[خروجه (ع) إلى الشام]
فلما مضى شهران بعد ما بويع له عزم على الخروج إلى الشام، فأنفذ معقل بن قيس الرياحي، وشريح بن هانئ الحارثي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، فاستنفروا أربعين ألفاً وعقد لقيس بن سعد بن عبادة وولاّه، وأنفذ في المقدمة عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، في أربعة آلاف، وتبعه سعيد بن قيس الهمداني في أصحابه، فنزل المدائن، ثم أرض الجزيرة، فكاتبه معاوية وخدعه، وأنفذ إليه بثلاثمائة ألف درهم، فصار إلى معاوية، وانصرف سعيد بن قيس في نفر من أصحابه، فأنفذ الحسن عليه السلام قيس بن سعد بن عبادة في أربعة آلاف «رجل» من المنصرفين، ومعه زياد بن حفص في ألفين، فخرج في سبعة آلاف حتى نزل أرض الجزيرة، ثم نزل، فالتقى مع جيش لمعاوية مقدمتة في ثمانية آلاف، واشتبكت الحرب بينهم في الرقة يومين.
[181] أخبرنا علي بن جعفر بن خالد الرازي عن رجالة أن القاسم بن يزيد الشامي قال: أقبل معاوية حتى أتى جسر منبج، ولحق عبيد الله بن العباس بالحديثة، وأعطاه ألف ألف درهم، فقال قيس بن سعد: من يبايعني على الموت ؟ فبايعه أربعة آلاف، وسرح معاوية بسر بن أرطأه، وصادفوا أهل العراق على حدة وتعبئة، فجالدوهم حتى تركوا لهم العسكر.
وكتب معاوية إلى قيس بن سعد يدعوه إلى مثل ما دعا إليه عبيد الله، ويعطيه ألف ألف درهم، فقال لرسوله: قل له: لا والله لا أنثني عن شيء إلاّ عن الرمح بيني وبينك.
وكتب إلى معاوية: إنما أنت وثن من أوثان مكة دخلت في الإسلام كرهاً وخرجت منه طائعاً، والله لو سرت إلي شِبْراً لأسيرن إليك ذراعاً، ولئن سرت إليّ ذراعاً لسرت إليك باعاً، ولئن سرت باعاً لأهرولن إليك.
قال: وخرج الحسن بن علي عليه السلام في نصف ذي الحجة في خمسة وعشرين ألفاً حتى نزل المدائن.(1/319)


[182] قال إبراهيم بن محمد الثقفي فحدثنا أبو إسحاق البجلي بإسناده عن إسماعيل بن رجاء الزبيدي أن معاوية كتب حينئذ إلى رؤوس مَنْ مع الحسن بن علي: أن قيس بن سعد قد بايعني، وجعل يكتب إلى الرجل منهم لك أرض كذا وكذا حتى بايعوه، وثاروا بالحسن عليه السلام ذات عشية فطعنه رجل منهم طعنة في جنبه، وثار إلى القصر الأبيض ليدخله فمد رجل منهم يده إلى ثوبه فانتزعه عن ظهره، وتناول آخر طنفسة فحصروه في القصر، وكتبوا إلى معاوية أن اقدم، فكتب إليه معاوية: إن قيس بن سعد قد بايعني وأن أصحابك قد ثاروا عليك، فَلِمَ تَقْتل نفسك.
وفي غير هذا الحديث: أن رجلاً من بني أسد طعنه بمعول فسقط عن بغلته وأغمي عليه فبقي بالمدائن عشرة أيام وتفرق عنه أصحابه، ثم انصرف إلى الكوفة في علته وضعفه، وبقي شهرين صاحب فراش.
ثم خرج معاوية في وجوه أهل الشام في خيل عظيمة حتى نزل أرض مسكن، وخذل الحسن وغلب معاوية على الأمر، وكاتبه أهل العراق وبايعوه، ودخل الكوفة فخرج الحسن والحسين عليهما السلام إلى المدينة فأقاما بها عشر سنين.(1/320)


[مقتل الإمام الحسن]
ثم إن معاوية دَسّ السم إلى امرأته أسماء بنت الأشعث بن قيس، وأعطاها مائة ألف، فسقت الحسن عليه السلام سماً في لبن فمات بعد شهر، وقيل: إنها سقته ثلاث مرات.
[183] أخبرنا علي بن جعفر بإسناده عن هلال بن خباب أن الحسن عليه السلام خطب بالمدائن فقال: يا أهل الكوفة والله لو لم تذهل نفسي عنكم إلاّ لثلاث لذهلت: لقتلكم أبي، ولطعنكم فخذي، وانتهى بكم ثقلي.
[184] وأخبرنا علي بن يزيد بإسناده عن عمير بن إسحاق: قال: دخلت أنا ورجلان على الحسن بن علي عليه السلام نعوده، وجعل يقول لصاحبي: سلني قبل أن لا تسألني.
فقال: يعافيك الله، فقام فدخل ثم خرج إلينا وقال: ما خرجت إليكم حتى لفظت طائفة من كبدي أقلبها بهذا العود، ولقد سقيت السُّمّ مرات فما لقيت شيئاً أشد من هذه المرة، وغدونا إليه من الغد فإذا هو في السوق، وجاء الحسين عليه السلام فجلس عند رأسه فقال: يا أخي مَنْ صاحبك؟.
فقال: لِمَ، أتريد قتله ؟.
قال: نعم.
قال: لا إن كان الذي أظن فالله أشد «نقمة» له، وإن كان بريئاً فما أحب أن يقتل بي بريء.(1/321)


[وصية الإمام الحسن لأخيه الحسين عليهما السلام]
وقال غيره: إنه أوصى إلى الحسين عليه السلام وقال: يا بن أبي، إذا أنا مت فتولّ غسلي وادفني إلى جنب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإن منعت فادفني بالبقيع إلى جنب أمي فاطمة -عليها السلام- فإن في نفس بنت أبي بكر ما فيها، وإياك أن تهراق فيّ محجمة دم.
فلما مات أرسل الحسين بن علي عليه السلام من يحفر له بجنب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فخرجت عائشة على بغل وأتت مروان بن الحكم، وصار إلى سعيد بن العاص وهو والي المدينة يومئذ، فلم يجبهم إلى منع، فجاءت مع مروان في بني أمية وبني تميم وبني عدي وهم زهاء خمسمائة رجل فأحدقوا بالبيت والمسجد فخرج محمد بن علي بن الحنفية في بني هاشم وآل الزبير وتشاتم ابن الحنفية وعائشة، فقالت: لا أدعكم والله تدفنونه.
فقال الحسين عليه السلام: ما هذا بأول عداوتك لنا، البيت بيت أبينا رسول الله ولو لا وصية الحسن لرأيت ما ساءك.
وقال ابن الحنفية: [...].
وقال ابن عباس: يوماً على جمل ويوما على بغل، أخاف أن يسَمَّى يوم البغل كما سمي يوم الجمل.
فأمر الحسين عليه السلام بالجنازة، فحمل إلى البقيع ودفن به، ونزل الحسين في قبره، ومحمد بن الحنفية والعباس بن علي، ومولى للحسين عليه السلام، وصلى عليه الحسين عليه السلام خمساً، ومات وهو ابن تسع وأربعين سنة (رحمه الله تعالى).(1/322)


[(7)الإمام الحسين بن علي (أبو عبد الله)]
(4 ق هـ - 61 هـ / 625 - 680 م)(1/323)

64 / 118
ع
En
A+
A-