[(6) الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (أبو محمد)]
(3 ق هـ - 50 هـ / 624 - 670 م)(1/314)
[بيعة الإمام الحسن وخروجه وخطبته]
[180] أخبرنا عبد الرحمن بن الحسن بن عبيد بإسناده عن عباد بن يعقوب عن الحسين بن زيد بن علي عليهم السلام أن الحسن بن علي صلوات لله عليه لما أصيب علي عليه السلام قام في الناس خطيباً، فقال:
الحمد لله الذي لم يزل للحمد أهلاً، الذي منّ علينا بالإسلام وجعل فينا النبوة والكتاب، واصطفانا على خلقه، فجعلنا شهداء على الناس، وجعل الرسول علينا شهيداً، أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد صلى الله عليه وآله وسلم فالجد في كتاب الله أبٌ قال الله: ?وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ?[يوسف:38] ، فأنا ابن البشير النذير، وأنا ابن الداعي إلى الله تعالى وأنا ابن السراج المنير، ونحن أهل البيت الذين كان جبريل فيهم ينزل، ومنهم يصعد، ونحن الذين افترض الله مودتنا وولايتنا، فقال: ?قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى?[الشورى:23]. أيها الناس لقد فارقكم في هذه الليلة رجل ما سبقه الأولون وَلا يدركه الآخرون، هيهات...! هيهات...!، لطال ما قلبتم له الأمور في مواطن بدر وأحد وحنين وخيبر وأخواتها، جرعكم رنقاً، وسوّغكم علقماً، فلستم بملومين على بغضكم إياه.
أيها الناس لقد فقدتم رجلاً لم يكن بالملومة في أمر الله، ولا النؤومة عن حق الله، ولا السروفة من مال الله، أعطى الكتاب عزائمه، دعاه فأجابه، وقاده فاتبعه صلوات الله عليه وعلى آله ومغفرته، ونحتسب أمير المؤمنين عند الله وأستودع الله ديني وأمانتي وخواتيم عملي.(1/315)
[خطبة قيس بن سعد بن عبادة]
فقام قيس بن سعد بن عبادة، فحمدالله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإن الله -تعالى- بعث محمداً بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، فأدى عن الله رسالته، ونصح الله في عباده حتى توفاه، وقد رضي عمله وغفر ذنبه صلى الله عليه وآله وسلم .
ثم ذكر الذين ولوا الأمر بعده، وذكر عثمان، وقال: إنه خالف سنة من كان قبله، وسَنَّ سنن ضلالة لم تكن قبله، واستأثر بالفيء وحابى به أقرباءه، ووضعه في غير مواضعه، فرأى أهل الفضل من هذه الأمة أن ينفوا مارأوه من إحداثه فقتلوه، ثم نهضوا إلى خير خلق الله بعد رسول الله وأولاهم بالأمر من بعده، فبايعوه فأقام الكتاب، وحكم بالحق، وتخلى عن الدنيا، ورضي منها بالكفاف، وتزود منها زاد البلغة، ولم يؤثر نفسه ولا أقرباءه بفيء المسلمين، فتوفاه الله حسن السيرة تابعاً للسنة، ماحقاً للبدعة، وهذا ابنه وابن رسول الله وأولى عباد الله اليوم بهذا الأمر، فقوموا إليه رحمكم ا لله فبايعوه ترشدوا وتصيبوا.(1/316)
ثم قال: ابسط يدك يابن رسول الله أبا يعك، فبسطها، فبايعه، وقام إليه المسيب بن نجبة الفزاري، وسليمان بن صرد الخزاعي، وسعيد بن عبد الله الحنفي، وحجر بن عَدِي فبايعوه، فكان يقول للرجل: تبايع على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم سلْم من سالمت، وحرب لمن حاربت، فعلموا أنه يريد الجد في الحرب، فكان أمير المؤمنين عليه السلام أوصاه بذلك عند وفاته، إذْ كان «لمَّا» انصرف من حرب النهروان جمع الناس وأمراء الأجناد، وأعلمهم أنه يريد الخروج إلى الشام وأنه لا يسعه غيره فدعا قيس بن سعد بن عبادة، وعقد له على خمسة آلاف رجل، ودعا الحسين بن علي وضم إليه ألفين من الأنصار وأبنائهم، ودفع إليه الراية، وصيّر قيس بن سعد تحت لوائه، فخرج الحسين بن علي عليه السلام وذلك في غرة شهر رمضان حتى نزل المدائن، وعزم أمير المؤمنين[عليه السلام] أن يخرج في غرة شوال، فقتل ليلة تسع عشرة من شهر رمضان.(1/317)
[تاريخ بيعة الإمام الحسن (ع)]
قال: وكان بيعة الحسن بن علي عليه السلام يوم الأحد لثمان بقين من شهر رمضان سنة أربعين، فورد عليه بيعة أهل البصرة والعراقين والحجاز، ومكة و المدينة واليمامة، والبحرين، وكتب إلى العمال يقرهم في أعمالهم، وبسط فيهم العدل واستقام له النواحي إلاّ الشام والجزيرة ومصر.(1/318)