[بيعة عثمان وبعض أخباره كما نقلت عن الإمام النفس الزكية]
[135] أخبرنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم العامري بإسناده عن قيس بن الربيع، أن رجلاً من أهل الموصل كتب إلى محمد بن عبد الله بن الحسن (صلوات الله عليه) فسأله كيف كانت بيعة عثمان وأحداثه إلى أن قتله المسلمون؟ فقال له: كان أول ما عاب عليه المسلمون أنهم كلموه في إنفاذ وصية عمر في عبيد الله بن عمر.
قال محمد بن عبد الله: وكان عبيد الله بن عمر بلغه أنه رأى أبا لؤلؤة مع جهينة والهرمزان في سوق المدينة، ومعه الخنجر الذي طعن به عمر فقتلهما، فأوصى عمر أيهم وَلِيَ أمر المسلمين أن ينظر عبيد الله فإنه قتل رجلين من المسلمين، فإن هو أقام بينة عادلة أنهما هما اللذان أمرا بقتله خلى سبيله.
فجعل عثمان يعلل الناس إذا كلموه في أمره، ثم إنه عمد إلى مقام رسول الله على منبره فجلس عليه، فقال سلمان: اليوم ولد الشر، وقد كان أبو بكر قام أسفل منه؛ وعمر أسفل من مقام أبي بكر، ثم إنه زعم أنه عفا عن عبيد الله فقال المسلمون: ليس لك العفو عنه، فقال: بلى أنا والي المسلمين، فقال علي عليه السلام: ليس كما تقول أنت بمنزلة أقصى المسلمين رجلاً، لا يسعك العفو عنه، فإنما قتلهما في ولاية غيرك ولو كان في ولا يتك ما كان لك.(1/264)


فلما رأى أن المسلمين أَبَوا عليه إلاّ قتله أمره فدخل إلى الكوفة، وأقطعه بها داراً وأرضاً من السواد، وجعل له غلتها، وعمد إلى عمال عمر فعزلهم، واستعمل الوليد بن عقبة على الكوفة - وكان أخاه لأمه - وهو الذي أنزل الله فيه: ?إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ...?الآية[الحجرات:6] واستعمل عبد الله بن عامر على البصرة، وكان ابن خاله، وكان صبياً سفيهاً لادين له، وعبد الله بن أبي سرح على مصر، وكان أشد الناس على رسول الله «شركاً وعدواناً»، ومن أخبث المنافقين بعد إقراره، وهو الذي قال الله فيه: ?وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ الله?[الأنعام:93]، واستعمل يعلى بن منية التميمي على اليمن في أشباهٍ فسّاقٍ وجفاةٍ، ثم عمد إلى طريد رسول الله الحكم بن أبي العاص، وكان رسو الله قد أخرجه من المدينة فأدخله وأعطاه ثلاثمائة ألف درهم، وأعطى الحارث بن الحكم صدقة البحرين، وأعطى مروان بن الحكم مائة ألف من خُمِسْ إفْريقِية، واستلف من مال الله مالاً عظيماً، فأتاه عبد الله بن أرقم - وكان يلي الفيء والخمس و المال على عهد رسول الله وأبي بكر وعمر - يتقاضاه، فقال: مالك ولهذا والله لا أقضي منه شيئاً أبداً، قال: والله لا ألي لك شيئاً أبداً ما بقيت.
وقدم عليه مال من العراق فطفق يقسمه بين بناته وأهله في الصحاف، واشترى الأرضين بمال الله، وهو أول من بنى القصور في المدينة، وأفاض المال على ولده، وقد قال الله تعالى: ?كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأََغْنِيَاءِ مِنْكُمْ?[الحشر:7].(1/265)


وقتل الوليد بن عقبة رجلاً بالكوفة من الخيار يقال له: دينار، فأبى أن يقتله به، وشرب الخمر الوليد بالكوفة، فشهدوا عليه عنده أنه يصلي بالناس سكران، فلم يعزله ولم يضربه حتى أخرجه أهل الكوفة، وأحيا مواضع القطر في البادية، وأرعى فيها أهلها الماشية؛ وقد قال الله تعالى: ?قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ الله لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً...?الآية[يونس:59]، ومنع الأعراب الجهاد مخافة أن يشركهم في الفَيء، وقد دعاهم الله ورسوله إلى الجهاد، فكلمه المسلمون فيما ركب من المعاصي فشتمهم وآذاهم.(1/266)


[بين عبد الرحمن بن عوف والزبير وعثمان]
وكان أول من كلمه علي بن أبي طالب عليه السلام، وأغلظ له في المسجد حتى حصب كل واحد منهما صاحبه، ثم إنهم اجتمعوا في منزل الزبير فقام عبد الرحمن بن عوف وذكر عثمان فشتمه، ثم أخذ نعله بيده وقال: خلعته كما خلعت نعلي هذا، وقال الزبير مثل ذلك؛ فبلغ ذلك القول عثمان، فصعد المنبر فشتمهم وذكر عبد الرحمن فقال: إن عدو الله قد نافق، واتخذ عبيداً من النوبة والسودان وأبناء فارس، فإذا كلمه أحد ضربوه؛ وكلمه عمار بن ياسر فضربه حتى غشي عليه وفتقه، فلم يصلّ ولم يعقل يوماً وليلة، ولم يقلع عنه حتى ناداه أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لتخلين سبيله أو لنخرجن.(1/267)


[بين عثمان وأبي ذر الغفاري]
وكان أبو ذر (رحمه الله) بالشام، فجعل يذكر أحداثه، وقال معاوية: لا يعودن لشيء من هذه الأحاديث، وكتب إلى عثمان، فكتب إليه أن احمله على ناب صعبة واجعل وطأه قتباً، فلم يقلع أبو ذر عن عيبه، فقال معاوية: ألم أنهك فأبيت؟ قد خرفت وذهب عقلك.
فقال: قد بقي معي من عقلي ما أشهد على رسول الله أنه حدثني أن أحدنا يموت كافراً، إما أنا وإما أنت يامعاوية.
فارتحل أبو ذر حتى قدم المدينة، وقد سقط لحم إليتيه وفخذيه، ومرض مرضاً شديداً، وبلغ عثمان فحجبه عشرين ليلة، فلما دخل عليه قال:
لا أنعم الله بعمرو عينا .... تحية السخط إذا التقينا
فقال أبو ذر: ما سماني الله عمراً ولا أبي ولا أمي، وإني لعلى العهد الذي فارقت عليه رسول الله ما غيرت ولا بدلت، فقال عثمان: يا غلام ناد لي قريشاً، فلما دخلوا عليه قال:دعوتكم لهذا الشيخ الذي كذب على نبينا، وفارق ديننا وضغن المسلمين علينا، إني رأيت أن أقتله وأصلبه وأنفيه، فقال بعضهم: رأينا لرأيك تبع، وقال بعضهم: صاحب رسول الله وشيخ من المسلمين العفو عنه أفضل.
وجاء علي عليه السلام قال: تنزلونه منزلة مؤمن آل فرعون فإن ?يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ?[غافر:28].
قال عثمان: بفيك التراب وسيكون به، وقال عثمان: قوموا، وأمر مناديه فنادى في الناس برئت الذمة ممن كلم أبا ذر، وأبي أبو ذر أن يكف عنه، وقال: إني بايعت خليلي رسول الله على أن لا تأخذني في الله لومة لائم، فسيره إلى أرض الرَّبذة، فلم يزل بها حتى مات.(1/268)

53 / 118
ع
En
A+
A-