركب إليه، فلما رآه قال: أين مسلم بن عقيل؟
قال: والله ما أنا دعوته ولو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه، فرماه بالعمود فشجه.
وبلغ مسلماً خبره فخرج، وأشرف رجال من أهل الكوفة، فرأوا قومهم وأشرافهم عند ابن زياد فانصرفوا عنه حتى ما أمسى مع مسلم إلاّ أربع مائة.
وجاء أصحاب ابن زياد، فقاتلهم مسلم قتالاً شديداً حتى اختلط الظلام فتركوه وحده، وانقلب يدور في أزقة الكوفة، فخرجت امرأة فقالت: يا عبد الله ما يقيمك هاهنا؟
قال: اسقيني ماءً، فأتته به، فشرب وجلس حتى صُلِّيت العشاء الآخرة، وخرجت المرأة فقالت: إن مجلسك هاهنا مجلس ريبة.
قال: فيك خير؟
قالت: نعم.
قال: فإني مسلم بن عقيل. فأدخلته منزلها، فما كان بأسرع من أن دخل ابنها فقال:من هذا؟(1/330)
فقالت: مسلم بن عقيل، فخرج حتى أخبر محمد بن الأشعث، فخرج ابن الأشعث إلى ابن زياد فأخبره خبره، فأمره أن يخرج حتى يحيط بالدار ففعل، وخرج إليه مسلم بسيفه. فقال له ابن الأشعث: ألق سيفك ولك الأمان، ففعل فأخذه وأتى به ابن زياد فحبسه، فلما أصبح اجتمع الناس فضرب عنقه، وأمر بهانئ فشق عرقوباه وجعل فيهما حبل، وجرّا إلى الكناسة وصلبا فيها.
فهو حيث يقول عبد الله بن الزَّبير الأسدي:
فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري .... إلى هانئ في السوق وابن عقيل
أصابهما فرخ البغيّ فأصبحا .... أحاديث من يسري بكل قبيل
تري جسداً قد غير الموت حاله .... ونضخ دم قد سال كل مسيل
أيركب أسماء الهماليج آمناً .... وقد طلبته مذحج بذحول
وكان مذحج قوم هانئ.
وكان مقتل مسلم يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة سنة ستين، ويومئذ خرج الحسين من مكة نحو العراق.(1/331)
[خروج الحسين السبط (ع) إلى العراق]
فلمّا هم بالخروج (رضي الله عنه) تلقاه ابن الزبير فقال: إلى أين تذهب، إلى قوم قتلوا أباك وخذلوا أخاك، قال: وإنما قالها لأنه كره أن يكون الأمر له.
قال: وقدم الحسين عليه السلام إلى العُذَيْب في مائة من ولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ستون فارساً وأربعون راجلاً، فلقيه رجل من أهل الكوفة من بني أسد يقال له: الحر بن يزيد الرياحي في ألف فارس قد وجه ليجعجع - أي يضيق - وجه الأرض بالحسين عليه السلام فصار أمام الحسين يمنعه الخروج نحو الكوفة، وقال: إنه أمر بذلك، وجعل يحذره القتال ويعرض عليه المسير إلى عبيد الله بن زياد ويقول: أنشدك الله في نفسك وأهل بيتك.
فقال عليه السلام: أبِالموت تخوفني، مامثلي ومثلك إلاّ كما قال أخو الأوس وقد خرج يريد نصر رسول الله فقيل: لا تسيرن إلى هذا الرجل فتقتل، فأنشأ يقول:
سأمضي وما بالموت عار على الفتى .... إذا ما نوى حقاً وجاهد مسلماً
وواسى الرجال الصالحين بنفسه .... وفارق مثبوراً وخالف مجرماً
فإن مت لم أندم وإن عشت لم أُلم .... كفى بك ذلاً أن تعيش وترغما
وسار عليه السلام حتى نزل قصر بني مقاتل والحرُ لا يفارقه، فبينا هم كذلك إذْ ورد على الحر كتاب ابن زياد أن جعجع بالحسين وأصحابه حتى يأتيك كتابي هذا، ولا تخله أبداً إلاّ بالعراء.
فقال الحسين عليه السلام: ننزل تلك القرية يعني الغاضرية قال: لا أستطيع ذلك فسار و الحر ينازعه حتى انتهى إلى موضع المعركة، فقال: ما هذا؟
فقالوا: كربلاء.
قال: ذات كرب وبلاء، ومنعه الحر تجاوزه، فحطت أثقاله وصبحه عمر بن سعد من غده في أربعة آلاف من الكوفة من قبل ابن زياد.(1/332)
[استشهاد الحسين السبط (ع)]
وكان من قصته أن عبيد الله بن زياد ولاَّه الرَّيْ وأرض دسْتبى وأمره بالمسير، فخرج في أربعة آلاف، فورد عليه كتاب ابن زياد يُسِّيره إلى محاربة الحسين، حتى إذا فرغ منه سار إلى ولايته فاستعفاه، فقال له:إما أن تسير إلي محاربته أو ترد علينا عهدنا.
فجعل يتقَلْقَل ويقول:
ووالله ما أدري وإني لواقف .... ومهما يكن من حادث سيبين
أأترك ملك الري والري رغبة .... أم أرجع مذموماً بقتل حسين
وفي قتله النار التي ليس دونها .... حجاب وملك الري قرة عين
وغلب عليه الشقاء، فسار إلى قتله ونزل بنِيْنَوى على شط الفرات، وأرسل إلى الحسين عليه السلام بكتاب ابن زياد، ثم كتب بجواب الحسين، فكتب إليه مع شمر بن ذي الجوشن أني لم أبعثك لتكُفَ عن الحسين وتمنيه البقاء والعافية، فإن نزل على حكم أمير المؤمنين واستسلم فذلك، وإلاّ فاقتله وأوطئ الخيل صدره وظهره، فإن أنت أبيت فاعتزل وخل بين شمر وبين العسكر، فقد أمرناه بأمرنا والسلام.
قال: وخرج ابن زيادحتى عسكر بالنخيلة وبعث الحصين بن تميم إلى عمر بن سعد وحجان بن الحر وشبث بن ربعي وشمر بن ذي الجوشن في سبعة آلاف رجل، وكتب إلى عمر بن سعد يأمره بمنع الحسين وأصحابه الماء، فبعث ابنُ سعد ابنَ الحجاج في خمسمائة فارس حتى أحدقوا بالشريعة، وحالوا بينهم وبين الماء، وذلك قبل قتل الحسين بثلاث، وناداه عبيد الله بن حصين ياحسين ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء، والله لا تذوق منه قطرة أوتموت عطشاً.
فقال الحسين: اللهم أمته عطشاً.
قال: فوالله الذي لا إله إلاّ هو لقد رأيته يشرب حتى يبغر فلا يروى، ثم يعود فيشرب فلا يروى فمازال كذلك حتى لفظ عمته، فلما أضر بالحسين وأصحابه العطش قام عليه السلام فأمر فحفرت آبار وأنبع الله لهم منها ماء عذباً فشربوا منه ودفن، فلما اشتد بهم العطش وجه أخاه العباس بن علي في خمسة عشر رجلاً بالقرب فيهم رجل يقال له رشيد فلحقه أصحاب ابن الحجاج فقتلوه.(1/333)