[بعض رسائله (ع)]
وله رسالة إلى الناس عامة، وذكر في بعض الرسائل:
ألا وإني قد رغبت إلى الله تعالى فيما رغب الله فيه فنهضت إليه وقمت فيما ندب إليه، فسموت له، وعرفت بما أمر الله فأعلنت له، ولم أسع لطلب دنيا ولا توفير مال، ولا ازدياد حال، ولا طلب فساد في الأرض ولا إضاعة لحق، ولا انتهاك لمسلم، ولاهتك لمحرم، ولا إراقة دم حرام، ولا إظهار بدعة، ولافعل شنعه، ولا محبة رفعة، ولا إرادة رفاهية، ولا مفاخرة بجمع، وإنما قمت للازم الحجة لي ووجوبها لله علي، وتوثق أرباقها بي، على حين جفا من الإخوان، وتراكم من الأحزان، وإفراد من الأعوان، وليس مكاني بخفي، ولا مقامي بغبي، ولا اسمي بمجهول، فيعذر الغافل والمتثاقل، ويجد حجة الخاذل، ويمكن المتخلف التأول، مع المحن التي أنا فيها، والأمور التي أقاسيها من كثرة لائم لايرضى، وعابد للدنيا ومتطلب للسعة والغنى، ومتربص لايبقى، ومفرد عند الشدائد لايرعى، ومتسخط وقت لايعطى، ومَا دعوت إلى الدنيا فإذا عدمها أهلها معي ذهبوا، وإذا فارقوها انقلبوا.(1/540)
ألا وإني إنما دعوت إلى ما دعا إليه من كان قبلي من الأئمة الطاهرين والعبادالصالحين، أنا عبد الله وابن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم الشاري نفسه لله سبحانه، الغضبان لله جل ثناؤه إذعصي في أرضه، واستخف بفرضه، وقتلت الدعاة إلى دينه، فلو أسعفتني الأعوان، وعاضدتني الأنصار، وصبر على دعوتي أهل الأديان، لعلوت فرسي، واعتصبت رمحي، وتقلدت نجاد سيفي، وأخذت درعي، وقصدت أعداء الله جل ذكره، وكافحت الأقران في يوم الطعان، صابراً محتسباً، مسروراً جذلاً، إذا أشرعت الأسنة، واختلفت الأعنة، ودعيت نزال لمكافحة الأبطال، وتكافحت الرجال، وسالت الدماء، وكثرت الصرعى، ورضي الرب الأعلى، فيا لها خطة مرضية لله جل ثناؤه ما أشرفها، وأنا أشهد الله لوددت أني أجد إلى حيلة سبيلاً، يعز فيها الدين ويصلح على يدي أمر هذه الأمة، وإني أجوع يوما وأطعم يوما حتى تنقضي أيامي وألاقي حمامي، فذلك أعظم السرور وأجل الحبور، وأشرف الأمور، ولو كان ذلك وأمكن ما نزلت عن فرسي، إلاّ لوقت صلاة، والصفان قائمان، والجمعان يقتتلان، والخيلان تتجاولان، فنكون في ذلك كما قال شاعر أمير المؤمنين عليه السلام بصفين:(1/541)
أيمنعنا القوم ماء الفرات .... وفينا السيوف وفينا الجحف
وفينا الشوارب مثل الوشيج .... وفينا الرماح وفينا الزعف
وفينا علي له سورة .... إذا خوفوه الردى لم يخف
وكما قال جدي القاسم بن إبراهيم عليه السلام:
دنياي ما زال همي فيك متصلا .... وإن جنابك كان المزهر الخضرا
إذا انقضت حاجة لي منك أعقبها .... هم بأخرى فما ينفك مفتقرا
متى أراني إلى الرحمن مبتكرا .... في ظل رمحي ورزقي قل أو كثرا
ولكن قل المعين على هذا الدين، فأنا وحيد دهري، وغريب في أمة جدي، وقد شغل بذلك قلبي، وضعف عزمي، إلى طوال من عظاته، ومعاتباته، وتحريض الناس على الجهاد.
وتوفي عليه السلام قيل: أظنه سنة خمس عشرة وثلاثمائة، ومشهد الجميع منهم بصعدة رحمة الله ورضوانه وصلواته عليهم، ولاحول ولاقوة إلاَّ بالله العظيم.(1/542)
[(26) الإمام الناصر للحق الحسن بن علي الأطروش (أبو محمد)]
(225 - 304 هـ / 840 - 917 م)(1/543)
[تنقلاته وحروبه]
كان عليه السلام في أصحاب محمد بن زيد بجرجان فانهزم لما قتل محمد بن زيد فوقع إلى بلاد الديلم، ثم صار إلى الجيل، فأقام فيهم أربعة عشر سنة، يدعوهم ويعلمهم حتى خرج جرجان وواقع المسودة وقائع هزم فيها حتى خرج خرجته الأخيرة فأوقع بالمسودة، ودخل آمل في جمادى الآخرة من سنة احدى وثلاثمائة، وأقام بها ثلاث سنين وثلاثة أشهر إلاّ أياماً، التي اعترض عليه فيها الداعي الحسن بن القاسم الحسن رضي الله عنه فأودعه القلعة باللازر حتى استنقذه ليلى الديلمي وأعاد الإمام إلى آمل فتوفي فيها، وله أربع وسبعون سنة، ولم يبق أحد بالجيل والديلم إلاّ أسلم على يديه وعلمهم الدين والمذهب، وكان فقيها عالما رئيساً شجاعاً شاعراً.
وله المصنفات الكثيرة، والآثار الخطيرة، كان يصحب الحسن و محمد ابني زيد الحسنيين بجرجان، وكان لا يتقلد لهما عملاً ولا يتلبس بشيء من أمرهما، وكان يعتقد أن أمورهما لاتجري على السداد والاستواء ولا على وجه العدل، فكان أصحاب الحسن و محمد يقولون: إن أبا محمد - يعنونه - تفوح رائحة الخلافة من جبينه.
ثم قلده محمد بن زيد القضاء فأبى فأكرهه عليه فتقلده، فلما جلس أول يومه أتاه محمد بن زيد إجلالاً له وتعظيماً لشأنه فأمر القائم على رأسه وهو في مجلس الحكم بأن يأخذ محمداً فيقعده بين يديه.
فقال محمد: لم آتك مخاصماً ولا لأحد قبلي دعوى، فما هذا؟
قال له: بلى عليك دعاوي كثيرة، فإن كنت قلدتني القضاء فإني أبدأ بإنصاف الناس منك، ثم أقضي بين الناس، فلما علم محمد منه الجد عزله ثم لم يتقلد له عمل بعد ذلك، ولما كان من أمر محمد ما كان خرج عنه فوقع إلى الدامغان، وخرج منها إلى الديلم إلى مدينة حستان بن وهشودان مرزبان الديلم، ثم استأذنه في الخروج إلى جيلان، فأذن له وأمده فنزل قرية كيلاكجان.
ولما استفحل أمره وحارب على باب آمل أول محاربته، خاف منه حستار عند انصرافه فصالحه فذلك حيث يقول:(1/544)