[(1) طالب بن أبي طالب]
فأما طالب فدرج ولا عقب له، وله في النبي صلى الله عليه وآله وسلم قصائد منها حيث يقول:
وقد حل مجد بني هاشم .... مكان النعائم والزهرة
ومحض بني هاشمٍ أحمدٌ .... رسول المليك على فترة
وهو الذي يقول حين استكرهه مشركو قريش على الخروج إلى بدر:
يارب أما خرجوا بطالب .... في مقنب من تلكم المقانب
فاجعلهم المغلوب غير الغالب .... والرجل المسلوب غير السالب
وذاك أولى بالرشاد الواجب .... عاقبة عند إياب الآيب
فإنما الأمور بالعواقب(1/193)


[(2) عقيل بن أبي طالب]
وأما عقيل فكان كريماً على أبي طالب، وكان شديد الحب له.
ولذلك قال رسول الله فيما [67] أخبرنا به علي بن عافية بإسناده عن عبد الرحمن بن سابط قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعقيل: ((إني أحبك حبين، حباً لك وحباً لحب أبي طالب لك)).(1/194)


[(3) جعفر بن أبي طالب]
وأما جعفر عليه السلام فهاجر الهجرتين: هجرته إلى ا لحبشة وهجرته إلى المدينة، وكان يشبه رسول الله.
[68] أخبرنا أحمد بن سعيد الثقفي بإسناده عن هانئ بن هانئ عن علي عليه السلام قال:لما خرجنا من مكة اتبعتنا ابنة حمزة فنادت: «يا عم، ويا عم»، فأخذت بيدها فناولتها فاطمة عليها السلام وقلت: دونك ابنة عمك، فلما قدمنا إلى المدينة اختصمنا فيها أنا وجعفر وزيد، فقلت: أنا أخذتها، وهي ابنة عمي .
وقال زيد: ابنة أخي، وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي.
فقال رسول الله لجعفر: ((أشبهت خَلْقِي وخُلُقِي))، وقال لزيد: ((أنت أخونا ومولانا))، وقال لي: ((أنت مني وأنا منك، ادفعوها إلى خالتها فإن الخالة أم)).
قلت: ألا تتزوجها يارسول الله.
قال: ((إنها ابنة أخي من الرضاعة)).
[69] أخبرنا محمد بن الفضل بن أبي منصور بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله: ((نحن ولد عبد المطلب سادة أهل الجنة، أنا وعلي و جعفر وحمزة والحسن والحسين «والمهدي»)) .(1/195)


[الهجرة إلى الحبشة ودور جعفر بن أبي طالب]
[70] أخبرنا أبو أحمد الأنماطي بإسناده عن محمد بن إسحاق، عن رجاله، أنه لما أسلم حمزة وعرفت قريش أن رسول الله قد عزَّ به وامتنع، وجعل الإسلام يفشُو بمكة غدوا على من أسلم منهم فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش والرمضاء إذا اشتد الحر، وكانت بنو مخزوم تخرج بعمار بن ياسر وأبيه وأمه إذا حميت الظهيرة، فيعذبونهم برَمْضاء مكة، فيمربهم رسول الله فيقول: ((صبراً آل ياسر موعدكم الجنة)) .
فأمّا أمه فكانت تأبى إلاّ الإسلام فقتلوها، فلما رأى رسول الله ما يصيب أصحابه من البلاء ومَا هو فيه من العافية لمكانه من الله -عز وجل- ومن عمه أبي طالب، قال لهم: ((لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يُظلم أحد عنده حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه))، فخرج المسلمون، وكانت أول هجرة، فكان عشرة أول من خرج، ثم خرج جعفر بن أبي طالب عليه السلام، ومعه امرأته أسماء بنت عميس الخثعمية، وولدت له عبد الله بن جعفر بأرض الحبشة، فأحسن النجاشي جوارهم.
فلما رأت قريش ذلك ائتمروا بينهم فبعثوا عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة، وعمرو بن العاص بهدايا للنجاشى وبطارقته .
وقال أبو طالب أبياتاً للنجاشي يحضه للدفع عنهم، فقال:
ألا ليت شعري كيف في النأي جعفر .... وعمرو وأعداء العدو الأقارب
وهل نال أبواب النجاشي جعفر .... وأصحابه أم عاق ذلك شاغب
تعلم أبيت اللعن إنك ماجد .... كريم فلا يشقى لديك المجانب
في أبياتٍ، وقال:
تعلم أبيت اللعن أن محمداً .... رسول كموسى والمسيح بن مريم
أتى بالهدى مثل الذي أتيا به .... فكلٌ بأمر الله يهدي ويعصم
وأنكم تتلونه في كتابكم .... بصدق حديث لا حديث الترجم
وأنك ما تأتيك منا عصابة .... لفضلك إلاّ أُرجِعوا بالتكرم
فلا تجعلوا لله نداً وأسلموا .... فإن طريق الحق ليس بمظلم(1/196)


[بين يدي النجاشي: مناظرة ومكايدة]
قال: فاستأذن عمرو بن العاص وابن أبي ربيعة على النجاشي ودخلا، فأجلسهما.
فقال عمرو: أيها الملك إن قومنا وعشائرنا أرسلونا يحبون صلاحك وصلاح أمرك، وإنه خرج فينا كذاب يزعم أنه رسول الله، فتابعه من بلدنا سفهاء «لاخير فيهم» وقد نهيناهم، فبغوا علينا وهربوا وصاروا إليك ليفسدوا ملكك ورعيتك.
وتكلمت البطارقة، وقالوا: أيها الملك الرأي أن تردهم إلى قومهم فهم أعلى بهم عيناً.
فغضب النجاشي، وقال:لاهاً، أيم الله ماهم أولى بهم منا.
وفي نسخة أخرى: لاها الله أبداً، لا أسلم قوماً يختاروني على من سواي، ولكني باعث إليهم وأسائلهم.
ثم دعاهم، فلما جاءهم رسوله قالوا:ما ذا نقول إذا ساءلنا؟
فقال جعفر عليه السلام: نقول والله ما علمنا من الحق، ومَا أمر به نبينا من الصدق كائناً ذلك ماكان.
فلما جاؤوه لم يسجدوا له. فقال عمرو: أَيها الملك إنهم قد استكبروا أن يسجدوا لك.
فقال النجاشي: ما منعكم من ذلك وأن تحيوني تحية من قصد ؟
فقال جعفر عليه السلام: أيها الملك إنا لا نسجد إلاّ للذي خلقنا وخلقك.
قال النجاشي: ما هذا الدين الذي فارقتم به قومكم ولم تتبعونا، فإن قومكم يستردونكم؟
فقال جعفر: سل هذين اللذين قدما، أعبيد نحن أم أحرار، فإن كنا عبيداً فردونا إلى موالينا.
فقال: يا عمرو أعبيدٌ هم ؟
قال: بل أكفاء أحرار.
وقال جعفر: فسلهما هل سفكنا دماً بغير حق نسلم إلى أوليائه ؟
فقال عمرو: لا، ولا قطرة.
فقال جعفر: فهل أخذنا مالاً بغيرحق.
فقال النجاشي: لو كان عليكم ديناً لأدَّيته عنكم.
ثم أقبل على عمرو فقال: يا عمرو ما حجتكما؟
قالا: كنا وهم على دين آبائنا وآبائهم فتركوه إلى غيره.
فقال النجاشي: إنما اختاروا لأنفسهم ديناً كما اخترتم أنتم عبادة الأصنام.(1/197)

39 / 118
ع
En
A+
A-