[خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعيد بيعة العقبة الثانية]
فتكلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فحمد الله وأثنى عليه وقرأ آيات من الأنعام، ثم أقبل على الأوس والخزرج، وقال: ((إنكم تكلمتم بكلام أرضيتم الله به، وقد سمعت مقالة القوم، فإن أرادوا خيراً فالحمد لله على ذلك، وإلا فالله لهم بالمرصاد ?قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى الله بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ...?الآية[النحل:26]، وإني أراهم طلبوا منكم أجلاً ومَا صبرت عليه من أمرهم إلى الآن أكثر من هذا الأجل، وقد أذنت لكم بالانصراف إلى بلدكم، فانصرفوا راشدين جزاكم الله عن نبيكم خيراً)).
فعند ذلك ارتحلوا إلى المدينة، ورجعت قريش إلى منازلها .
وجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأمر أصحابه بالهجرة إلى المدينة، فجعلوا يخرجون واحداً بعد واحدٍ والنبي صلى الله عليه وآله وسلم مقيم بمكة.(1/218)
[اجتماع كفار قريش بدار الندوة وأمر الله تعالى لرسوله بالهجرة]
فلما رأت قريش أن المهاجرين قد نزلوا داراً، وأصابوا بها منعةً، حذروا خروج رسول الله إليهم، فاجتمعوا إلى دار النَّدوة دار قصيّ بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمراً إلاّ فيها.
قال ابن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح عن مجاهد، عن ابن عباس أنهم غدوا إليها في اليوم الذي اتعدوا له، فاعترضهم إبليس، فقال قائل منهم: احبسوه في الحديد يعنون النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأغلقوا عليه باباً.
فقال إبليس: لا والله ما هذا برأي لئن حبستموه ليرقَيَنّ أمره إلى أصحابه، وفي نسخة: ليرجعن، فلأوشك أن يثبوا عليكم فينتزعونه من أيديكم.
فقال قائل: ننفيه من بلدنا فلانبالي أين ذهب.
قال إبليس: ما هذا لكم برأي، ولو فعلتم ما أمنت أن يحل على حي فيبايعونه فيسير إليكم بهم.
فقال أبو جهل: أرى أن تأخذوا من كل قبيلة شاباً نسيباً، ثم يعطى كل فتى منهم سيفاً صارماً، ثم يضربوه ضربة رجل واحد فيقتلونه، فيتفرق دمه في القبائل.
فقال إبليس: القول ما قال هذا الرجل، فتفرقوا على ذلك .
فأتى جبريل رسول الله فقال له: لا تبت هذه الليلة على فراشك.(1/219)
[أمره صلى الله عليه وآله وسلم علياً أن ينام على فراشه]
فلما كان العتمة اجتمعوا على بابه وترصدوا له متى ينام .
فقال رسو ل لله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام: ((نم على فراشي، واتشح ببردي هذا الحضرمي فنم فيه))، وكان رسول الله ينام في بردته تلك إذا نام.
قال الله تعالى: ?وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا?[الأنفال:30] يعني مادبروه من المكر، ?لِيُثْبِتُوكَ? أي يحبسوك ?أَوْ يَقْتُلُوكَ? كما قال لهم أبو جهل، ?أَوْ يُخْرِجُوكَ? من مكة ويقصوك عنها.
ونام علي عليه السلام على فراشه كما أمره، وخرج رسول الله بالهاجرة، وأوصى علياً عليه السلام باتباعه إلى المدينة.
فخرج رسول الله إلى غارٍ يقال له: ثور، جبل بأسفل مكة وأبوبكر معه وَافقه في الطريق مع عامر بن فهيرة، ودليلهم عبد الله بن الأرَيْقَط الليثي، ويقال: عبد الله بن أرقد، حتى مضت ثلاثة أيام، وسكن عن طلبه الناس، أتاه الذي استأجره له ولأبي بكر ولدليلهم عليٌ عليه السلام فركبا ورديف أبي بكر عامر بن فهيرة.
[92] أخبرنا محمد بن بلال بإسناده عن أبي رافع قال:كان علي عليه السلام يجهز لرسول الله حين كان في الغار الطعام والشراب، واستأجر له ثلاث رواحل؛ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولأبي بكر ولدليلهم.(1/220)
[استخلافه صلى الله عليه وآله وسلم علياً لإخراج أهله وأداء وصاياه وأماناته]
وخَلَّفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخرج أهله إليه، فأخرجهم إليه، وأمره أن يؤدي عنه أماناته ووصاياه من كان يوصي إليه، ومَا كان يؤتمن عليه، فإذا قضى عنه أماناته كلها لحق به، وأمره أن يضطجع على فراشه ليلة خرج، وقال: ((إن قريشاً لن يفقدوني ما داموا يرونك)).
فاضطجع علي على فراش النبي، وجعلت قريش تطلع، فإذا رأوه قالوا: هو ذا نائم .
فلما أصبحوا رأوا علياً عليه السلام قالوا: لو خرج محمد خرج بعلي معه، ولم يفقدوه.(1/221)
[قدوم أمير المؤمنين عليه السلام إلى المدينة]
وأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يخرج فيلحقه بالمدينة، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدومه قال: ((ادعوا لي علياً))، فقالوا: يا رسول الله لا يقدر أن يمشي على قدميه.
فأتاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما رآه اعتنقه وبكى رحمةً له، ولما رأى ما بقدميه من الورم، وأنهما يقطران دماً، تفل رسول الله في يده ومسحهما ودعا له بالعافية، فما اشتكاهما حتى استشهد عليه السلام.
[93] أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الحديدي بإسناده عن حكيم بن جبير، عن علي بن الحسين «قال» : أول من شرى نفسه ابتغاء مرضاة الله علي بن أبي طالب ثم قرأ: ?وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ الله?[البقرة:207].
وقال علي في ذلك:
وقيت بنفسي خير من وطئ الحصى .... ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر
محمد إذ هموا بأن يمكروا به .... فنجاه ذو الطول العظيم من المكر
وبات رسول الله في الغار آمناً .... وأصبح في حفظ الإله وفي ستر
وبت أراعيهم متى يثبتونني .... وقد صبرت نفسي على القتل والأسر(1/222)