[إخبار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم باستشهاد الحسين (ع) بأرض كربلاء]
[185] [أخبرنا عبد الله بن محمد التميمي، قال: حدثنا محمد بن شاذان قال: حدثنا حميد بن مسلم، قال: حدثنا علي بن مجاهد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس] وغيرهم ممن ذكرهم أن رسول الله خرج مسافراً من المدينة، فلما كان بحرة وقف واسترجع، ثم مرَّ ثم وقف واسترجع أكثر من الأولى وبكى وقال: ((هذا جبريل يخبرني أنها أرض كرب وبلاء، يقتل فيها الحسين سخيلتي، وفرخ فرختي، وأتاني منها بتربة حمراء)) ثم دفع إلى علي عليه السلام التربة وقال: ((إذا غَلَت وسالت دماً عبيطاً فقد قتل الحسين عليه السلام))، ثم قال ومد يده: ((اللهم لا تبارك في يزيد، كأني أنظر إلى مصرعه ومدفنه)).
قال: ودفع علي عليه السلام التربة إلى أم سلمة، فشدتها في طرف ثوبها، فلما قتل الحسين عليه السلام إذا بها تسيل دما عبيطاً، فقالت أم سلمة: اليوم أفشي سر رسول الله.
قال ابن عباس: واشتد برسول الله مرضه الذي مات فيه، فَحَضرتُهُ وقد ضم الحسين إلى صدره يسيل من عرقه عليه وهو يجود بنفسه، وهو يقول: ((مالي وليزيد لا بارك الله فيه، اللهم العن يزيد)) ثم غشي عليه طويلاً، وأفاق وجعل يقبل الحسين وعيناه تذرفان، ويقول: ((أما إن لي ولقاتلك مقاماً بين يدي الله)).
قال: ثم إن معاوية لما استولى على الأمر تسعة عشر سنة وستة أشهر، ودخلت سنة ستين مرض مرضته التي مات فيها، فكان يرى أشياء ويهذي فيها هذياناً كثيراً، ويقول: ويحكم اسقوني اسقوني، فيشرب ولا يروى، وربما غشي عليه اليوم واليومين، فإذا أفاق نادى بأعلى صوته: مالي ومالك ياحجر بن عدي، مالي ومالك يا مالك، مالي ومالك يا بن أبي طالب، ومالي ومالك يا بن أبي تراب، فلم يزل كذلك أياماً ويزيد معه، ويقول: يا أبه إلى من تكلني عجِّل بالبيعة لي وإلا والله أكلت، أتعلم ما لقيت من أبي تراب وآله.(1/324)


[عهد معاوية لابنه يزيد بالإمارة]
قال: ومعاوية يتململ في الفراش ويتفكر فيما عقد عليه للحسن والحسين (عليهما السلام) إذْ كان عند مهادنته الحسن عقد أن يكون الأمر من بعده للحسن ثم للحسين من بعد الحسن، فلما كان اليوم الخامس دخل عليه أهل الشام، فرأوه ثقيلاً فبادروا إلى الضحاك بن قيس وكان صاحب شرطة معاوية ومسلم بن عقبة، فقالوا: ما تنتظران، ذهب والله الرجل فبادراه وليوص إلى يزيد فإنه أرضانا، ولا نأمن أن يخرج هذا الأمر إلى آل أبي تراب، فدخلا عليه وقد أفاق وهو يقول: أصبحت ثقيل الوزر عظيم الجرم.
فقالا: إن الناس قد اضطربوا وأنت حي، فكيف إن حدث بك حدث، وقدرضوا بيزيد.
فقال معاوية: لم يزل هذا رأيي وهل يستقيم لهم غير يزيد، إني إنما طلبتها لتبقى في ولدي إلى يوم القيامة، ولا تنالها ذرية أبي تراب.
قال: وأُدخل عليه الناس فقال: يا أهل الشام كيف رضاكم عن أمير المؤمنين؟
فقالوا:خير الرضى كنت فكنت، و شتموا علي بن أبي طالب والحسن والحسين عليهم السلام وقرظوا يزيد ومدحوه، فقال لهم: قوموا فبايعوه، فأول من بايعه الضحاك بن قيس ثم مسلم بن عقبة، ثم الناس.
قال: وخرج يزيد من فوره وتعمم بعمامة معاوية، وتختم بخاتمه، وعليه قميص عثمان الملطخ بالدم في عنقه، وهكذا كان يفعل معاوية عند إغراء أهل الشام بعلي وأهل بيته عليهم السلام ، فحمد الله وأثنى عليه وخطب وبايعه بقية الناس، فلما كان من الغد دخل الناس على معاوية، ويزيد بين يديه، فأخرج كتاباً من تحت وسادته نسخه:(1/325)


بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما عهد «به» معاوية بن أبي سفيان أمير المؤمنين إلى ابنه يزيد بن معاوية: أنه قد بايعه، وعهد إليه، وجعل الأمر من بعده إليه، وسماه أمير المؤمنين، على أن يحفظ هذا الحي من قريش، ويبعد قاتل الأحبة هذا الحي من الأنصار، وأن يقدم بني أمية وبني عبد شمس على بني هاشم وغيرهم، ويطلب بدم المظلوم المذبوح أمير المؤمنين عثمان قتيل آل أبي تراب، فمن قرئ عليه هذا الكتاب وقبله وبادر إلى طاعة أميره أكرم وقرب، ومن تلكأ عليه وامتنع فضرب الرقاب، فلما خرجوا من عنده أقبل على يزيد وقال: يا بني إني قد وطأت لك البلاد، وأذللت الرقاب وبُوئت بالأوزار، ولست أخاف عليك من هذه الأمة إلاّ أربعة نفر من قريش: فرخ أبي تراب شبيه أبيه، وقد عرفت عداوته وعداوة آله لنا، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر.
فأما عبد الرحمن بن أبي بكر فمغرى بالنساء، فإن بايعك الناس بايعك، وأما ابن عمر فما أظن أنه يقاتلك ولايصلح لها، فإن أباه كان أعرف به، وقد قال: كيف أستخلف رجلاً لم يحسن أن يطلق امرأته.
وأما الحسين بن علي فإن أهل العراق لا يدعونه حتى يخرجوه عليك ويكفيكه الله بمن قتل أباه، وأما ابن الزبير فإن أمكنتك الفرصة فقطعه إرباً إرباً فإنه يجثم جثوم الأسد ويروغ روغان الثعلب.
قال: وكتب إلى ابن أخيه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان إلى المدينة يأمره بأخذ البيعة ليزيد من أهل الحجاز، وأن يدعو هؤلاء النفر ولا يفارقهم دون البيعة له، ومن أبى منهم قتله؛ فدعا الوليد مروان بن الحكم، وكان معزولاً بها فاستشاره وأوشك ورود نعي معاوية وكتاب يزيد على مثل كتاب أبيه.
فقال مروان: أحضرهم الساعة قبل أن ينتشر موت معاوية، فمن أبى البيعة فاضرب عنقه.
فقال الوليد: والله لا أفعل، أأقتل الحسين؟
فقال مروان كالمستهزي به: أصبت.(1/326)


[دعوة الوليد بن عتبة للحسين ولابن الزبير للمبايعة ليزيد]
ودعا الوليد الحسين بن علي وابن الزبير، فقال ابن الزبير للحسين عليه السلام: فيمَ تراه بعث إلينا هذه الساعة؟
قال: إني أظن أن طاغيتهم قد هلك، فيريد معاجلتنا بالبيعة ليزيد الخمور قبل أن يدعو الناس، فقد رأيت البارحة فيما يرى النائم منبر معاوية منكوساً وداره تشتعل نيراناً، ثم عاودهما رسول الوليد، فدخل الحسين عليه السلام منزله فاغتسل وتطهر وصلى أربعاً وعشرين ركعة ودعا واستخار الله، ثم أقبل نحو الوليد حتى انتهى إلى الباب، فأذن له، فدخل فسلم فرد الوليد عليه، وقال: هذا كتاب أمير المؤمنين يزيد بن معاوية.
فنظر فيه الحسين، وقال: ننظر فانظرني.
قال: انصرف حتى تأتينا مع الناس.
فقال مروان وهو عنده: والله لئن فارقك ولم يبايع الآن لم تقدر عليه أبداً، فاحبسه حتى يبايع أو تضرب عنقه.
فقال الحسين: يا بن الزرقاء، هذا يقتلني وأنت معه.
قال الوليد: ويحك يا مروان، ما أحب أن لي الدنيا ومَا فيها بقتل الحسين بن علي، وصرفهما وأنّبَه مروان فندم على صرفهما، وأرسل إليهما، فأما ابن الزبير فبعث بأخيه جعفر حتى ليّن الوليد على إتيانه، فلما جنه الليل هرب مع أخويه مصعب والمنذر.
وأتى الحسين أهل بيته فقالوا: نحن معك حيث أخذت، فخرج من عندهم فاستقبله مروان، فقال: يا أبا عبد الله أطعني وبايع أمير المؤمنين يزيد.(1/327)


[زيارة ووداع الحسين لقبر جده المصطفى]
فاسترجع الحسين عليه السلام وقال: ويلك يا مروان، مثلك يأمرني بطاعته، وأنت اللعين ابن اللعين على لسان رسول الله فراده مروان فخرج مغضباً، حتى دخل على أخيه محمد بن الحنفية وودعه وبكيا حتى اخضلت لحاهما، وتهيأ ابن الحنفية للخروج معه فجزاه خيراً، وأمره بالتخلف ينتظر ما يرد عليه من أمره، فلما كان بعض الليل أتى قبر رسول الله فودعه وصلى ماشاء الله وغلبته عيناه، فرأى كأن رسول الله صلّى الله عَلَيْهِ وآله وسَلّم في محتوشين به فاحتضنه وقبل بين عينه وقال: يا بني العجل العجل، تأتي يابني إلى جدك وأبيك وأمك وأخيك.
فانتبه عليه السلام وأخبر أهل بيته، فمارأى أكثر باكياً وباكية فيهم من ليلتئذ.
ثم ودعهم وخرج بمن خرج معه من ولده وإخوته وبني أخيه وبني عمه نحو مكة، فقدمها وأقام بها خمسة أشهر أو أربعة، وورد عليه نحو ثمان مائة كتاب من أهل العراقين ببيعة أربعة وعشرين الفاً له؛ فبعث مسلم بن عقيل رحمة الله عليه، وكان شجاعاً قوياً، فإنه كان يأخذ الرجل فيرمي به فوق البيت، فخرج مسلم حتى أتى المدينة فاكترى أعرابيين دليلين فأخذا به في البرية، فمات أحدهما عطشاً؛ وكتب إلى الحسين يستأذنه في الرجوع فأجابه: أن امضي ما أمرتك به.(1/328)

65 / 118
ع
En
A+
A-