[ذكر الحكمين]
[165] أخبرنا عيسى بن محمد العلوي بإسناده عن نصر بن مزاحم أن الناس بصفين زحف بعضهم إلى بعض بالصفوف، وارتموا بالنبل حتى فنيت، ثم تطاعنوا بالرماح حتى تكسرت، ثم مشى بعضهم إلى بعض بالسيوف وعُمُد الحديد، فلم يسمع السامعون إلاّ وقع الحديد بعضه على بعض لهو أشد هولاً في صدور الرجال من الصواعق، وأخذ الأشتر رحمه الله بين الميمنة والميسرة، فاجتلدوا بالسيوف وعمد الحديد من صلاة الغداة إلى نصف الليل لم يصلوا لله صلاة، فلم يزل يفعل ذلك الأشتر بالناس حتى أصبح من المجالدة، فافترقوا عن سبعين ألف قتيل وهي ليلة الهرير.
قال نصر: عن عمر بن سعد، عن عمارة بن ربيعة قال: مرَّ بي - والله - الأشتر فأقبلت معه فقال:شدوا فداكم عمي وخالي شدة ترضون بها الله وتعزون الدين، ثم شد على القوم، حتى انتهى بهم إلى عسكرهم، ثم قاتلوا عند العسكر قتالاً شديداً، وأخذ علي عليه السلام لما رأى الظفر قد جاء من قبله يمده بالرجال، وجعل علي عليه السلام يقول:لم يبق منهم إلاّ آخر نفس.
فدعا معاوية عمرو بن العاص، فقال: ما ترى؟ قال: إن الرجال لا يقومون برجاله، ولست مثله يقاتلك على أمر وتقاتله على غيره، أنت تريد البقاء وهو يريد الفناء، وأهل العراق يخافون منك إن ظفرت بهم، وأهل الشام لا يخافون من علي إن ظفر بهم، ولكن لي إليهم أمراً إن قبلوه اختلفوا وإن ردوه اختلفوا، ادعهم إلى كتاب الله حكماً فيما بينك وبينهم فإنك بالغٌ به حاجتك.
قال نصر: حدثنا عمرو بن شمر عن جابر قال: سمعت تميم بن خزيم يقول:لما أصبحنا من ليلة الهرير نظرنا فإذا المصاحف ربطت على رؤوس الرماح.(1/294)
قال أبو جعفر وأبو الطفيل: وضعوا في كل مجنبة مائتي مصحف «وفي القلب مائة مصحف»، فكان جميعها خمسمائة مصحف، ثم نادى: هذا كتاب الله بيننا وبينكم، فأقبل الأشتر على فرس كميت، قد وضع مغفره على قربوس السرج يقول: اصبروا يا معشر المؤمنين قد حمي الوطيس واشتد القتال، قال نصر في حديث عمر بن سعد: فلما رفع أهل الشام المصاحف قال علي عليه السلام: أنا أحق من أجاب إلى كتاب الله، ولكن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إني أعرف بهم منكم، صحبتهم صغاراً ورجالاً، فكانوا أشر صغار وشر كبار، ورجال، ومَا رفعوها إلاّ خديعة.
فجاءه من أصحابه قدر عشرين ألفاً مقنعين بالحديد، سالّي سيوفهم على عواتقهم، قد اسودّت جباههم من أثر السجود، فقالوا: يا علي أجب القوم إلى كتاب الله أو نقتلك كما قتلنا ابن عفان، وابعث إلى الأشتر فيأتيك، فقال الأشتر: أمهلوني فواق ناقة فقد أحسست بالظفر، فقالوا له: تحب أنك ظفرت ويقتل أمير المؤمنين أو يسلم إلى عدوه، فأقبل حتى انتهى إليهم فصاح يا أهل الذل والوهن أحين علوتم فظنوا أنكم قاهرون رفعوا المصاحف؟! حدثوني عنكم، فقد قُتِل أماثلكم، متى كنتم محقين أحين قتل خياركم فأنتم الآن حين أمسكتم عن القتال مبطلون، أم أنتم محقون فقتلاكم الذين كانوا خيراً منكم في النار؟
قالوا: دعنا منك يا أشتر.
قال: خُدِعتم فانْخَدعتم، فسبوه وسبهم، وضربوا بسياطهم وجه دابته، وضرب دوابهم، وصاح بهم علي عليه السلام فكفوا، فبعث علي عليه السلام قراء من أهل العراق وبعث معاوية «قراء» من أهل الشام، فاجتمعوا بين الصفين ومعهم المصحف واجتمعوا على أن يحيوا ما أحيا القرآن ويميتوا ما أماته، وعلى أن يحكموا رجلين، أحدهما من أصحاب علي عليه السلام والآخر من أصحاب معاوية.(1/295)
فقال أهل الشام: اخترنا عمرو بن العاص، قال الأشعث والخوارج: رضينا بأبي موسى، فقال علي عليه السلام: إني لا أرضى به وليس برضي، وقد فارقني وخذل المسلمين عني، ثم هرب مني ولكن هذا ابن عباس.
قالوا: والله ما نبالي أنت كنت أو ابن عباس؟.
قال: فإني أجعل الأشتر، فقال الأشعث: وهل ضيق علينا سعة الارض الاَّ الأشتر.
فقال علي عليه السلام:إني أخاف أن يخدع يمنيكم - يعني أبا موسى - فإن عمراً ليس من الله في شيء.
قال الأشعث: هو أحب إلينا.
فقال: علي قد أبيتم إلاّ أبا موسى؟
قالوا: نعم. فبعثوا إلى أبي موسى فجاء الأحنف بن قيس إلى علي عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين إن شئت أن تجلعلني حكما أو ثانياً أو ثالثاً فإنه لا يعقد عقدة إلاّ حللتها، ولن يحل إلاّ عقدت فأبى الناس ذلك، ثم إن أبا موسى وعمرو بن العاص أخذا على علي عليه السلام ومعاوية عهد الله بالرضى بما حكما به من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم على أن على الحكمين أن يحكما بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله فإن لم يفعلا برئت الأمة من حكمهما، وللحكمين أن ينزلا منزلاً عدلاً بين أهل العراق والشام لا يحضرهما فيه إلاّ من أحبا عن ملأ منهما وتراضٍ. والناس آمنون على أنفسهم وأهاليهم وأموالهم إلى انقضاء مدة الأجل والسلاح موضوع، والسبيل مخلاة، وكان الكتاب في صفرٍ والأجل الذي يلتقي فيه إليه الحكمان شهر رمضان.
ثم إن الأشعث خرج بالكتاب يقرؤه على الناس فرضي به أهل الشام، ثم مرَّ برايات عنزة، وكان منهم مع علي عليه السلام أربعة آلاف مجفف، فلما قرأه عليهم قال معدان وجورٌ -أخوان-: لاحكم إلاّ لله فهما أول من حَكَّم، ثم حملا على أهل الشام، ثم مرَّ به على مراد فقال صالح بن شقيق:
مالِعليٍّ في الدماء قد حكم
لو قاتل الأحزاب يوماً ما ظلم
لا حكم إلاّ لله ورسوله.(1/296)
وقال بنو راسب كذلك، وكذلك رجل من تميم، وآخر يقال له: عروة بن أذيَّة حتى قالوا: يحكمون الرجال؟! وقالوا لعلي: ارجع وتب كما رجعنا وتبنا وإلاّ برئنا منك فإنا لسنا نرضى بما في الصحيفة، ولا نرى إلاّ قتالهم.
فقال علي عليه السلام: ولا أنا رضيت، ولكن لا رأي لمن لا يطاع، ولا يصلح الرجوع إلاّ أن نعصي الله ونتعدى ما في كتابه فنقاتل من ترك أمره، ثم إن الناس أقبلوا على قتلاهم يدفنونهم.
وكان عمر بن الخطاب دعا حابس بن سعد الطائي يولِّيه قضاء حمص، فانطلق يسيراً، ثم رجع فقال: إني رأيت رؤيا.
فقال: هاتها.
قال: رأيت كأن الشمس أقبلت من المشرق ومعها جمع عظيم، وكأن القمر أقبل من المغرب معه جمع عظيم.
فقال له عمر: مع أيهما كنت؟
قال: كنت مع القمر.
قال: كنت مع الآية الممحوة تقاتل إمام العدل مع إمام الجور، فتكون مع الجاني، لا والله لا تلي لي عملاً، فشهد مع معاوية بصفين، فقتل يومئذ (لعنه الله).(1/297)
[اجتماع الحكمين]
ثم إن علياً عليه السلام بعث شريح بن هانئ في أربعمائة، وعبد الله بن عباس يصلي بهم ومعهم أبو موسى، وجاء عمرو بن العاص في أربعمائة إلى دومة الجندل، فنزل عمرو بأصحابه وابن عباس وشريح وأبو موسى مقابلهم، وابن عباس يعظ أبا موسى ويقول:إنما هو عمرو فلا تغترن بقوله، فتدافعا قريباً من شهرين بجتمعون بين يومين وثلاثة، وكان رأي أبي موسى في ابن عمر، فقال عمرو: يا أبا موسى كنا مع رسو ل الله وأبي بكر وعمر نجاهد ونقاتل المشركين واليوم كما ترى، وبكى، ثم نال من معاوية، وذكر أنه لا يرضى بشيء من فعله، فقال أبو موسى: وأنا كذلك لا أرضى بعلي وذمه، وجعل ابن عباس يستقرئه ما يجري بينهما، ويكتمه أبو موسى، ثم إن أبا موسى أتى عمراً يستخبره ما يريد، فقال: إن شئت أحيينا سنة عمر.
قال: إن كنت تريد أن تبايع ابنه فما يمنعك من ابني؟
قال: إنه رجل صدق، ولكنك غمسته في الفتنة.
قال: صدقت، ثم أقبلا إلى الناس وهم مجتمعون، فقال له: اصعد وتكلم، وقد كان ابن عباس قال له: قدم عمراً قبلك ثم تكلم بعده، فإنه رجل غدار، فصعد أبو موسى المنبر بين العكسرين، فقال: اشهدوا أني قد خلعت علياً، ونزع خاتمه من يده وقال: كما ترون خلعت هذا الخاتم ثم نزل، ثم صعد عمرو فحمد الله وأثنى عليه، وقال: قد سمعتم خلعه صاحبه وقد خلعته أنا - وبيده خاتم - وقال: وأثبت صاحبي كما أثبت هذا الخاتم في إصبعي هذه، وأدخله إصبعه.
فقال أبو موسى: لا وفقك الله غدرت وخنت، مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، فقال عمرو: ومثلك مثل الحمار يحمل أسفاراً.
والتمس أصحاب علي عليه السلام أبا موسى فركب ناقته ولحق بمكة، فكان ابن عباس يقول: قبح الله أبا موسى قد حذرته فما عقل، وكان أبو موسى يقول: حذرني ابن عباس غدرة الفاسق.(1/298)