فلما دخل القوم الشام صاروا إلى الكاهنة فأخبرها عبد المطلب بما عزم عليه من ذبح ولده، فقالت الكاهنة: انصرفوا عني اليوم. فانصرفوا عنها وعبد المطلب يرتجز ويقول:
يا خالق الأرضين والسماء .... وخالق المروة والصفاء
نج بُنَي اليوم من بلاءٍ .... بلا سوءٍ حل في القضاء
إن قريشاً كلهم أعدائي .... فامنن علي اليوم بالبقاء
فلما كان من الغد عادوا إلى الكاهنة، فقالت لهم:كم دية الرجل عندكم ؟
قالوا: عشراً من الإبل.
قالت: فارجعوا إلى بلدكم وقدموا هذا الغلام الذي عزمتم على ذبحه وقدموا معه عشراً من الإبل، ثم اضربوا عليه وعلى الإبل القداح فإن خرج القدح على الإبل فانحروها، وإن خرج على صاحبكم فزيدوا في الإبل عشراً عشراً حتى يرضى ربكم، فانصرف القوم إلى مكة فأقبلوا عليه يقولون: يا أبا الحارث إن لك في أبيك إبراهيم أسوة، وقد علمت ما كان من عزمه على ذبح ابنه إسماعيل وإنك سيد ولد إسماعيل، فقدم مالك دون ولدك، فلما أصبح عبد المطلب غدا بابنه عبد الله إلى المذبح وقرب معه عشراً من الإبل ، ثم دعا بأمين القداح فجعل لابنه قدحاً، ثم قال: اضرب ولا تعجل.
وجعل عبد المطلب يرتجز ويقول:
اللهم رب العشر بعد العشر .... ورب من يوفي بكل نذر
إليك ربي قد جعلت أمري .... قربت عبد الله عند النحر
فنجه بشفعها والوتر
ثم قال لصاحب القداح: اضرب، فضرب فخرج القدح على عبد الله، فزاد عبد المطلب عشراً من الإبل فصارت عشرين، وأنشأ يقول:
يارب عشرين ورب الشفع .... وجامع الناس ليوم الجمع
أنت وليي وولي نفعي .... نج بني من حذار اللذع
ثم ضرب صاحب القداح، فخرج «القدح» على عبد الله، فزاد عبد الله المطلب عشراً أخرى وأنشأ يقول:
رب الثلاثين التي لم تقسم .... ورب هذا الحجر المكرم
في ركن نفس بيتك المحرم .... أنت الذي أعطيت بئر زمزم
برغم قوم من قريش رُغَّم .... قد صرت يارب كمثل المغرم
بفقد عبد الله ذي التكرم .... فامنن عليّ أن يضرج بالدم(1/188)


فأنت ذو المنّ الكريم الأكرم
ثم ضرب صاحب القداح فخرج القدح على عبد الله، فزاد عبد المطلب عشراً أخرى وأنشأ يقول:
اللهم رب الأربعين المكملة .... عديدها إذ قربت معقلة
ولم تزل من قبل هذا مهملة .... في بطن واد بالأراك مرسلة
طوراً بروكاً ثم طوراً مجفلة .... إن بني قد مني بمعضله
والنفس مني غير شك معولة .... فنجه بالكعبة المفضلة
ثم ضرب صاحب القداح، فخرج القدح على عبد الله، فزاد عبد المطلب عشراً أخرى وأنشأ يقول:
يارب خمسين سمان بُدَّنْ .... رباً عظيماً يرتجى ليحسنْ
أنت إلهي ومليكي فامننْ .... على بني اليوم يارب المنْ
واجعل فداه إبلاً لم ترسن .... وسخر الذود الذي لم تشطنْ
ثم ضرب صاحب القداح، فخرج القدح على عبد الله، فزاد عبد المطلب عشراً أخرى وأنشأ يقول:
يارب ستين ورب المشعر .... رب الحجيج والمقام الأزهر
والبيت ذي الركن العتيق الأكبر .... نج بنيّ من أليم المنحر
ونجه من ضربة لم تجبر .... واجعل فداه في العديد الأكثر
ثم ضرب صاحب ا لقداح فخرج القدح على عبد الله، فزاد عبد المطلب عشراً أخرى وأنشأ يقول:
يارب سبعين التي قد جمعت .... لا تعتق الذود التي قد عطبت
نجِّ بنيّ من قداح كتبت .... ونحر الذود التي قد قربت
واخرج القدح لها إذ عقلت .... وقربت لنحرها فازدحمت
حتى تكون فدية قد قبلت
ثم ضرب صاحب القداح فخرج القدح على عبد الله، فزاد عبد المطلب عشراً أخرى وأنشأ يقول:
رب الثمانين التي من أجلها .... قد شحذت شفارنا لقتلها
نج بنيّ من غليل غلها .... واجعل فداه سيدي في كلها
ثم ضرب صاحب القداح فخرج القدح على عبد الله، فزاد عبد المطلب عشراً أخرى وأنشأ يقول:
يارب تسعين ورب المجمع .... أنت الذي تدفع كل مدفع
نجِّ بنيّ من عذاب مفظع .... يبقى جواه في فؤَاد موجع
ثم ضرب صاحب القداح فخرج القدح على عبد الله، فزاد عبد المطلب عشراً أخرى وأنشأ يقول:
اللهم رب المائة الموقوفة .... ورب من هجهج في تنوفة
يريد هدي الكعبة المعروفة .... بالبر والفضائل الموصوفة
نج بني اليوم من مخوفة(1/189)


ثم ضرب صاحب القداح فخرج القدح على الإبل، فكبر عبد المطلب وكبرت قريش، ثم قالوا: يا أبا الحارث، إنه قد انتهى رضاء ربك وقد نجا ابنك من الذبح.
فقال: لا والله أو أضرب عليها ثلاثاً، ثم أنشأ يقول:
اللهم رب الكعبة المبنية .... ورب من حج من البرية
إليك يهوى صادقاً ذا نية .... نجِّ بنيّ وارفع البلية
ثم ضرب صاحب القداح فخرج القدح على الإبل، فأنشأ عبد المطلب يقول:
يارب لا تشمت بي الأعادي .... ولا تسيل دمه في الوادي
إن بني ثمرة فؤادي .... فاجعل فداه اليوم من تِلادي
كيما أراه سيد الأولاد
ثم ضرب صاحب القداح فخرج القدح على الإبل فأنشأ عبد المطلب يقول:
يارب قد أعطيتني سؤالي .... أكثرت بعد قلةٍ عيالي
هذا بني فاسمعن مقالي .... واجعل فداه اليوم جل مالي
ولا ترينيه بشر حالِ
ثم ضرب صاحب القداح فخرج القدح على الإبل، فعلم عبد المطلب أنه قد انتهى رضاء ربه في فداء ابنه فأنشأ يقول:
دعوت ربي مخفياً وجهراً .... والحزن قد كاد يبلي الصبرَ
يارب لا تنحر بني نحراً .... وفاد بالمال تجد لي وفرا
أعطيك من كل سوامٍ عشراً .... أو مائة أدماً وأخرى حمرا
والله من مالي يوفي النذر .... عفوا ولم يشمت عيونا خزرا
بالواضح الوجه المغشي بدراً .... فالحمد لله الأجل شكرا
أعطاني البيض بني زهرا .... ثم كفاني في الأمور أمرا
قد كان أشجاني وهدّ الظهرا .... فلست والبيت المغطى سترا
ما دمت حياً أو أزور القبرا(1/190)


ثم قربت الإبل، وهي مائة بعير من خيار إبل عبد المطلب، فنُحرت كلها فداءً لعبد الله ثم تركت مواضعها لا يصد عنها أحد، ينتابها من دب ودرج، فجرت السنة في الدية مائة من الإبل إلى يومنا هذا، وانصرف عبد المطلب بابنه عبد الله فرحاً مسروراً، وقد فرج الله عنه كل هم، وفي ذلك يقول:
الحمد للخالق للعباد .... لما رأى جِدي واجتهادي
وأنني موفيه للميعاد .... فرج عني كربة الفؤاد
ونال مني فدية المفادي .... فاديت عبد الله من تلادي
بمائة كهضب الأوتاد .... وراج عبد الله في الإبراد
يغيظ أعدائي من الحساد .... «نجيته من كرب شداد»
إن البنين فلذ الأكباد
وكان عبد لله يعرف بالذبيح فهو حيث قال رسول الله: ((أنا ابن الذبيحين)) يعني إسماعيل بن إبراهيم وأباه عبد الله.
وازداد عبد الله حسناً وجمالاً وضياءً وكمالاً، وكان كلما ذهب ليدخل على الصنم الأكبر صاح الصنم صياح الهر، ويقول: مالنا ولك أيها المستودع ظهره نور محمد المصطفى، فلما أتت على عبد الله من مولده ثلاثون سنة، خرج ذات يوم إلى قنصه وقدم سبعون رجلاً من أحبار يهود يهود الشام مَودَعَةَ، معهم السيوف المسمومة يريدون اغتياله وقتله، فصرف الله شرهم عنه، فرجعوا إلى بلادهم، فلم يكن يقدم عليهم قادم الا سألوه عنه فيداخلهم من أمره غيظ شديد، ولا يقدرون له على حيلة.(1/191)


[أولاد أبي طالب]
طالب، وهو أكبر بنيه، ثم عقيل، ثم جعفر، ثم علي عليه السلام وأم هانئ، وجمانة.(1/192)

38 / 118
ع
En
A+
A-