[بين عبد الله بن مسعود وعثمان بن عفان]
وبلغ أن عبد الله بن مسعود قد أظهر البراءة منه بالكوفة، فأمر به فأخرج إليه، فلما قدم المدينة، وذلك يوم الجمعة، قام عثمان على المنبر يذكر ابن مسعود ويشتمه، وابن مسعود في المسجد، فقام إليه وكلمه على رؤوس الناس وذكره الله، فأمر عبداً أسود يقال له: ابن زمعة فوطئه حتى كسر أضلاعه، ثم قال ابن مسعود: أمر الكافر عثمان غلامه ابن زمعة فكسر أضلاعي.
وخرج أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فضربن أبياتهن حوله يمرضنه حتى مات، وأوصى أن لا يصلي عليه عثمان، فدفن بغير علمه، فلما علم أراد أن ينبشه، فمنعه أصحاب رسول الله وضرب عبد الرحمن بن حنبل مائة سوط، وقيّده في الحديد، ثم سيره إلى حنين، وبعث جواسيساً يستمعون طعن الناس عليه، فإذا سمعوا الكلمة من الرجل رفعوها إليه فيحرمه بها حظه من فيء الله، وعاقب رجالاً في ذلك بالضرب وانتزع أموالهم، وأمر بقراءة علي وعبد الله وأبي بن كعب أن لا تقرأ، وأمر بكل مصحف على تلك الحروف أن يحرق؛ وقد قال رسول الله: ((نزل القرآن على سبعة أحرف كلها شافٍ كافٍ)).
فقال أبو ذر: ويلك لا تحرق كتاب الله فيكون دمك أول دم يهراق، وقال له أُبي: يابن الهاوية، يابن النار الحامية قد فعلتها.
وجاء رجل إلى أبي في مسجد رسول الله فقال: ما تقول في عثمان؟ فسكت وقال: جزاكم الله يا أصحاب محمد شراً، أشهدتم الوحي وغِبْنا تكتموننا؟! فقال أبي عند ذلك: هلك أصحاب العُقدة ورب الكعبة، أما والله لئن أبقاني الله إلى يوم الجمعة قلتُ، قُتِلْت أو استحييت، فمات قبل الجمعة.
وصلى عثمان بمنى أربع ركعات، فقال ابن مسعود: صليت خلف رسول الله ركعتين، وخلف أبي بكر وعمر كذلك، ثم تفرقت بكم السبل، صليت حقي من أربعكم ركعتين متقبلتين.
وأرسل إلى علي وهو بمنى أن يصلي بالناس، فأرسل علي عليه السلام إليه إني إن صليت صليت ركعتين، فأعاد عليه أن صل أربع ركعات، فأبى علي عليه السلام.(1/269)
فلما رأى المسلمون تعطيل الحدود والأحكام، وإيثار الدنيا على الآخرة ساروا إليه من كل أفق يستتيبونه، فأرسل إلى المهاجرين والأنصار: إني أتوب، وأردُ المظالم إلى أهلها، وأقيم الحدود والأحكام، وأنصف وأعزل عُمَّالي، فلما سمعوا ذلك قبلوا ورضوا، فرجعوا إلى أمصارهم.
فلما انصرف الناس طلب أصحاب رسول الله الذي أعطاهم من نفسه فأبى، وزعم أنه لا يطيق ضرب الوليد بن عقبة، وقال: دونكم فاضربوه، فضربه علي عليه السلام بيده، وسألوه أن يقيد بدينار، فأبى وزعم أنه أولى به وأنه عفا عن الوليد، فقال الزبير: والله لتقيدن بدينار أو لنقتلن دنانيركثيرة. فأبى وكتب إلى معاوية: إن أهل المدينة قد كفروا وخالفوا الطاعة، فأرسل إلى أهل الشام على كل صعب وذلول، وكتب إلى أهل الشام فنفروا إليه مع أسيد بن كرز القسري جد خالد بن عبد الله، حتى إذا كانوا بوادي القرى بلغهم قتله، وكان كتب إلى عبد الله بن أبي سرح عامله على مِصْر: انظر فلاناً وفلاناً -لرجال من خيار المسلمين من أصحاب رسول الله صلّى الله عَلَيْهِ وآله وسَلّم ومن التابعين- فإذا قدموا إليك فاقتل فلاناً واصلب فلاناً واقطع يد فلان، وبعث في ذلك أبا الأعور السلمي، فلقوه في بعض الطريق، فأخذوه فسألوه أين تريد؟ قال: مصر، قالوا: هل معك كتاب؟ قال: لا، ففتشوه فإذا معه الكتاب، فرجعوا إلى المدنية ونزلوا بذي خشب وسمع المسلمون بذلك بعد أن انصرفوا فنفروا إليه، فلما رأى أنهم نزلوا به، أرسل إلى علي عليه السلام يناشده الله لما كفهم عنه، فقال عليه السلام: لا أرى القوم يقبلون منك إلا ترك أمرهم أو يقتلونك.
فلم يزل يطلب إليه بأنه يتوب في ثلاثة أيام من كل ذنب، ويقيم كل حد، فإن لم يفعل فدمه مباح، فكتب علي عليه السلام عليه بذلك كتاباً وأشهد عليه وأجله القوم ثلاثاً، فلم يصنع شيئاً، وسار عمرو بن حزم الأنصاري إلى ذي خشب، فأخبر أنه لم يصنع شيئاً، فقدموا وأرسلوا إليه:ألم تزعم أنك تتوب؟(1/270)
قال: بلى.
قالوا: فما هذا الكتاب الذي كتبته فينا.
قال: لا علم لي به.
قالوا: بريدك وجملك وكتاب كاتبك.
قال: الجمل مسروق، والخط قد يشبه الخط، والخاتم قد ينقش عليه.
قالوا: لا نأخذك به إن أقمت الحدود ورددت المظالم، وعزلت المنافقين فأبى، وقال: ما أرى لي أمراً في شيء ما الأمر إلاّ لكم.
قالوا: فاعتزلنا فإن أمرنا ليس بميراث ورثته عن آبائك.
قال: ما أنا بالذي أنزع سربالاً كسانيه الله.
قالوا: بلى، ليس للرجل أن يتأمر على المسلمين وهم له كارهون، فأبى، فحاصره المسلمون أربعين ليلة رجاء توبته، وطلحة بن عبيد الله يصلي بالناس، وقد كان حضر الموسم، وأرادت عائشة الخروج إلى مكة، فأرسل إليها مروان أنشدك الله يا أمه لما أقمت لعل الله يصلح هذا الأمر على يديك.(1/271)
قالت: والله لوددت أن صاحبك في بعض غدائره هذه مشدودة عليه، حتى إذا انتهى إلى اليم دفعته فيه ثم ارتحلت، حتى إذا كانت في بعض الطريق لحقها عبد الله بن عباس، وقد بعثه المسلمون على الموسم، فلما لقيها قالت: يا بن عباس أذكرك الله والإسلام، لا تخذل الناس غداً على قتل هذا الرجل فإنه حكم بغير ما أنزل الله، وبدل سنة رسول الله وانطلقت، فلما بلغها قتل عثمان قالت: أبعده الله بذنبه، الحمد لله الذي قتله، والله ما بَلِيَ قميص رسول الله حتى أبلى عثمان دينه، حتى إذا كان يوم النحر، صلى بالناس علي عليه السلام وعثمان محصور، فلما كان في اليوم الثالث من آخر أيام التشريق ناهضه المسلمون، فهم يكلمونه إذ رمى كثير بن الصلت الكندي نيار بن عياض الأسلمي صاحب رسول الله بسهم فقتله، فأرسلوا إلى عثمان في كثير أن ادفعه إلينا لنقتله، قال: لم أكن لأقتل رجلاً نصرني، فناهضه المسلمون عند ذلك وخرجت إليهم الخيول من دار عثمان ومروان بن الحكم في كتيبة، وعبد الله بن الزبير، والمغيرة بن الأخنس فقاتلهم المسلمون وهزمهم الله، وانتهى إلى عثمان عند تفرقهم رفاعة بن رافع الأنصاري وجبلة بن عمرو وعمرو بن حزم و محمد بن أبي بكر و محمد بن أبي حذيفة وعبد الله و محمد ابنا بديل الخزاعيان، فضربوه بأسيافهم حتى قتلوه غير تائب ولا مقر بحكم وهزمهم الله.(1/272)
[بيعة أمير المؤمنين عليه السلام]
ثم جاء المسلمون إلى مسجد رسول الله وأخذوا بيد علي عليه السلام فبايعوه على العمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، فأمر بكل سلاح كان في دار عثمان، وكل مال تقوى به على المسلمين فقبضه، ومَا كان سوى ذلك تركه ميراثا على كتاب الله وكذلك السنة في أهل القبلة، وأمر بكل مالٍ عُلم أن عثمان اشتراه واتخذه من مال الله فقبضه، وأمن الناس كلهم غير سعيد بن العاص، ثم أمنه بعد ذلك.
ونبذت جيفة عثمان ثلاثة أيام لا يدفن مع المسلمين في مقابرهم، فدفن في حش كوكب في حائط كان لليهود تدفن فيه، فلما ظهر معاوية أمر بالحائط فهدم حتى أقصى به إلى العقيق وأمر الناس فدفنوا حول عثمان حتى اتصلت القبور بقبور المسلمين.(1/273)